كورونا يشتت عائلات فلسطينية بين القدس وبيت لحم

الأمن الفلسطيني يمنع دخول المواطنين بيت لحم والخروج منها بسبب تفشي فيروس كورونا (الجزيرة نت)
الأمن الفلسطيني يمنع دخول المواطنين بيت لحم والخروج منها بسبب تفشي فيروس كورونا (الجزيرة نت)

أسيل جندي-القدس المحتلة

اعتادت الشابة الفلسطينية تمارا جقمان منذ زواجها عام 2013 وانتقالها من مدينة بيت لحم إلى القدس، على الحد من تحركها بسبب عدم امتلاكها تصريحا يُسهل عليها ذلك، لكن لم يخطر ببالها يوما أن تُمنع من رؤية عائلتها في بيت لحم بسبب فيروس فتّاك تتسع دائرة انتشاره يوميا.

كورونا بات الشبح الذي يسيطر على تفاصيل حياة تمارا اليومية ويحول أحلامها في المساء إلى كوابيس.

في حديثها للجزيرة نت، بدا صوت الشابة مضطربا كئيبا وهي تصف مشاعرها تجاه الصور ومقاطع الفيديو القادمة من مدينة مهد المسيح التي تحولت لمدينة أشباح بعد منع التجول بها.

وقالت "شاهدت فيديو يظهر شوارع مدينة بيت لحم فارغة وكل محالها مغلقة ويرافق هذه المشاهد أغنية موطني.. لم أتمالك نفسي بكيت بحرقة لأنني اعتدت على حيوية وانتعاش شوارعها وألفتُ وجوه سكانها في المحال التي أوصدت أبوابها إلى إشعار آخر".

تمارا جقمان مع طفليها المحرومين من زيارة بيت لحم منذ تفشي الوباء (الجزيرة نت) 

فراق الأحبة
مرّ الشهر الأول دون أن تتمكن تمارا من دخول بيت لحم لزيارة عائلتها، وأكثر ما آلمها حتى الآن عدم تمكنها قبل أيام من زيارة قبر والدتها -التي توفيت قبل أشهر- في يوم الأم لتهديها باقة زهور وتخبرها "أن الحياة لم تعد كما كانت قبل رحيلها، وأن والدها وشقيقيها يقبعون في الحجر الصحي المنزلي وأنهم يحتاجون لوجودها بينهم أكثر من أي وقت مضى".

لا تتوقف تمارا عن التفكير بوالدها عبد الله وبشقيقيها طوني وإلياس، وقالت إن أباها الذي يعمل في قطاع السياحة بات عاطلا عن العمل الآن، وإن نفسيته تأثرت سلبا بشكل عميق.

"تمنيتُ لو أنهم يسكنون قربي لأتمكن من تحضير الطعام لهم وتلبية احتياجاتهم في ظل غياب أمي التي لم نعتد جميعا على نمط الحياة الجديد بعد رحيلها".

تنهدت الشابة الثلاثينية وصمتت لبرهة ثم أردفت "أشعر أن الحياة انقسمت لقسمين: حياتنا قبل فيروس كورونا وحياتنا بعده التي لم تتضح ملامحها بعد وهذا أكثر ما يقلقني".

ليس تمارا وحدها من تشعر بالقلق بسبب مرور نحو شهر على إغلاق مدينة بيت لحم وعزلها عن محيطها، بل كافة النساء اللاتي يتشابهن مع قصتها وغادرن بيت لحم قبل سنوات بعد الارتباط بأزواجهن المقدسيين.

كارمن لاما انتقلت للعيش مع زوجها في القدس عام 2005 وغادرت مدينة بيت لحم وتركت والديها المسنين وحيدين هناك.

الشارع المؤدي إلى كنيسة المهد في بيت لحم يبدو فارغا (الجزيرة نت) 

أقصى الأمنيات
خلال حديثها مع الجزيرة نت رددت عدة مرات عبارة "لا سمح الله لو احتاج أحدهما للنقل إلى المستشفى لحالة طارئة من سيصطحبهما؟ لو سقط أحدهما وتعرض لكسر أو لجلطة فجائية ماذا سأفعل؟ لا أحد هنا غيري وأنا مكبلة لبعدي عنهما".

منذ اليوم الأول لإحكام الأجهزة الأمنية الفلسطينية الإغلاق الشامل على مدينة بين لحم انفطر قلب كارمن حزنا على المدينة التي تنتمي إليها وعلى والديها المسنين.

تقول "أقف عاجزة أمام أسئلة أبنائي باسيل ومارك المتكررة حول موعد زيارتنا القادمة لمنزل جديهما، وأشعر أن أمي وأبي مثل أبنائي الآن وأنني المسؤولة عنهما في ظل اغتراب شقيقي الوحيد في ألمانيا".

تصلي كارمن من أجل زوال هذه المحنة وتشعر أن "خروجها وعائلتها سالمة من هذا الفيروس بعد انتهاء أزمته سيكون بمثابة عيد وتاريخ يُحتفل به سنويا".

المحال التجارية في البلدة القديمة بالقدس مغلقة بأمر من الأمن الفلسطيني (الجزيرة نت)

قلق كارمن على ذويها تُرجم على لسان والدها الثمانيني الذي اعتبر أن بعده وزوجته القسري عن ابنتهما في هذه الظروف ظلم يتمنى أن يرفع قريبا.

"أتمنى لو أن كارمن تسكن بجوارنا وتساعدنا في تلبية طلباتنا اليومية، لأن الحياة في بيت لحم باتت قاسية في ظل الإغلاق الشامل الذي لا نعرف سقفا زمنيا لنهايته".

تمتمات هذا المسن التلحمي وصلوات زوجته الحلبية الأرمنية امتزجت مع صوت ابنتهما كارمن التي تمنت أن تزول هذه الغمة لتتمكن مجددا من الدخول لمهوى قلبها مدينة بيت لحم، لتشكر الله على زوال هذا المرض في كنيسة القديسة كاترينا بساحة كنيسة المهد التي ألفت الجلوس على مقاعدها منذ نعومة أظفارها.

المصدر : الجزيرة