في ذكرى انتفاضة الأقصى.. هل يشعل سباق السلطة بإسرائيل شرارة هبة ثالثة؟

خلال عام 2019 تضاعفت أعداد المقتحمين للمسجد الأقصى ثلاث مرات عن العام الماضي (الجزيرة نت)
خلال عام 2019 تضاعفت أعداد المقتحمين للمسجد الأقصى ثلاث مرات عن العام الماضي (الجزيرة نت)

جمان أبو عرفة-القدس المحتلة

في 28 سبتمبر/أيلول 2000، وللفت أنظار خصومه السياسيين، وسحر أعين الناخبين الإسرائيليين؛ اقتحم زعيم المعارضة الإسرائيلية آنذاك أرئيل شارون باحات المسجد الأقصى بحماية ألفي جندي، وبموافقة من رئيس الوزراء إيهود باراك، وأشعل اقتحامه هذا شرارة انتفاضة الأقصى الثانية، التي استمرت خمس سنوات، وامتدت إلى كافة مدن وقرى فلسطين، وأسفرت عن استشهاد 4412 فلسطينيا وإصابة أكثر من 48 ألفا.

زاد شارون من استفزاز الفلسطينيين، فأعلن أثناء الاقتحام أن المسجد الأقصى سيبقى منطقة إسرائيلية، فطرده المصلون بالكراسي والأحذية، ليرد على ذلك في اليوم التالي بمجزرة داخل الأقصى استشهد فيها سبعة فلسطينيين وجرح 250 آخرون.

وفي الذكرى 19 لانتفاضة الأقصى، يُعيد التاريخ نفسه؛ فلا يألو سياسي في دولة الاحتلال جهدا من التصريح فعلا وقولا بأن السيادة لدولته على الأقصى، بدءا من رئيس الحكومة والوزراء وأعضاء الكنيست، وليس انتهاء بأفراد الجماعات الدينية المتطرفة التي احتلت مساحة لا بأس بها بين أروقة الكنيست حتى باتت مؤثرا فعالا على نتائج الانتخابات والنسيج الحكومي.

اقتحام أرئيل شارون للأقصى قبل 19 عاما فجر غضبا فلسطينيا وأشعل شرارة انتفاضة الأقصى الثانية (الجزيرة أرشيف)

الانتخابات وواقع القدس
وصوّت الناخبون الإسرائيليون  في الـ17 من الشهر الجاري للمرة الثانية خلال عام واحد، بسبب عدم استطاعة الأحزاب الإسرائيلية تشكيل حكومة تحظى بتصويت غالبية أعضاء الكنيست، لكن نتائج الانتخابات الثانية لم تتمكن أيضا من منح الأحزاب القدرة على تشكيل الحكومة، فتبعتها مفاوضات بين اليسار بقيادة بيني غانتس عن حزب أزرق أبيض، واليمين بقيادة بنيامين نتنياهو عن حزب الليكود، انتهت  بتكيلف الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين نتنياهو لتشكيل الحكومة المقبلة بحجة حصوله على عدد أعلى من التوصيات.

ويؤكد مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي الفلسطيني علاء الريماوي أن لا فرق في نتيجة الانتخابات بالنسبة للفلسطينيين، فاليمين الإسرائيلي بقيادة نتنياهو واليسار بقيادة غانتس لا يختلفان في نظرتهما إلى القدس والأقصى وسعيهما المتواصل لتهويدهما.

ويضيف الريماوي أن الفلسطينيين يترقبون الانتخابات لتأثيرها المباشر على واقع قضيتهم ومقدساتهم، فقد شهد سباق المرشحين وعودا للناخبين بضم الأغوار وتوسيع رقعة الاستيطان وترسيخ التهويد، وبسط سيادة كاملة إسرائيلية على المسجد الأقصى، وتسهيل لا محدود لجماعات الهيكل المتطرفة داخل المسجد، إضافة إلى وعود بعض الأحزاب الدينية كشاس ويهدوت هتوراة بالدفع باتجاه توسيع رقعة الكُنُس أسفل الأقصى وفرض التقسيم الزماني والمكاني.

وحسب الباحث زياد ابحيص فإن جماعات الهيكل المتطرفة التي حصلت على  45% من مقاعد حكومة تسيير الأعمال الإسرائيلية الحالية، تخطط لاقتحامات واعتداءات كبرى على المسجد الأقصى خلال موسم الأعياد المقبل وتتطلع لتغيير الوضع القائم فيه من خلال إغلاق المسجد تماما في وجه المصلين خلال الأعياد، وأداء الطقوس التوراتية بشكل علني داخل المسجد، وإعادة إغلاق مصلى باب الرحمة.

