مدير الأقصى: الهرولة للتطبيع مع إسرائيل جرأتها على المقدسات لإشعال حرب دينية

مدير الأقصى الشريف الشيخ الكسواني بمكتبه شمال قبة الصخرة (الجزيرة)
مدير الأقصى الشريف الشيخ الكسواني بمكتبه شمال قبة الصخرة (الجزيرة)


جمان أبوعرفة-القدس المحتلة

حذر مدير المسجد الأقصى الشيخ عمر الكسواني من محاولات الاحتلال العبث بسيادة الأوقاف الإسلامية على المسجد الأقصى تمهيدا للسيطرة عليه، من خلال تصعيد انتهاكاته بحق المصلين والحراس، وحمايته المكثفة للمقتحمين وتصريحات مسؤوليه التي تهدد بإشعال فتيل "حرب دينية".

وأكد الشيخ في حواره مع الجزيرة نت أن الأمر الواقع بالأقصى يحدده المسلمون من خلال وجودهم ورباطهم فيه، وهذا ما أثبته انتصار هبّة البوابات الإلكترونية ومصلى باب الرحمة، كما دعا إلى "وجوب توّحد الدول العربية والإسلامية لردع ممارسات الاحتلال لأن الأقصى ليس للفلسطينيين وحدهم، ولا للأردنيين أصحاب الوصاية عليه". وفيما يلي نص الحوار:

مع تكرار اقتحامات المستوطنين للأقصى، كيف ترون تصاعد وتيرة تلك الاقتحامات والعلاقة بين منفذيها وشرطة الاحتلال؟

اقتحامات الأقصى تقع ضمن برنامج ممنهج من حكومة الاحتلال، بدءا من رأس الهرم (رئيس الوزراء) بنيامين نتنياهو والقوات الخاصة، وانتهاء بالمتطرفين الذين يدعون ويحرضون على اقتحام الأقصى، وينفذون هذا الاقتحام برعاية وحماية الشرطة والقوات الخاصة، ويقع هذا الإسناد ضمن إرادة الاحتلال لتغيير الواقع في الأقصى وفرض واقع الاقتحام اليومي، من أجل أن يتقبل الشعب الفلسطيني وأهل القدس هذه الفكرة.

لذلك هم يكررون هذا الاقتحام وهذا المنظر الذي تمادوا فيه إلى أداء صلوات تلمودية واقتحامات في شهر رمضان وأول أيام عيد الأضحى المبارك، وهذا مخالف للقرارات الدولية والأمر الواقع منذ عام 1921.

أما تعاون الشرطة مع المقتحمين فهو قرار إسرائيلي لفرض واقعهم في الأقصى، فبدون المتطرفين لا يستطيعون تنفيذ برنامجهم، ومن ثم يوفرون الحماية لهم وإدخالهم، ويزعمون أنها مجرد زيارة، ولكن نحن نؤكد أنهم يقومون بجولات استفزازية، وما يتم بقوة السلاح لا يعطي أي أحقية لا للمتطرفين ولا لشرطة الاحتلال بهذه الاقتحامات المتكررة.

الاحتلال سمح للمستوطنين باقتحام الأقصى وتنغيص أعياد المسلمين (الجزيرة)

لأول مرة يقتحم المستوطنون الأقصى أول أيام الأضحى في تجاهل واضح للمكان والزمان المقدسين، واعتدوا على المصلين، فلماذا لم تستطع جموع المصلين ودائرة الأوقاف منعهم؟

صبيحة العيد وجد في الأقصى رجالات الأوقاف والمرجعيات الدينية وجموع المصلين حتى وصلت أعدادهم إلى نحو مئة ألف مصل، لكنها لم تمنع الاحتلال عن جريمته التي خطط لها على أعلى المستويات، فالمصلون كانوا عزلا دافعوا عن الأقصى بعقيدتهم أمام أعتى الأسلحة، ووجدوا منذ الصباح الباكر أمام باب المغاربة لمنع الاقتحام، ولما وجد الاحتلال نفسه أنه انهزم في هذه المعركة استخدم القوة المفرطة التي أسفرت عن 64 إصابة منها بالغة، ومرر الاقتحام من باب المغاربة على عجالة، ضمن مسار قصير نحو باب السلسلة ليُظهر أنه انتصر.

ولكن نحن نقول إن الاحتلال لم يفز في هذه المعركة، بل كانت تلك رسالة للعالم أجمع أن الاحتلال لا يحترم أي تعددية دينية أو قدسية للمسجد الأقصى المبارك، وأن ما فعله مجرد ممارسة عنصرية من أجل فرض هذا الواقع على المسجد بمباركة أميركية طبعا. ونقول إن أهل بيت المقدس وفلسطين فعلوا ما بوسعهم للدفاع عن عقيدتهم ومسجدهم، والرسالة في ذلك اليوم كانت للعالم الإسلامي الذي رأى بأم عينيه اعتداءات الاحتلال. 

