لأب فلسطيني وأم مصرية.. فايزة تعيش متخفية في القدس منذ 25 عاما بسبب "غزة"

الجزيرة نت-القدس المحتلة

منذ احتلال شرق القدس عام 1967 تقوم وزارة الداخلية الإسرائيلية بمنح بطاقة إقامة دائمة للسكان الفلسطينيين الأصليين في المدينة، وسحب الإقامة من بعضهم أيضا، وتفرض إجراءات مشددة على منحها لأزواج المقدسيين من الضفة الغربية أو خارج فلسطين، في ما يُعرف بـ"لمّ الشمل"، في حين تغلق الباب تماما عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين من قطاع غزة، باعتباره "كيانا معاديا".
 
وهنا تكمن مأساة السيدة الفلسطينية فايزة زيادة (43 عاما)، المولودة لأب فلسطيني وأم مصرية، فرغم إقامتها في القدس المحتلة منذ 25 عاما، فإن الاحتلال يرفض منحها أي وثيقة رسمية توفر لها الحياة الآمنة، فأصبحت فريسة الخوف من ترحيلها إلى قطاع غزة بعيدا عن زوجها وأطفالها السبعة إن أُمسك بها من دون "بطاقة شخصية".

تقول فايزة للجزيرة نت إنها انتقلت للعيش في القدس مع ابن عمتها بعد زواجهما عام 1996، وأقيم العرس بالقدس من دون أن تحضره عائلتها، التي لم تستطع الحصول على تأشيرة، ومنذ ذلك الحين حتى اليوم لم تزر عائلتها في مصر، لأنها تعلم أن سلطات الاحتلال لن تسمح لها بالعودة إلى بيتها وأبنائها في القدس، بحجة أنها لا تحمل الإقامة.

لم تر فايزة والدتها في مصر منذ زواجها وماتت من دون أن تلقاها (الجزيرة)
لم تر فايزة والدتها في مصر منذ زواجها وماتت من دون أن تلقاها (الجزيرة)

بلهجة مصرية مشوبة بكلمات مقدسية، قالت فايزة إن الهاتف هو وسيلة التواصل الوحيدة مع أخيها الوحيد في مصر، وأخواتها الثماني اللاتي توزعن –بعد زواجهن- بين مصر والسعودية واليمن ورام الله، وتُكثر من مكالمات الفيديو حتى لا تنسى ملامحهم. تلك المكالمات التي كانت صلة الربط بينها وبين والدتها شمس المرسى التي توفيت عام 2016 من دون أن تودعها.
 
تقول فايزة "أمي كانت من مدينة المنصورة، كنت أهوى زيارة بيت جدي الريفي في الإجازة بعيدا عن ضجيج القاهرة، بقيت على تواصل معها بعد زواجي عبر الهاتف، كنت أشاهدها وهي تصنع الكعك المصري". عند هذه الذكرى انقطعت فايزة عن الكلام لدقائق منهمكة في تجفيف دموعها التي لم تنقطع، بصعوبة أخذت نفسا وقالت "بقيت على أمل لقاء أمي، لكنها توفيت بمرض السرطان، ولم أستطع حتى توديعها، كنت مخيرة بين وداعها أو ألا أعود إلى أبنائي أبدا".

لم تتخل فايزة عن أمل لقاء والدها فاروق زيادة حتى اللحظة الأخيرة، حيث حصل على تحويلة طبيّة إلى مشفى المقاصد في القدس، لكنه توفي يوم التحويلة، بعد عشرة أشهر على وفاة زوجته.

أثناء حديثنا مع فايزة، صدح أذان الظهر من المسجد الأقصى داخل بيتها، فقالت إن هذا النداء هو الذي يصبرها، يقول لها خمس مرات في اليوم منذ 25 عاما إن حياتها ستتحسن.

