وسيم الجلاد.. يقهر جلاده بعد 15 عاما في الأسر

زوجة الجلاد (من اليمين) ووالدته معا بعد فراق بسجون الاحتلال لمدة 15 عاما (الجزيرة)
زوجة الجلاد (من اليمين) ووالدته معا بعد فراق بسجون الاحتلال لمدة 15 عاما (الجزيرة)

جمان أبوعرفة-القدس المحتلة

لم يكتفِ الاحتلال سلب حرية الأسير المقدسي وسيم الجلاد لمدة 15 عاما، بل أبعده بعد الإفراج عن المدينة التي سكن فيها وأحب، ومنع محبيه من الاحتشاد لاستقباله، كما حرمه من إقامة حفل زفاف خطط له مع زوجته التي تركها عروسا قضت شبابها في انتظاره.

كان أول ما فعله الجلاد (42 عاما) في الدقيقة الأولى من عمره الجديد خارج الأسر سجدة لله، وضمّة لوالدته وزوجته، بعد فراق  تعمّد الاحتلال أن يزيده يوما كاملا لتنغيص الفرحة على الأسير وعائلته.

وقد أعاد اعتقال الجلاد لحظة تحرره يوم الخميس الماضي وحوّله إلى التحقيق ومدد اعتقاله حتى صباح اليوم التالي، قبل أن تقرر المحكمة المركزية بالقدس الإفراج عنه ورفض الاستئناف المقدم من النيابة العامة بتمديد اعتقاله خمسة أيام.

واشترط الاحتلال على الجلاد قبل تحرره عدم رفع رايات المقاومة الفلسطينية أثناء استقباله وعدم احتشاد أكثر من 15 رجلا، وعدم المشاركة في نشاطات احتفالية من ضمنها حفل زفافه الذي كان يعتزم إقامته بعد أيام من الإفراج عنه.

كما أبعده عن القدس حتى نهاية يوليو/تموز الجاري، ووقّعت عائلته على تلك الشروط مقابل كفالة مالية مدفوعة بقيمة 1400 دولار، وأخرى غير مدفوعة بقيمة 25 ألف دولار.

يقول الجلاد للجزيرة نت إن قبة الصخرة لاحت له من بعيد عند مغادرته سجن المسكوبية بالقدس، لكنه نظر إليه بطرف عينه لئلا يتعاظم ألم الإبعاد في قلبه، فقد انتظر الأيام ليصلي في الأقصى وحمّله الأسرى من وراءه رسائل شوق مفادها "يا وسيم، قبّل تراب المسجد وأعمدته، قبّل أهله، صلِّ باسمنا فيه وادعُ لنا بالفرج..".

وينتظر وسيم انتهاء الإبعاد في بيت خارج القدس المحتلة، يجلس مع عائلته وقد ترك السجن آثاره الحسنة عليه، تراه وقورا واثقا يزن الكلمة قبل خروجها، وقد أخبرنا أن سنوات شبابه لم تضع سدى في السجن، فقد نذرها لله واستغلها على جميع الأصعدة صاقلا ومنميّا شخصيته وعقله وجسده.

استغلال الأسر
برنامج يومي وضعه الجلاد لنفسه في السجن، من قراءة للقرآن وحفظه، ولعب للرياضة، وخدمة للأسرى في مرافق السجن، وإكمال لدراسته الأكاديمية رغم تضييقات الاحتلال وعرقلته، حيث استطاع انتزاع -عبر المراسلة- شهادة البكالوريوس في التاريخ من جامعة الأقصى بغزة.

الاحتلال منع جلاد من دخول القدس حتى نهاية الشهر الجاري ومنع إقامة حفل زفاف له أو احتشاد المهنئين (الجزيرة)

كما توج باللقب الأول في العلوم السياسية من جامعة القدس أبوديس، وأنهى نصف متطلبات اللقب الثاني في الدراسات الإسرائيلية من الجامعة ذاتها، كما يعتزم إكمال مسيرته بعد تحرره.