هل المشكلة تكمن في عدم وجود قيادة واضحة للمقدسيين تجمع كلمتهم وتنظم صفوفهم بمواجهة تلك الاقتحامات؟

السبب يكمن في الترهل العربي والإسلامي والجري وراء التطبيع والهرولة وراء السياسة الأميركية، فهذا ما جرأ الاحتلال على الأقصى وعلى جموع المصلين الذين بذلوا جهدهم لإفشال المخطط الإسرائيلي، والدليل أنهم اقتحموا في الساعة 11 تقريبا وذلك بعد انتهاء فترة الاقتحامات الصباحية.

القيادة الدينية موجودة، ولكن الناس بحاجة إلى قيادة راشدة تقودهم إلى بر الأمان، ومع التهديدات الإسرائيلية والملاحقة الشخصية والقمع لكل شخص، سواء كان من المرجعيات الدينية أو الشخصيات الوطنية، تصدع الصف قليلا.

وعلى الرغم من كل التهديدات فإن القيادة وجدت يوم اقتحام عيد الأضحى، ولكنها قُمعت بشكل مقصود حتى تتفرق الجموع، حيث اعتدي على الشيوخ محمد سرندح ومحمد حسين وعبد العظيم سلهب وعدنان الحسيني. 

أربعون ألف فلسطيني أدوا صلاة الجمعة عند باب الرحمة بالأقصى الشريف (الجزيرة)


كيف تنظرون لاستهداف مصلى باب الرحمة الذي اقتحمته شرطة الاحتلال بأحذيتها وعبثت بمحتوياته وسرقت بعض أثاثه، والتهديدات بعدم استمراره كمصلى وتحويله لمكاتب للأوقاف؟

الاحتلال يريد أن يوصل رسالة من خلال اقتحام مصلى باب الرحمة مفادها أنه من يقرر في المسجد الأقصى، هذا الأمر فيه صراع على السيادة والتدخل في المسجد الأقصى، وهذه رسالة واضحة لدائرة الأوقاف الإسلامية في القدس ولوزارة الأوقاف في عمّان أنه من يقرر. ولكن هذا نضال ورباط، ولن نكلّ ولن نملّ من الوجود في الأقصى، وإن ذهبنا سيأتي أبناؤنا من بعدنا، وهذا ما نزرعه فيهم حتى يزول الاحتلال.
          
هل تخشى من مصير مجهول لمصلى باب الرحمة كأن يسيطر الاحتلال عليه ويقدمه على طبق من ذهب للمستوطنين؟

أنا مطمئن على باب الرحمة طالما هناك شبل واحد في الأقصى يدافع عنه، ليس عندي خوف عليه ولكن خوفي على الأقصى ككل، لأن باب الرحمة جزء من الأقصى، إن ذهب الباب ذهب الأقصى. والمهم أن يبقى بيد أوقافنا ومسلمينا، كالمكتبة والمتحف والختنية فهي مرافق ومصليات في آن واحد، حتى مكتبي أنا شمال قبة الصخرة هو مصلى وجزء من المسجد الأقصى. قرار الأوقاف الإسلامية الثابت هو الإبقاء على باب الرحمة كما هو، بدون تدخل الاحتلال.

هل هناك ظهْر للحراس وسند يحميهم؟

بمجرد أن يشكو الحارس لا نبقى في مكاننا، نصله ونحل المشكلة، ولكن لا يتوقع منا الحارس أن نستطيع معاقبة الشرطة المسلحة، في أحيان كثيرة نتدخل لحل المشكلة وحماية الحارس فيعتدي الاحتلال علينا.

وبصفتي مسؤولا يجب أن أكون على رأس عملي، واستدعي جميع المسؤولين من أجل حماية حارسنا وأقصانا، وما يتعرض له الحراس وموظفو الأوقاف دليل أن حياتنا في خطر. لقد تعرضت للعديد من الاعتداءات التي كادت أن تمس بحياتي، وهذا ليس رياء، ولكن (هو) اعتقاد منا أنه حماية لأقصانا، إن حسبناها من ناحية مادية ورواتب لا يبقى منا مدير ولا حارس، ولكن الرابط الذي يبقينا هو رابط عقيدي وليس ماديا، وهذا مغروس في كوادرنا.

أعلن وزير الأمن الإسرائيلي نيته فرض التقسيم المكاني بالأقصى، وطالب بالسماح للمستوطنين بالصلاة فيه، هل ذلك بداية للعبث بالوصاية الأردنية على المسجد؟

هذا التصريح دليل على ما يبيته الاحتلال للأقصى، هو يريد أن يغير الواقع، ولكن ما حصل في هبة البوابات الإلكترونية وباب الرحمة وباب المغاربة يوم العيد رسائل للاحتلال يدركها جيدا أردان ومن هو أعلى منه، ومن يريد أن يفجر الوضع في الأقصى، وتصريحه هذا إشعال لفتيل حرب دينية.