‪تمتلك فايزة كافة الأوراق الثبوتية بأنها ولدت وعاشت في مصر لكن الاحتلال يصر على أنها عاشت وسكنت في غزة‬ (الجزيرة)
‪تمتلك فايزة كافة الأوراق الثبوتية بأنها ولدت وعاشت في مصر لكن الاحتلال يصر على أنها عاشت وسكنت في غزة‬ (الجزيرة)

وثائق
عرضت لنا وثائق ولادتها ودراستها التي تثبت أنها ولدت وعاشت في مصر، وليس في غزة، وقدمتها جميعها إلى وزارة داخلية الاحتلال، في محاولاتها الكثيرة لطلب الحصول على إقامة، لكن الوزارة ظلت تتجاهل كل الوثائق وتسلط مجهرا على كلمة "غزة" التي كتبت سهوا في بطاقتها الفلسطينية.

عبر درجات قديمة تحكي تاريخا عريقا، أصعدتنا فايزة إلى سطح بيتها، حيث إطلالة نرى منها بوضوح المسجد الأقصى وجبل الطور وأجزاء كبيرة من البلدة القديمة. نظرت المرأة إلى الأقصى بحسرة، وقالت "رغم قربه لا أستطيع زيارته، فجنود الاحتلال على أبوابه يطلبون الهوية شرطا للدخول، وأنا لا أملكها".

تخرج فايزة من بيتها لقضاء حاجاتها الأساسية، متوجسة من أي يسألها أي شرطي أو جندي عن هويتها، فالحواجز كثيرة في القدس والبلدة القديمة، كما أنها لا تستطيع زيارة ابنتها الكبرى التي تزوجت وعاشت في بلدة شعفاط على بعد كيلومترات قليلة من القدس، لأنها تخشى أن يفتش الاحتلال الحافلة التي تركبها ويسألها عن هويتها.

هاجس "الهوية" لازم فايزة وأبناءها السبعة، الذين خافوا ترحيل أمهم التي لم تتمكن من مرافقتهم في المناسبات العائلية أو الرحلات البعيدة، حتى أنها لا تستطيع زيارة شقيقتها جهاد التي تسكن في مدينة رام الله، على بعد 15 كيلومترا من القدس، بسبب الحواجز الإسرائيلية التي تفصل المدينتين.

عبر محامين، وعلى نفقتها الخاصة، تقدمت فايزة أعوام 1997 و2008 و2016 بطلب للمّ شملها مع زوجها وأبنائها، حيث قوبلت الطلبات بالرفض، حتى تمكنت في بداية مارس/آذار الحالي من المثول أمام قاضي المحكمة الإسرائيلية في قرية دير ياسين.

فايزة مع حفيداتها على سطح بيتها (الجزيرة)
فايزة مع حفيداتها على سطح بيتها (الجزيرة)

ادعى ممثل داخلية الاحتلال أنها عاشت بين عامي 2005 و2008 في غزة، ضحكت فايزة ساخرة لتجيبه أنها أنجبت طفليها عهد وفاروق في تلك السنوات في القدس. انتهت المحكمة بقرار القاضي منح وزارة الداخلية مهلة 14 يوما لإعطاء ردها النهائي بخصوص فايزة، ليحكم هو بعدها بالقول الفصل.

وقفت فايزة أمام القاضي وقالت له إنها في القدس منذ سنوات طويلة، فأجابها أنه لم يرها إلا اليوم، فردت "لأمثل أمامك وأشكو عذابي احتجت لطريق استمر 25 عاما، لقد سجنت في بيتي طوال هذه الفترة".

مُنحت فايزة مؤخرا ورقة تسمح لها بالتنقل داخل أسوار البلدة القديمة فقط، كما أنها لا تملك تأمينا صحيا يمكنها من العلاج. وتؤكد أنها تعرضت لابتزازات الاحتلال المباشرة وغير المباشرة لكي تعمل معه مقابل حصولها على الهوية.

ودعتنا وهي تنظر إلى قبة الصخرة في الأفق قائلة "مستعدة أتنازِل عن كلِ حاجة بس أبقى هون".

المصدر : الجزيرة