في ظل اختفائها بسبب كورونا.. مقدسيون يتذكرون أجواء القدس الرمضانية

الصورة التي ينتظرها المصورون كل عام في إحياء ليلة القدس في المسجد الأقصى سيحرمون منها هذا العام (الجزيرة)
الصورة التي ينتظرها المصورون كل عام في إحياء ليلة القدس في المسجد الأقصى سيحرمون منها هذا العام (الجزيرة)

أسيل جندي-القدس المحتلة

سبق دخول شهر رمضان المبارك ابتداء من الجمعة، إعلان استمرار إغلاق المسجد الأقصى المبارك أمام المصلين في ظل تفشي جائحة كورونا.

هذا الإعلان مزّق قلوب الفلسطينيين الذين لم يتخيل أي منهم مرور هذا الشهر دون ارتياد المسجد الأقصى بشكل يومي والسير في أزقة البلدة القديمة والاستمتاع بأجوائها الاستثنائية.

أفواجا يصل المصلون إلى البلدة العتيقة بعد كسوّها بحلتها الرمضانية، ويتفرقون كل من الباب الذي اعتادت قدماه الدخول منه، فتجد الآلاف يسيرون في طريق الواد حيث يستقبلهم حانوت بأنشودة "مولاي صلّ وسلم دائما أبدا على حبيبك خير الخلق كلهم"، وينعطفون بعدها يسارا ليدخلوا إلى أولى القبلتين من باب المجلس.

آخرون يفضلون الدخول من باب حُطّة الذي يشتهر بزينته الرمضانية المتجددة وبالفعاليات التي تنطلق منه لتجوب البلدة العتيقة، أما سكان أحياء القدس الجنوبية فيفضلون الدخول من باب الأسباط الذي ينتشر في ساحته الخارجية الباعة الذين يستميلون المصلين لشراء بضاعتهم بكافة الوسائل.

هذه الأجواء اندثرت جميعها هذا العام، وأُغلق في وجه المصلين مهوى قلوبهم المسجد الأقصى، فلن تستعجل المسنة المقدسية فوزية عبيدي في ترتيب مطبخها بُعيد وجبة الإفطار، ولن تضع سجادة صلاتها وقارورة المياه في حقيبتها لتنطلق مشيا على الأقدام يوميا من منزلها في حي رأس العامود إلى المسجد الأقصى، لتصعد لاهثة إلى باب الأسباط لأداء صلاتي العشاء والتراويح.

أعضاء فرقة الرازم أثناء مسيرتهم نحو لإضاءة فانوس رمضان 2019 (الجزيرة)

فراغ وغصّة
عن تلك المشاعر، حدثت الجزيرة نت قائلة "أشعر بفراغ كبير وحزن عميق.. رمضان بالنسبة لي يقتصر على العبادة والتوجه للمسجد الأقصى، فهو ليس قبلتنا وحدنا في هذا الشهر، بل قبلة الفلسطينيين من كل المحافظات والسياح المسلمين الذين ألفنا وجودهم بيننا في الباحات".

وصفت عبيدي أجواء رمضان هذا العام بسبب تداعيات الفيروس المستجد بالباهتة، وقالت إنها ستفتقد صوت الباعة الذين يتفننون في مناداة المصلين لشراء بضاعتهم، إذ كانت تحرص كل عام أثناء خروجها من المسجد على شراء ألعاب لأحفادها وأوان مطبخية تباع بأسعار زهيدة.

هذا العام ستبقى حبيسة المنزل طيلة الشهر وهي التي كانت لا تشعر بالحرية إلا في رحاب الأقصى الذي تقصده يوميا في الشهر الفضيل، "سأفتقد هذا العام أيضا المشهد المهيب لتوافد عشرات آلاف المصلين وتزاحمهم عند الأبواب للدخول للأقصى".

"فرّح ابنك بعشرة شيكلات.. بوظة باردة.. قرّب وجرّب"، هذه العبارات وغيرها تصدح بها حناجر الباعة عند مداخل الأقصى في رمضان كل عام، لكن المداخل أضحت فارغة كما الأزقة والمصليات، ولن تتمكن عدسة المصور المقدسي إياد الطويل من اقتناص أي لحظة جمال في شهر رمضان هذا العام.

 مقدسيون يتوجهون للمسجد الأقصى لأداء صلاة العشاء والتراويح في الجمعة الأولى من رمضان الماضي (الجزيرة)

كاميرات هُجرت
قبل حلول شهر رمضان بيوم واحد، يحرص إياد على شحن أربع بطاريات لكاميرته لأن عدسته لا تتوقف عن التقاط الأجواء الاستثنائية في القدس، وقال "أقضي 18 ساعة من أصل 24 يوميا في الأقصى، أبدأ يومي بتصوير وجبة السحور في المسجد ثم الابتهالات وصلاة الفجر والشروق، وأتوجه لمنزلي للنوم ثم أستيقظ لعمل مونتاج وتنزيل الصور، وأعود للأقصى مجددا وأمكث إلى شروق اليوم التالي وهكذا".