والممارسات داخل الأقصى يفعلها الاحتلال ليلفت النظر عما يفعله في ساحة حائط البراق، تقريبا يحدث فيها يوميا حفريات وأنفاق تؤدي إلى تغيير كل ما هو إسلامي عربي، يريد أن يُهوّد المنطقة ويحيط المسجد الأقصى بحدائق تلمودية، حتى من يأتي من الخارج يرى مشهدا يهوديا وليس إسلاميا عربيا، وهو يأمل أن تصبح الاعتداءات مستساغة كما المسجد الإبراهيمي، ولكن ما حصل في هبة البوابات الإلكترونية قلب الطاولة على كل من يريد شرا بالأقصى.

المقدسيون يتصدون للمحاولات المتكررة لفرض الأمر الواقع الإسرائيلي على الأقصى (الجزيرة)


ما هو اتفاق الوضع القائم بالأقصى "الستاتيكو" وهل يتلاعب الاحتلال به؟

الستاتيكو كان آخر عهد الدولة العثمانية من أجل ألا يحصل صراع ديني إسلامي مسيحي يهودي، وتبنت اليونسكو قرارها بأن الأقصى حق للمسلمين وحدهم، والأمور التي يريد أن يفرضها الاحتلال ويغير فيها الوضع القائم ليناسب أطماعه، فهو يقول مصطلح "الأمر الواقع" ويقصد به الأمر الواقع الذي يفرضه على الأقصى، وما يحققه من مكاسب، ولكن  تعريف المصطلح هو الأمر الذي كان عليه الأقصى قبل الاحتلال عام 1967، وهو أن الأقصى للمسلمين وتحت سيادة الأوقاف الأردنية وهي صاحبة الأمر والنهي، لكن الاحتلال وبقوة السلاح فرض سيطرته على أبواب المسجد من الخارج، وللأسف ليس هناك رادع.

خرجت مؤخرا جماعات الهيكل تطالب بإعادة تركيب الأبواب الإلكترونية على مداخل الأقصى، هل تنجح هذه المرة؟

المتطرفون لا يطالبون فقط بتركيب البوابات بل يطالبون بهدم المصلى القبلي وقبة الصخرة، وبناء الهيكل بأسرع وقت ممكن، وهذه أضغاث أحلام إن شاء الله، وبالنسبة للبوابات الإلكترونية فالاحتلال جرب من قبل، وأظن أنه لا يريد أن يجرب مرة أخرى، وإذا ما جرب أقول "وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا".
 
كرر الاحتلال إغلاق الأقصى عدة مرات في فترات متقاربة، هل تخشون من أن يصبح الأمر اعتياديا؟

أي حدث حول الأقصى وداخله صغيرا كان أم كبيرا يستغله الاحتلال وشرطته لإغلاق المسجد المبارك بالقوة وقمع المصلين والموظفين، ونحن شعب أعزل لا نستطيع دفاعا عن مسجدنا إلا بوجودنا ورباطنا، ولا نستطيع أن نواجه إطلاق النار والقمع والضرب من جيش يملك كل الأسلحة، ونحن لا نملك إلا إيماننا بالله وصمودنا، حين أخرجونا من مسجدنا كنا على الأبواب، ولم نعد إلى بيوتنا، الاحتلال لم يهنأ سابقا ولن يهنأ مستقبلا بإخراجنا من مسجدنا، ولن يصبح الأمر اعتياديا.
 
كيف يمكن برأيك أن يحفظ للمسجد الشريف مكانته وتوقف هذه المهزلة بحقه؟

نحن نقوم بواجبنا هنا ونوصل الصورة إلى وزارة الأوقاف في الأردن، وهي بدورها توصلها للمسؤولين الأكبر، سواء في وزارة الخارجية الأردنية أو غيرها، والتي قامت باستدعاء السفير الإسرائيلي لتوبيخه على ما يحصل في الأقصى.

واختتم شيخ الأقصى الشريف محملا الأمة المسؤولية فقال: يجب أن يكون هناك موقف من جميع الدول العربية والإسلامية، لأن الأقصى لا يخص فلسطين وأهل بيت المقدس فحسب، ولا الأردنيين بحكم وصايتهم، فقضية حماية الأقصى تقع على عاتق جميع المسلمين في أنحاء المعمورة حكاما ومحكومين، والاعتداء على المسجد اعتداء على عقيدة جميعهم، لكن وللأسف هناك من يطبع مع الاحتلال، رغم أننا نحتاج إلى موقف موحد لوقف الانتهاكات بحق الأقصى.

المصدر : الجزيرة