قبور داخل منازلهم.. كيف يتعايش معها المقدسيون؟

قبور داخل فناء عائلة العجلوني وفق البناء الأيوبي القديم (الجزيرة نت) 
قبور داخل فناء عائلة العجلوني وفق البناء الأيوبي القديم (الجزيرة نت) 

فوق الأرض وأسفلها تعجّ مدينة القدس بالآثار والمعالم والقصص التاريخية التي لا يتصورها كثيرون ممن يعيشون خارج المدينة.

ولعل وجود قبور الموتى داخل إحدى غرف المنزل أو حديقته يعد من إحدى الظواهر التي تمتاز بها البلدة القديمة التي احتضن ترابها على مرّ العصور نحو 153 جثمانا لشخصيات فلسطينية وعربية وعالمية بارزة، ومن بين هؤلاء أمراء وسياسيون واقتصاديون وعلماء دين وغيرهم عاشوا في المدينة، دُفنوا بمحيط المسجد الأقصى والبلدة القديمة تكريما لدورهم في العمل من أجل القدس.

وبالولوج إلى البلدة القديمة من باب الأسباط تلفت نظر المارّ باتجاه طريق الواد لافتات كُتب عليها "طريق المجاهدين" ويجهل كثيرون سبب التسمية الذي يعود للعهد الأيوبي حيث دفن مجاهدان جاهدا مع القائد صلاح الدين الأيوبي بعد فتح القدس وساهما في أسلمة المدينة وطلبا أن يدفنا بها بعد موتهما.

المقدسي يوسف العجلوني يقف بجوار العمود الحجري الذي كان يشعل أعلاه السرج أثناء زيارة القبور (الجزيرة)

علماء ومجاهدون

يرقد هذان المجاهدان في فناء عائلة العجلوني التي اشترت هذا البناء الأيوبي قبل 100 عام، واستقبلنا هناك المقدسي يوسف العجلوني (60 عاما)، وقال إنه ترعرع وكبر في الغرفة المطلة على القبور ولم يشعر يوما بالخوف من العيش بجوارها، بل على العكس كان يستأنس بالطقوس الاستثنائية التي حظيت بها أسرته في يوم الخميس من كل أسبوع.

"بين القبور يوجد عمود حجري أثري نهايته صحن ذو تجويف، كان الكثيرون يتبرعون بالزيت لتضعه والدتي بالسُرُج وتشعلها كل ليلة خميس كما كانت تشعل البخور، ويأتي كثيرون لزيارة القبور التي يعتبرون أن سكانها من الأولياء الصالحين".

ويصف العجلوني وجود القبور في فناء منزل العائلة بالشرف العظيم لما لهؤلاء من مكانة في الدفاع عن القدس ومقدساتها قديما وقال "نتشرف بأن يكون هؤلاء ضيوفنا حتى قيام الساعة".

الباحث في تاريخ القدس روبين أبو شمسية سرد للجزيرة نت تفاصيل البناء الذي تقطنه حاليا عائلة العجلوني قائلا إن أصل البناية أيوبية وتعد من أضخم الأبنية التي شُيّدت في عهد ابن شقيق القائد صلاح الدين الأيوبي الملك المعظم شرف الدنيا والدين عيسى ابن الملك العادل أبو بكر أيوب، وبنيت بين عامي 612 و618 من الهجرة، وكانت تتكون من طابقين على مساحة ضخمة وأُوقف لها الكثير من المباني في المساحة المشمولة بين برج اللقلق وباب حطّة بالبلدة القديمة.

روبين أبو شمسية: بناية عائلة العجلوني شُيّدت في عهد ابن شقيق القائد صلاح الدين الأيوبي (الجزيرة)

المدرسة المعظمية
شغلت البناية "المدرسة المعظمية" وكانت مغايرة للمدارس التي بنيت في عهد الأيوبيين إذ روجت للمذهب الحنفي لأن الملك المعظم عيسى كان الأيوبي الوحيد الذي اعتنق المذهب الحنفي فيما اعتنق الآخرون المذهب الشافعي، وبعد وفاته دفن في القاهرة.

لاحقا تعلم في هذه المدرسة الكثير من أهم العلماء الحنفيين في القدس وأشهرهم على الإطلاق شمس الدين الحموي الذي دفن في المكان وبجواره قبران للمجاهدين الآخرين.

بالخروج من المبنى الأيوبي العريق يكمل الزائر سيره ويصادفه على يساره مبنى الزاوية النقشبندية الذي تضم حديقته قبرا تاريخيا أيضا.

رحبت بالجزيرة نت في حديقة الزاوية وفاء البخاري ابنة شيخ الزاوية المدفون في الحديقة عام 1973 موسى البخاري، ودفن قبله جدها الشيخ يعقوب البخاري عام 1956 وقبلهما أحد أجداد العائلة في القبر ذاته عام 1144ميلادي.

قبور داخل فناء تعود للبناء الأيوبي القديم (الجزيرة نت)

قبل وفاة جدها بنى قبرا لنفسه في الحديقة وجعل شاهده الحجري على شكل عمامة، وعن طفولتها في المنزل المطل على الحديقة، قالت وفاء "لم أكن أقترب من المكان في صغري إلا عندما يرافقني شخص آخر، لأننا كنا نسمع القصص الشعبية عن الأشباح والأرواح".

