عمرها 132 عاما.. ما لا تعرفه عن سكة القطار بين يافا والقدس

جانب من المتنزه الذي أقيم مكان سكة حديد القدس يافا غربي القدس (الجزيرة)
جانب من المتنزه الذي أقيم مكان سكة حديد القدس يافا غربي القدس (الجزيرة)

رغم مرور قرن ونيف على إنشاء خط سكة حديد ربط قديما مدينتي يافا والقدس الفلسطينيتين فإن كثيرين لا يعرفون معلومات دقيقة عنه، خاصة تلك المتعلقة بهوية من أنشأ هذه السكة، والمكاسب التي حققتها الحركة الصهيونية منها بعد افتتاحها بسنوات.

بعض المعلومات المغلوطة التي يتداولها الفلسطينيون أن الدولة العثمانية هي من أنشأت هذا الخط وربطته مع خطوط أخرى ليصل إلى الحجاز، لكن الحقيقة أن هذا الخط أنشأه اليهودي يوسف نافون الذي حصل على امتياز خط القطار يافا القدس من الدولة العثمانية عام 1888.

ووفقا للباحث الفلسطيني خالد عودة الله الذي كتب مقالا مطولا بعنوان "يافا-القدس.. تاريخ موجز لسكة الاستعمار"، فإن نافون تعثر في الحصول على تمويل يهودي فتلقفت فرنسا المشروع، وهكذا وُلدت شركة القطار العثمانية من يافا إلى القدس وفروعها بإدارة الفرنسي برنارد كولاه، ومُنح نافون وسام الشرف الفرنسي على دوره في زيادة النفوذ الفرنسي بالمنطقة من خلال مشروع القطار.

ووصف عودة الله في مقاله هذه السكة بأنها لم تكن عثمانية ولا فلسطينية بقدر ما كانت سكة استعمارية أوروبية في فلسطين خلال فترة الحكم العثماني، كما لم تكن بين مدينتين فلسطينيتين بقدر ما كانت بين ميناء يافا والقدس، مدينة الحجيج الأوروبي وموطئ القدم الاستعماري في فلسطين، كما أن هذه السكة تكثف قصة الاستعمار الأوروبي لفلسطين عبر 3 حقب زمنية هي العثمانية والإنجليزية والصهيونية.

وكان لهذا الخط -وفقا للباحث الفلسطيني- 8 محطات هي يافا واللد والرملة وسجد ودير آبان وبتّير والولجة والقدس، إلا أنه لم يتم الانتهاء من تشييد محطة الولجة، فتقدم العمل بسرعة في القسم الساحلي من السكة ما بين محطتي يافا ودير آبان، فيما كان العمل بطيئا وشاقا في القسم الجبلي، ما بعد محطة دير آبان وصولا إلى محطة القدس في البقعة، وذلك نظرا للطبيعة الجبلية، فاستخدمت المتفجرات لشق مسار السكة في جبال وادي الصرار ووادي السكة.

في 26 سبتمبر/أيلول 1892 افتتح خط يافا القدس، وانطلقت القطارات في رحلة يومية واحدة في كل اتجاه، من القدس الساعة السابعة والربع صباحا لتصل إلى يافا الساعة الـ11، ومن يافا الساعة الثانية والثلث لتصل إلى القدس السادسة مساء، وبيعت تذاكر الدرجة الأولى بـ4 دولارات، والثانية بـ33 سنتا.

منزل فلسطيني قديم في حي البقعة ما زال شامخا في منطقة المتنزه الذي أقيم بدلا من خط قطار يافا القدس (الجزيرة)

أهداف معلنة وأخرى مبطنة

يقول المؤرخ الفلسطيني جوني منصور إن الأهداف التي أعلنت لإنشاء هذا الخط آنذاك كانت دينية، وذلك لتسهيل انتقال الحجاج المسيحيين الأوروبيين من يافا إلى مدينة القدس في نهاية القرن الـ19، ولتطوير الحركة التجارية الأوروبية في الدولة العثمانية، في ظل تنافس الدول الأوروبية على أن يكون لها موطئ قدم في المنطقة.

ويضيف منصور في حديثه للجزيرة نت أنه من الصعب القول إن الفلسطينيين استفادوا من هذا الخط، بل إن المستفيد الأقوى كان المشروع الصهيوني عبر إقامته سلسلة مستوطنات على طول الخط، لتعم الفائدة الاقتصادية من خلال السيطرة على قطاع نقل البضائع.

