في ذكراها الـ30.. شهود عيان يروون للجزيرة نت تفاصيل مجزرة الأقصى

نقل أحد ضحايا مجزرة الأقصى عام 1990 (وكالة الأنباء الفلسطينية)
نقل أحد ضحايا مجزرة الأقصى عام 1990 (وكالة الأنباء الفلسطينية)

قبل 30 عاما لم يكن هذا اليوم الثامن من أكتوبر/تشرين الأول يوما عاديا، حيث استيقظ المقدسيون على أصوات الرصاص والقنابل ومكبرات الصوت من المساجد تدعو لحماية المسجد الأقصى المبارك، فاستشهد 21 فلسطينيا وجرح المئات منهم عند تصديهم ومنعهم أعضاء جماعة الهيكل الذين حاولوا اقتحام المسجد بهدف إقامة صلواتهم فيه ووضع حجر أساس هيكلهم، ليؤرخ ذلك اليوم باسم "مجزرة الأقصى الأولى".

نفر الفلسطينيون كافة منذ صلاة الفجر إلى المسجد الأقصى بعد توارد معلومات عن نية المستوطنين المبيتة منذ أسبوع، وكان الاحتلال حينها يسمح للفلسطينيين من الضفة الغربية بالدخول إلى القدس، وما أثار الريبة يومها سماحه بدخول المصلين في يوم كهذا دون قيد أو شرط، حتى أن أبواب المسجد كانت مشرعة ولا تشديدات شرطية عليها.

يستذكر سادن المسجد الأقصى عاكف اشتية (58 عاما) ما حدث حينها، فيقول للجزيرة نت إنه كان موجودا مع حراس الأقصى قرب باب المغاربة غرب المسجد الذي كانت خلفه تعزيزات كبيرة من جيش الاحتلال على أهبة الاستعداد، أما في المسجد فحضر آلاف المصلين الذين كانوا يستمعون لمواعظ عبر السماعات الخارجية بصوت الشيخ حامد البيتاوي.

وعيد وتهديد
يقول اشتية "كان الوضع هادئا، وسمعت بأذني ضابطا إسرائيليا يدعى تسيون عزرا يقول بالعبرية لمن بجانبه "أنا أنتظر حجرا صغيرا يضربه الفلسطينيون على الكوتل (في إشارة إلى حائط البراق)، وسأريك حينها ماذا سأفعل بساحة جبل الهيكل (في إشارة إلى الأقصى)".

ولمنع اختلاط الجموع الكبيرة من المصلين فصلت النساء على سطح قبة الصخرة المشرفة، أما الرجال فتواجدوا في محيط المصلى القبلي، وفجأة سمعت أصوات النساء يصرخن ويستنجدن، فهب الرجال إليهن ليروا أعدادا منهن قد فقدن وعيهن بفعل قنابل الغاز التي أطلقها الاحتلال من نوافذ وسطح المدرسة التنكزية المحتلة قرب باب السلسلة.

كانت تلك شرارة البداية، فبدأ المصلون الغاضبون برمي الحجارة باتجاه باب المغاربة، فاقتحمت قوات كبيرة من جيش الاحتلال المسجد من جميع الاتجاهات، وبدأت بإطلاق عشوائي للرصاص المطاطي والحي وقنابل الغاز، وبعد انتهاء المجزرة أغلقت المسجد ليومين كاملين ومنعت المصلين من دخوله، باستثناء موظفي الأوقاف الإسلامية.

صور لبعض شهداء مجزرة الأقصى كما أوردتها إحدى الصحف (الجزيرة)

أحدهم فجروا رأسه وآخر قتلوه وهو يتوضأ
رأى عاكف اشتية الموت بعينيه، فقد انبطح أرضا بين مصطبتين قبالة باب المغاربة بعد أن علق بين حجارة المصلين ورصاص الاحتلال، واستمر يردد الشهادتين، وأثناء ذلك رأى قناصا إسرائيليا أمامه يدعى شلومي كتافي يتمركز على سبيل باب المغاربة ويطلق الرصاص الحي على المصلين، وقتل أمام اشتية الشاب برهان كاشور (19 عاما) قرب قبة يوسف آغا وفجّر رأسه.

كما شهد اشتية على قتل الشاب عدنان مواسي (31 عاما) من الداخل الفلسطيني، والذي استشهد وهو يتوضأ عند أحد أسبلة المسجد، وقام اشتية بنقل العديد من الجرحى الذين ملأت دماؤهم ملابسه التي احتفظ بها لفترة طويلة.