تدريجيا زال الخوف الذي رافق وفاء في طفولتها من الأموات في القبر عندما اقتنعت أن "الأموات لا يخيفون ولا يؤذون أحدا بل الأحياء".

ليس هذا فحسب بل بدأت تشعر لاحقا أن عائلتها استثنائية، لأن أناسا من الصالحين مدفونون في حديقة المنزل، وشعور الفخر كان يرافق أيضا كل سكان البلدة القديمة ممن قُدّر لهم أن يدفن مجاهدون وأولياء في منازلهم وأفنيتها قديما.

وعند سؤالها عما يعني أن تحتوي إحدى غرف المنزل أو حديقته على قبر قالت "إحساس مريح جدا أنهم يرقدون بجواري أشعر بالأرواح الطيبة تحميني من كل شر، وخلال عملي الدؤوب في الحديقة حمتني أرواحهم الطاهرة من عدة إصابات كادت تقتلني".

حديقة عائلة البخاري وفي آخرها حجرية مبنية حول قبر تاريخي (الجزيرة)

متصوفون

أبو شمسية قال إن أحدا ممن يرقدون في القبر هو جد العائلة الأوسط ممن ساهموا في رفع مكانة الزاوية النقشبندية البخارية، بوضع دعائم مفهوم إطعام الفقراء والزهاد القادمين من بخارى بشكل خاص وأوزبكستان بشكل عام.

بالعودة باتجاه باب الأسباط وبالتحديد عند باب حطّة أحد أبواب المسجد الأقصى يمر المصلون بجوار مبنى أيوبي بناه حفيد القائد صلاح الدين الأيوبي الملك الأوحد ابن نجم الدين ابن الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي.

بنى الحفيد المكان كزاوية وآثر أن يدفن فيه بعد موته، واستُخدم المكان لتدريس المذهب الشافعي، ولاحقا سكنت عائلة الشرباتي التي تنظر لموضوع القبر بشكل مغاير في البناية.

أحد أفراد عائلة الشرباتي الذي رفض الإفصاح عن اسمه قال إنه وأشقاءه الستة ولدوا وترعرعوا في الغرفة التي يوجد فيها القبر ولم يتعاملوا يوما مع الموضوع من منطلق الخوف رغم أن الكثير من النساء كُنّ يسألن والدته بذهول عن جرأتها في العيش مع قبر في الغرفة ذاتها.

"كان كثير من الأشخاص ينسجون الخرافات ويسألوننا إن رأينا هذا الشخص الصالح ذاهب ليتوضأ ويصلي أو تخرج من قبره رائحة البخور وكنا ننفي ذلك دائما، لكن تطور الأمر لاحقا ولاحظنا أن كثيرا من الأشخاص باتوا يزوروننا للتبرك بالقبر، فالمحرومة من الإنجاب تأتي للتبرك والمريض كذلك".

هذه التصرفات دفعت بعائلة الشرباتي لفصل القبر عن بقية الحجرة بجدار من الطوب وإغلاق النافذتين المطلتين عليه، كي لا تؤثم العائلة بسبب هذه البدع حسب تعبيره.

قبر يضم رفات أحد شيوخ الزاوية النقشبندية (الجزيرة)

العهد المملوكي

الباحث أبو شمسية قال إن احتواء منازل البلدة القديمة بالتحديد على كثير من القبور يعود للعهد المملوكي، حيث ظهر الكثير من الكتب التي تتحدث عن فضائل مدينة القدس، ومنها أنها أقرب النقاط إلى السماء والمدفون بها مشفوع له يوم القيامة وغيرها من الفضائل.

وبالإضافة لإنشاء التُرب خارج سور المدينة التاريخي بدأ المماليك الدخول أكثر للبلدة القديمة عبر دفن الإنسان داخل المبنى الذي علَّم فيه أو بناه، وبالتالي فإن 64 مدرسة تحول معظمها إلى تُرب بعد موت أصحابها أو بعض علمائها.

أسهمت ظاهرة "البطّال" في انتشار القبور بالبلدة القديمة في العهد المملوكي أيضا وفقا لأبو شمسية، وهي عبارة عن اتفاق بين أحد الطامعين في السلطة وبين الحاكم بأن يُنفى الشخص الطامع أو المتمرد بعيدا عن القاهرة، ليعيش بأمان وضمن امتيازات معينة بشرط عدم التدخل بالأمور السياسية في القصر الحاكم.

وكانت الخيارات الأكثر شيوعا للنفي حينها مدينتي القدس وحلب، واختار جزء كبير من الأمراء وقادة الجيش "البطّالين" مدينة القدس وعاشوا فيها وارتبطوا بها روحيا، ورغم أن منهم من عادوا إلى مصر بعد أن أصدر الحاكم أمرا بالعفو عنهم، فإنهم أمروا بتشييد مبان تشهرهم وتربطهم بالقدس وطلبوا أن يدفنوا بها بعد موتهم، ومع تحول كافة هذه المباني إلى وحدات سكنية للمقدسيين لاحقا باتت تقع كافة القبور داخل المنازل أو في محيطها.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

بالخروج من المسجد الأقصى من باب السلسلة، يصل الزائر بعد أمتار على يساره إلى مبنى المكتبة الخالدية التي تأسست عام 1900، وفي البهو الرئيسي يوجد 3 قبور يعود تاريخها للفترة الأيوبية المتأخرة.

المزيد من القدس
الأكثر قراءة