ويعتقد أن "خطوط السكك التي أنشئت في كافة الدول العربية كان هدفها الرئيسي خدمة مصالح الدولة الاستعمارية المسيطرة رغم ما كان يعلن حينها أنها أنشئت لصالح الشعوب، وكانت الفائدة الوحيدة التي تتحقق للسكان الأصليين هي تسهيل تنقلهم".

وبشأن استهداف الثوار الفلسطينيين بعملياتهم خط يافا القدس، يقول المؤرخ الفلسطيني إنه لم يكن هناك تمرد ضد مشروع القطار خلال الحكم العثماني رغم تعالي الأصوات التي نبهت من خطر الحركة الصهيونية ومشاريعها، خاصة أن مؤسس القطار يهودي من أصل فرنسي.

ويؤكد أن التحرك الفلسطيني ضد هذا الخط كان في فترة الانتداب البريطاني، خاصة في زمن ثورة عام 1936، حيث استهدف بعمليات نوعية تفجير قاطرات عبر زرع ألغام ناسفة والهجوم على بعضها، خاصة تلك التي تحتوي على ذخائر للقوات البريطانية، مما دفع بريطانيا لتخصيص القاطرة الأولى للفلسطينيين، وجعل قائدها منهم لثني الثوار عن تلغيم الخط.

توقف العمل في خط القدس يافا عام 1998، لإجراء بعض الإصلاحات فيه، وأعيد تشغيله عام 2005 دون أن يشمل المقطع الأصلي من الحي الألماني حتى بيت صفافا في القدس، وقامت بلدية القدس بتجهيز المقطع المعطل وتهيئته ليصبح مسارا للمشي والركض وركوب الدراجات الهوائية.

بداية خط سكة الحديد في مدينة القدس وما زالت كما هي منذ توقف عمل القطار عام 1998 (الجزيرة)

منازل فلسطينية يسكنها الغرباء

اليوم، يقصد المكان كثير من المقدسيين الذين يمارسون الرياضة ويستمتعون بالعمق التاريخي المتمثل بعشرات المنازل الفلسطينية القديمة المتناثرة على جانبي السكة الأثرية التي ما زالت قضبانها ثابتة في الأرض تشهد على تاريخ طويل من الاستغلال الاستعماري من جهة، وترصّد الثوار الفلسطينيين له من جهة أخرى.

وعن المنازل القديمة، يقول منصور إنها تعود للفلسطينيين وبعض الحكام الأتراك الذين كانوا يحكمون البلاد آنذاك، وتمت السيطرة على معظم هذه الأحياء والمنازل عام 1948 وتحويلها إلى ما يسمى في إسرائيل "حارس أملاك الغائبين".

السيدة المقدسية سوزان عليان تنطلق الساعة الخامسة فجرا منذ 20 عاما لممارسة رياضة الركض على طول السكة الحديدية من منزلها في بلدة بيت صفافا جنوب القدس، وتتراوح المسافة التي تقطعها يوميا بين 8 و12 كلم.

وتقول سوزان للجزيرة نت "يقع منزلي مباشرة على خط السكة الحديدية، وقبل تحويل الخط إلى متنزه كنت أمارس الرياضة فيه أيضا، لبعده عن الشارع الرئيسي، وبالتالي عن التلوث الناتج عن دخان المركبات".

ورغم انتعاشها كل صباح بالهواء النقي في المسار الرياضي فإنها تشعر كل يوم بغصة لفقدان الفلسطينيين المنازل الأثرية في الأحياء الممتدة على طول خط السكة الحديدية، وبغصة أعمق كلما تذكرت أن هذا القطار الذي كان يمر من أمام منزلها كان سببا في فقدان أرجل شخصين من عائلة زوجها بعدما دعسهما القطار.

وعند سؤالها عما إذا كانت تتمنى أن يتم إنشاء سكة حديد فلسطينية يوما لتربط القدس بمدن عربية أخرى وعن الدولة التي ستكون وجهتها الأولى في حال تحقق ذلك، صمتت للحظات ثم قالت "وجهتي الأولى ستكون لبنان".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

بالخروج من المسجد الأقصى من باب السلسلة، يصل الزائر بعد أمتار على يساره إلى مبنى المكتبة الخالدية التي تأسست عام 1900، وفي البهو الرئيسي يوجد 3 قبور يعود تاريخها للفترة الأيوبية المتأخرة.

المزيد من القدس
الأكثر قراءة