برامج المرشحين شملت سيادة إسرائيلية كاملة على الأقصى وخلت من أي أطروحات للسلام (مواقع التواصل)

الهدف واحد
ويرى الكاتب والمحلل السياسي زياد أبو زيّاد أن الحكومة الإسرائيلية تغلب عليها قوة اليمين، وأن غانتس -وإن كان أقل يمينية- فإن هدفه هو نفسه. وأضاف أبو زيّاد للجزيرة نت "أن الحكومة من اختيار المجتمع الإسرائيلي الذي يتجه نحو التطرف والفاشية، فلا أحد من الأحزاب أثناء الانتخابات تحدث عن السلام أو حل الدولتين، جميع الحملات ركزت على الاستيطان والتهويد وهذا يعكس ميول الناخبين".

وحسب الكاتب، فقد أُغلق باب المغاربة -مدخل الاقتحامات- أثناء انتفاضة الأقصى، لكنه فُتح من جديد بعد انتهائها، وفُتح معه باب من الانتهاكات بحق المسجد لم يغلق حتى اليوم، بل ازداد حجمه حتى تضاعفت أعداد المقتحمين لعام 2019 الحالي ثلاث مرات عن العام الماضي، وتراجعت صلاحيات الأوقاف الإسلامية صاحبة السيادة على الأقصى بنسبة قاربت 40%، إثر تحكم الاحتلال في الأبواب وعرقلة عمليات الإعمار والترميم وتعديه على الحرس، إضافة إلى ازدياد وتيرة الاستيلاء على عقارات البلدة القديمة المحيطة بالأقصى.

مخططات علنية
يقول أبوزيّاد إن وضع القدس في تدهور متسارع منذ الانتفاضة، ولم تخبو جذوة تهويدها يوما، لكنها كانت تسير بشكل تدريجي ضمن سياسة إسرائيلية ثابتة تستهدف واقع القدس ومعالمها الجغرافية والسياسية والاجتماعية والتعليمية، والجديد اليوم أن غراس تلك السياسة ومخططاتها أينع، وأمست علنية تشترك فيها كل أذرع الحكومة.

يضرب أبو زياد مثالا على ذلك قائلا "كانت شرطة الاحتلال سابقا تمنع بأمر من المحكمة العليا الإسرائيلية أي محاولات من اليمين المتطرف لإحداث بلبلة أو زعزعة الاستقرار داخل الأقصى، لكنها اليوم تدعمه علنا، وتعطي الأولوية لاقتحامات المستوطنين وتنفيذ برامجهم داخل الأقصى. كما أن برنامجا موجها زرع على مر سنوات عديدة في وعي المجتمع الإسرائيلي ضرورة تهويد القدس وإقامة الهيكل مكان الأقصى".

الأقصى.. شرارة الانتفاضات
ظل المسجد الأقصى على الدوام مصدرا للانتفاضات الفلسطينية كانتفاضتي الأقصى وهبّة النفق وهبّة القدس. وينبّه أبو زياد إلى "أن الأقصى قنبلة موقوتة لا يعي الاحتلال خطورة اللعب فيها، كما لا يعي أو يتجاهل بعض العرب ما يحدث أيضا، إلى درجة أن بعض الخطباء والإعلاميين العرب قللوا من أهمية ومكانة الأقصى الدينية، مضيفا إلى أن تغيير الوضع القائم في المسجد سيجلب الدماء".

يحذر الريماوي من أن السنوات الأربع القادمة ستكون الأخطر على القدس والمسجد الأقصى، معللا وجود إستراتيجية متعلقة بهما تذهب نحو مرحلة ثالثة من مراحل التهويد تمس بنية البلدة القديمة والمسجد بشكل متسق بناء على برنامج حكومي إسرائيلي ثابت لا يتغيّر بتعاقب الأحزاب.

سبل المواجهة
من جانبه، أوصى الباحث زياد ابحيص بالعودة إلى موقف عربي داعم للقدس والأقصى، بعيدا عن المنافسة العبثية لمواجهة الخطر تجاه الأقصى، وذلك بالتوازي مع تطوير موقف أردني رسمي يتناسب والتهديد الإسرائيلي على الأقصى.

كما نصح ابحيص بإعادة صياغة الخطاب الإعلامي حول معركة الأقصى، ودعم الحراك الجماهيري المقدسي بكل السبل، والتحرك الجماهيري في الساحات الخارجية لمنع الاستفراد بالقدس.

المصدر : الجزيرة