وفي فجر الـ14 من يوليو/تموز 2004، اقتحمت قوات كبيرة من جيش الاحتلال بيت العريس وسيم في بلدة العيساوية بالقدس، وكسرت الباب واقتادته بلباس النوم مغطى العينين ومكبل اليدين، ومنعت عائلته من وداعه، قبل أن يصلها خبر الحكم عليه بالسجن 15 عاما بتهمة الانتماء إلى حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والمشاركة في عملية استشهادية.

ويعود الجلاد بذكرياته إلى ليلة اعتقاله فيقول "كان الاعتقال انتقالا لي من عالم الأحياء إلى عالم الأموات، شعرت أنني في قبر، وما زاد ألمي هو انتزاعي من بين عائلتي وترك زوجتي تواجه وحش الحياة وحدها". ويضيف "لم يكن هذا اعتقالي الأول فقد اعتقلت أربعة أعوام حين كنت في الـ17 من عمري. لا أحد يحب الأسر، لكن الحرية ثمنها غالٍ وتتوجب التضحية".

إهمال وإضراب
وتعرض الجلاد بعد اعتقاله لتحقيق مكثف لمدة ستين يوما في زنازين الاحتلال، كما تعرض على مر سنواته الـ15 للعزل الانفرادي والجماعي، وتنقل في معظم سجون الاحتلال من شمال فلسطين إلى جنوبها حتى تحرر من سجن النقب جنوبها، كما أضرب عن الطعام 28 يوما خلال إضراب الكرامة عام 2012، و25 يوما خلال إضراب الكرامة عام 2017.

وكوّن الجلاد صداقات وعلاقات داخل السجن جعلت من الأسرى عائلته الثانية، حيث شاركهم الأفراح والأتراح. ويقول المحرر إن أكثر ما يشكوه الأسرى نسيان قضيتهم في ظل منع الاحتلال تواصلهم  مع العالم الخارجي وحظر وسائل الإعلام -إلا قليلا- عنهم، ومعاناة "البوسطة" التي تنقل الأسرى، إضافة إلى الإهمال الطبي الذي تجرعه عند علاج أسنانه، حيث قوبل بعلاجين لا ثالث لهما، إما الخلع أو مسكّن الألم.

وطوال حديثه للجزيرة نت، أصر الجلاد أن يطلق تسمية "إدارة قمع السجون" بدلا من "إدارة مصلحة السجون"، مستذكرا قمع الاحتلال بوحشية للأسرى في سجونه إبان احتجاجهم على تركيب أجهزة تشويش مسرطنة ومنعهم من التواصل مع ذويهم فيما عرف بمعركة الكرامة في أبريل/نيسان الماضي.

لمّ الشمل
ملتصقة به، تجلس والدة الجلاد زينات عويضة (64 عاما)، لا تتعب وجنتاها من ابتسامتها المستمرة، ولا يهدأ هاتفها من اتصالات المهنئين، تطيل النظر إلى نجلها الذي تصفه بالبشوش الحنون المحبوب من الجميع، والذي رزقت به بين ابن وابنة.

وتقول للجزيرة نت "عشت في خوف أن أموت قبل أن أرى تحرره، لكنه حين خرج عصر الجمعة واحتضنته أحسست من جديد أن لديّ ابنا ثانيا، عشت 15 عاما كأن لم يكن لدي غير ابن واحد، اليوم انتهى كابوسي".

وأما زوجته حنين الزربا (36 عاما) فلم تغيّر سنوات الانتظار في شكلها أو قلبها، استقبلته كما تركها ابنة 22 عاما، لكنها باتت أقوى وأصبر كما تقول، وقررت المضي بحياتها حاملة أسيرها في قلبها، وعملت مدرسة للغة العربية في إحدى مدارس القدس.

وتضيف الزربا للجزيرة نت "كان اعتقاله مثل الصاعقة بالنسبة لي، أظلمت الدنيا في عيني، ولكنني قررت ألا أستسلم للألم وأن أكون سندا قويا له".

وإذ توزع عائلة المحرر الحلوى على المهنئين، ينظر إليها المحرر مستذكرا حلوى حفلة الوداع الأخير التي أعدها الأسرى له، يستذكر حياة كاملة عاشها معهم، ويدعو لهم ولذويهم بقرب الفرج.

المصدر : الجزيرة