كورونا يربك تحضيرات المسيحيين لعيد الفصح بالقدس

جانب من مسيرة الشعانين التي تعد أحد أهم الطقوس التي تسبق عيد الفصح (الجزيرة-أرشيف)
جانب من مسيرة الشعانين التي تعد أحد أهم الطقوس التي تسبق عيد الفصح (الجزيرة-أرشيف)
 أسيل جندي–القدس المحتلة
 
عبثا تحاول السيدة المقدسية نهيل خوري التخفيف من توتر طفلتها لورد، التي لا تتوقف عن طرح الأسئلة المتعلقة بإمكانية احتفالها بعيد الفصح المجيد كالأعوام السابقة، بعد خضوعها وأسرتها للحجر الصحي المنزلي، في ظل إعلان حالة الطوارئ بسبب فيروس كورونا.
 
متى سنزين المنزل؟ ومن أين سأشتري ملابس العيد؟ ومتى سنخرج لزيارة منزل جدي؟ وما شكل الشعنينة التي سأحملها في مسيرة أحد الشعانين؟

هكذا تسأل الطفلة ذات الأعوام الثمانية، التي انقلبت حياتها وأسرتها رأسا على عقب منذ نحو أسبوعين، فلم تعد تتوجه لمدرستها، ولم تشارك في الفعاليات الخاصة بعيد الفصح.
 
تقف نهيل عاجزة أمام تلبية رغبات طفلتها، وتقول "اعتدنا في هذا الوقت من العام أن أبدأ شراء الملابس لأطفالي، وأستعين بالإنترنت للاطلاع على أفكار جديدة للشعنينة التي يحملها الأطفال في أحد الشعانين بالكنيسة والمسيرة، وأبدأ كذلك تزيين المنزل وتهيئته لاستقبال العيد، أما في هذا العام فجل تفكيري ينصب على كيف ومتى ستنتهي أزمة كورونا".
 
لم تتخيل نهيل يوما أن يحرمها وعائلتها فيروس من التوجه إلى كنيسة لحضور الصلوات الخاصة بعيد الفصح، وهو أحد أهم الأعياد المسيحية الذي يحتفلون فيه بقيامة المسيح عيسى عليه السلام من قبره في كنيسة القيامة بالقدس، حسب معتقداتهم.
 
ورغم لهفة طفلتها على المشاركة في الطقوس الجماهيرية للعيد في القدس، فإنها -كما يبدو- ستضطر للاحتفال به في منزلها، وتقول الأم إن ابنتها "واظبت هذا العام على الصيام رغم صغر سنها، لذلك هي متحمسة لقدوم العيد أكثر من شقيقيها الذكور، ولأدخل الفرحة إلى قلبها سنصبغ البيض في المنزل، وسنقيم صلواتنا وحدنا فيه، لكننا لن نشتري الملابس الجديدة، ولن نصنع شعنينة لها لتحملها في الكنيسة".
 
لا تقتصر تلك الحالة على أسرة نهيل خوري وطفلتها لورد زعرو، بل تشمل كافة الأسر المسيحية المقدسية التي لن تتمكن من الاحتفال بالعيد هذا العام.

الطفل باسيل سحار (13 عاما) قال للجزيرة نت إنه اعتاد في مثل هذا الوقت كل عام ارتياد مراكز التسوق لشراء ملابس العيد، في حين تهتم والدته بشراء الكعك والضيافة التي تقدم لزوارهم. 
 
يقول سحار"أنتظر مسيرة أحد الشعانين بلهفة، وأشارك مع رجال الدين وآلاف المسيحيين القادمين للمشاركة فيها من كل أنحاء العالم، لكننا سنحرم جميعا منها هذ العام".
 
الكشافة والمسيحيون ورجال الدين يتقدمهم رئيس الأساقفة المدبر الرسولي بيير باتيستا بيتسابالا في مسيرة أحد الشعانين (الجزيرةـ أرشيف)
طقوس
يجمع المسيحيون على أن القداديس الخاصة بعيد الفصح هي ما تميزه، إذ يشعر كل من يشارك فيها بروحانيات استثنائية. وبالإضافة إلى القداديس التي تقام خلال فترة الصوم؛ يكثف المسيحيون حضورهم للصلوات في "أسبوع الآلام"، الذي يبدأ "بأحد الشعانين"، إحياء لذكرى استقبال النبي عيسى عليه السلام عند دخوله مدينة القدس، وانطلاق معاناته التي أدّت في نهاية المطاف إلى صلبه، حسب المعتقد المسيحي.
 
ويمتد "أسبوع الآلام" بين أحد الشعانين وأحد الفصح، ومع حلول "خميس الأسرار" يحيي المسيحيون طقوس "ليلة العشاء الأخير"، وفي اليوم التالي يحيون "الجمعة العظيمة" باعتبارها "ذكرى اليوم الذي صُلب فيه النبي عيسى عليه السلام" -حسب اعتقادهم- وهو يوم الجمعة السابق لعيد الفصح.
 
ومع حلول "سبت النور" تتجه الأنظار إلى كنيسة القيامة، الواقعة في البلدة القديمة بالقدس، وتعج الكنيسة وساحتها بالمصلين، وفي هذا اليوم تقرع أجراس الكنيسة إلى أن يصلي البطريرك، ويسود الصمت، إلى أن يخرج حاملا الشعلة المضاءة من القبر؛ وهكذا تنطلق "الاحتفالات بقيامة السيد عيسى عليه السلام"، حسب الاعتقاد المسيحي.
 
 المطران عطا الله حنّا يأمل حدوث معجزة تنهي الفيروس (الجزيرة)
بانتظار معجزة
ويؤكد رئيس أساقفة بطريركية الروم الأرثوذكس في القدس المطران عطا الله حنّا أن كافة الطقوس الدينية المرتبطة "بالأسبوع المقدس" ستتم في كنيسة القيامة، حسب البرنامج المتبع كل عام، لكنه أشار إلى ضرورة عدم تجاهل المصلين للأزمة التي يمر بها الجميع بسبب فيروس كورونا، داعيا الى الالتزام بكافة الضوابط والإجراءات الوقائية الهادفة إلى الحد من انتشار الفيروس.
 
وأضاف حنا "من ناحية عاطفية يؤلمني رؤية أروقة الكنيسة فارغة، لكن الوضع الحالي يحتم علينا التصرف من منطلق العقلانية والمسؤولية، ويمكننا جميعا -مسيحيين ومسلمين- التضرع إلى الله ليحفظ بلادنا وأنفسنا من هذا الوباء الخبيث".
 
وختم حنّا حديثه للجزيرة نت بقوله "إن الآباء والرهبان في كنيسة القيامة يؤدون وسيؤدون كافة الطقوس الدينية الخاصة بعيد الفصح"، متمنيا أن يتمكن المسيحيون من الاحتفال بشكل جماعي في الكنيسة "في حال حدثت معجزة إلهية تنهي تفشي هذا الفيروس".
المصدر : الجزيرة