اعتاد إياد التوجه في أولى أيام الشهر الفضيل إلى حاجز قلنديا العسكري شمال القدس لالتقاط صور قريبة لوجوه المصلين التي تعتليها البهجة، رغم مشقة الرحلة لقدومهم من قرى بعيدة من الضفة الغربية.

‪باب العامود وقد احتشد الفلسطينيون أمامه في رمضان الماضي‬ (الجزيرة نت)

زينة رمضان والمخللات والقطايف وبسطات البرازق والخبز بأشكاله والمعجنات وغيرها، صور اعتاد المصور الشاب أيضا على التقاطها ونشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي على وسم #رمضان_في_القدس_غير.

ومع حلول موعد الإفطار تلتقط عدسته صورا للإفطارات الجماعية التي تتبرع بها الجمعيات المختلفة لصالح المصلين الوافدين للأقصى.

"بعد التقاط صور الإفطارات أتوجه للإفطار مع أفراد أسرتي الذين اعتادوا على ذلك في الأقصى منذ هبة البوابات الإلكترونية.. متعتي بالوجود في هذا المكان على مدار الساعة".

 

شوارع القدس تكتظ بالباعة خلال شهر رمضان سابق (الجزيرة)

وعند سؤاله عن شعوره تجاه اختفاء كافة هذه المظاهر هذا العام، تنهد طويلا ثم قال "فيروس كورونا خلق حاجزا بيني وبين الكاميرا.. هي موجودة أمامي لكنني لا اقترب منها ولا أمسكها.. لا مظاهر رمضانية في القدس لأصورها، ولا الأقصى مفتوح أمامنا لندخله ونحييه وننقل جماله بعدساتنا".

في ختام حديثه للجزيرة نت، قال المصور الطويل إنه سيفتقد هذا العام التقاط أحبّ صورة لقلبه عندما يعتلي والمصورون سطح المصلى القبلي ويلتقطون من أعلاه صورة عامة للمسجد وهو مكتظ بمئات آلاف المصلين في ليلة القدر.

عند انقضاء صلاة التراويح تتنوع الأنشطة الشعبية في البلدة القديمة بالتحديد، وأحد أعمدة هذه الأنشطة الممثل المسرحي المقدسي حسام أبو عيشة الذي يسكن في البلدة القديمة، ولم يكن مستغربا أن تنهمر دموعه عند حديثه عن اختفاء الأجواء الرمضانية المقدسية هذا العام.

الحكواتي والفانوس
نشاطات متعددة الأوجه يقوم بها أبو عيشة، إذ يبدأ يومه الرمضاني بفعاليات للمسنين عن عادات رمضان وتقاليده وأهمية التسامح وضبط النفس، وينهيه عادة بالنشاطات الشعبية، إذ ينطلق بمبادرة "الحكواتي" التي يجوب بها مقاهي البلدة القديمة وكلا من باب العامود وباب حطة وخان أبو خديجة، كما يشارك كل عام بمسيرة إضاءة فانوس رمضان، والزفّات الدينية والشعبية التي تنطلق كل خميس من باب حطّة في الشهر الفضيل.

‪عبد الجليل الرازم‬ (الجزيرة نت)

وجه حسام الذي ألفه المقدسيون وزوار المدينة، لن يطل عليهم هذا العام إلا في المسلسل الرمضاني "كفر اللوز 2" على شاشة التلفزيون الرسمي.

"سأحاول قدر الإمكان إدخال البهجة على قلوب الناس عن بعد طيلة الشهر من خلال اصطحابهم معي في جولات بشوارع القدس وأزقتها وأسواقها في بث مباشر على فيسبوك، فأنا أواظب يوميا على ذلك منذ انطلاق أزمة كورونا وسأستمر".

ولإدخال السكينة على قلوبهم التي أضناها البعد عنه واشتاقت لركعة في جنباته، توجّه بضعة شبان لأداء صلاتي العشاء والتراويح متباعدين بين بابي الأسباط وحُطّة، في مشهد يترك في القلب غصة عميقة، وفي العقل ألف سؤال وسؤال عن موعد اختفاء الفيروس المستجد وطبيعة الحياة بعده.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

ما بين "حصار الاحتلال وكورونا" تزداد معاناة سكان القدس، فمع ما تتعرض له المدينة المقدسة من انتهاكات مستمرة مثّل انتشر الوباء كابوسا جديدا ليفاقم مشكلاتها الصحية والإنسانية والديموغرافية.

المزيد من اجتماعي
الأكثر قراءة