محمود جدة (يسار) ينقل أحد المصابين في مجزرة الأقصى (الجزيرة)

قتلوهم وهم يصلون
لا ينسى اشتية ما سجلته عيناه آنذاك وحفر في ذاكرته، فيقول "حاصرت قوات الاحتلال نحو 20 شابا قرب سطح المصلى المرواني، فلما رأى الشبان أنهم سيستشهدون لا محالة بدؤوا بالصلاة خلف إمام لهم ليموتوا كذلك، فجاء الضابط الإسرائيلي وأطلق النار على أرجلهم فأسقطهم جميعا على الأرض، ثم أوعز لطائرة تحلق حوله وطلب التقاط صورة علوية له وهو يرفع إشارة النصر بيد ويحمل السلاح باليد الأخرى ويدوس بقدمه على رأس الإمام".

العديد من الأحداث حفرت في ذاكرة عاكف اشتية الذي شهد مجزرة الأقصى الأولى (الجزيرة)

باع روحه بدل بضاعته
يوم المجزرة صلى محمد عريف أبو سنينة (30 عاما) في مسجد قرب بيته بمدينة الخليل جنوب فلسطين، ثم توجه كعادته حاملا بضاعته ليبيعها في القدس، لكنه لم يعلم أنه كان متوجها ليبيع روحه لله في المسجد الأقصى، وصل أبو سنينة إلى القدس وأسرع إلى الأقصى بعد سماعه عن نفير المصلين.

يقول شقيقه الأكبر محمد وليد أبو سنينة للجزيرة نت إن أخاه أصيب في رقبته واستشهد على الفور، ثم نقل إلى مشفى المقاصد، ومنه إلى مقبرة جبل المكبر، ويضيف "لقد كانت أكمام قميصه مرفوعة، أعتقد أنه كان يتوضأ، صليت عليه وودعته كان مبتسما بهيا".

رحل أبو سنينة دون أن تتمكن والدته وزوجته من وداعه، فقد فرض الاحتلال حظر التجول على مدينة الخليل التي كانوا يسكنونها، كما ترك وراءه 4 أطفال، وطفلا خامسا أنجبته أمه بعد شهر من استشهاد والده، وسمته محمدا تيمنا به.

صورة أرشيفية للشهيد محمد عريف أبو سنينة داخل باحات المسجد الأقصى (الجزيرة)

جريمة مبيتة
ساهم الناشط في حقوق الإنسان محمود جدة (72 عاما) بنقل عشرات المصابين في المجزرة إلى سيارات الإسعاف قرب باب الأسباط، ويقول للجزيرة نت إن الاحتلال أطلق عليه الرصاص المطاطي أثناء حمله أحد المصابين، فأصيب في خاصرته وذراعه.

رأى جدة العديد من الجرحى والشهداء أمامه، ويستذكر منهم الشهيدة مريم مخطوب (45 عاما) التي قتلت عند المدخل الجنوبي لطريق باب حطة، كما حفر في ذاكرته مشهد الرجل الذي نقل شهيدا قرب باب المغاربة وتخضبت كفاه بدمائه، ليعرف لاحقا أن ذلك الجسد المدمى هو شقيقه.

ويختم جدة قائلا "كان تعديا مبيتا على المسجد الأقصى، ادّعوا أن حجارة سقطت على اليهود في حائط البراق، لكننا كناشطين في حقوق الإنسان فندنا ادعاءهم أمام المنظمات الحقوقية الدولية، كان بحوزتنا تسجيل مصور لحائط البراق لحظة المجزرة وثقه مصور أجنبي، بالإضافة إلى شهادة خبير بريطاني رأى أحد الحجارة التي ادعى الاحتلال أنها ألقيت على مواطنيه، وأكد أن لا أحد يستطيع حمل حجر بهذا الحجم وإلقاءه كل تلك المسافة".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

بحلول عام 2003، بدأ اقتحام اليهود المتطرفين للأقصى بقرار قضائي، ثم صارت الاقتحامات جماعية عام 2006، حتى وصل الحال الآن إلى تأدية صلوات تلمودية علنية في ساحات المسجد أثناء مسار الاقتحامات. فماذا بعد؟

المزيد من القدس
الأكثر قراءة