ابتغاء الأجر والبركة.. مبادرات على أبواب الأقصى

يوزع الجعبة المشروبات الساخنة والتمر في صلاة الفجر أمام المصلى القبلي (الجزيرة)
يوزع الجعبة المشروبات الساخنة والتمر في صلاة الفجر أمام المصلى القبلي (الجزيرة)

جمان أبوعرفة-القدس المحتلة

يحظى المشاؤون في الظُلَم والإصباح إلى المسجد الأقصى بسقاية ورفادة خاصة بهم، يُبادر بها بضعة مقدسيين بشكل فرديّ، يقدمونها مجانية أو بثمن زهيد -كل حسب استطاعته- لروّاد الأقصى. 

يبدأ مصلي الفجر أو الجمعة سبيله داخل المسجد بفنجان قهوة أو زهورات ساخن بجانبه حبة تمر، وينتهي بكعكة طازجة وعصير ليمون أو عرق سوس بارد فور خروجه.

يستيقظ عبادة الجعبة "أبو محمد" يوميا في الثانية فجرا، يحضر علب التمر وزجاجات القهوة والأعشاب الطبيعية الحافظة للحرارة، وينطلق من بيته في بلدة العيساوية بالقدس المحتلة نحو الأقصى، يمشي حتى يستقر قبل أذان الفجر على كرسي بجانب مدخل المصلى القبلي ويبسط ضيافته منتظرا المصلين.

.. يوزع المشروبات الساخنة والتمر منذ عامين (الجزيرة)

بدأ الجعبة (55 عاما) مبادرته هذه في مسجد "الأربعين" ببلدته، وقرر منذ عامين أن يضاعف أجره وينقلها إلى الأقصى، ويؤكد أن مصلين قبله بدؤوا هذه الفكرة وأكملها هو من بعدهم وداوم عليها.

تنفد ضيافة الجعبة سريعا مع انتهاء الصلاة، نظرا لكثافة المصلين الذين يرسلون دعواتهم لأبي محمد مع كل لقمة ورشفة تدفئ جوفهم كترويقة استفتاحية.

بحديثه للجزيرة نت، يقول الجعبة -الذي يحضر ضيافته على نفقته الخاصة- إنه يبتغي الأجر المضاعف في الأقصى لبركته وبركة صلاة الفجر. ويضيف "والدي رحمه الله أوصاني أن أُبكّر أعمالي وأبدأها قبل الفجر، وها أنا ذا أبدأ يومي بدعوات المصلين وفرحة إطعامهم، واليوم الذي لا أستطيع فيه القدوم وإتمام مهمتي يكون ناقصا".

كعك بثمن أقل
في سور الأقصى الشماليّ يفتح الاحتلال باب حطة فقط لدخول المصلين وخروجهم وقت صلاة الفجر. وينتهز حاتم أبو سنينة (25 عاما) قُرب فرنه في حارة السعدية على باب حطة، ويجهز عربة مليئة بكعك السمسم الطازج ويقترب خارج الباب منتظرا المصلين الخارجين من صلاة الفجر ليبيعهم الكعك بثمن أقل من ثمنه المتعارف عليه.

يوقف أبو سنينة عربته أمام باب حطة ليبيع مصلي الفجر كعكا طازجا بسعر أقل من المعتاد (الجزيرة)

دأب أبو سنينة من بلدة سلوان جنوب الأقصى على عادته هذه منذ 12 عاما، يبقى حتى شروق الشمس ويغادر المكان مع انحسار المصلين. يقول للجزيرة نت "هذه استفتاحية بيعي أشعر فيها بالبركة، أخدم رواد فجر الأقصى بما أستطيع لأنهم يستحقون ذلك".

يرصد الروائي المقدسي عيسى القواسمي (56 عاما) حكايات المصلين في الأقصى يصورها ويكتب عنها في حسابه الشخصي على "فيسبوك" ويروي بعض مبادرات المصلين للجزيرة نت مستذكرا أبا كايد الذي طلب قبل 15 عاما قطعة كعك من أحد المصلين في الفجر بالأقصى فأعطاه الأخير بغير رغبة، فعاهد أبو كايد نفسه منذ ذلك الحين أن يوزع الكعك مجانا على مصلي الصف الأول في صلاة فجر الأقصى.

يضيف القواسمي أن مصليا آخر وهو أبو هشام القواسمي يقوم بعد أبي كايد بتنظيف آثار الكعك عن سجاد المصلى ويوزع الماء على المصلين.

يساعد القواسمي صديقه في توزيع العصائر للمصلين (الجزيرة)

يؤكد الروائي أن هدفه من نشر المبادرات هو تعريف الناس بخيرات المسجد الأقصى، وتبيان خيرية الناس في القدس وحبهم للعطاء وخدمة رواد الأقصى.

حر الظهيرة
يساعد القواسمي أسامة المهلوس (50 عاما) في مبادرته حيث يوزعان قرب باب حطة العصائر الباردة للمصلين بعد انتهائهم من أداء صلاة الجمعة، يخرجون بحناجر عطشى وأجساد أصابتها شمس الظهيرة، يُذهبون ظمأهم ويبللون عروقهم بعرق سوس وليمون وخروب بارد والمقابل "صلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم".

بدأ صديق القواسمي قبل ستة أشهر إعداد العصائر وبيعها قرب باب حطة طلبا للرزق، وازدهر بيعه خلال شهر رمضان بسبب كثافة المصلين، فقرر الاستمرار، فكان يبيع أحيانا بسعر كامل أو رمزي -حسب المقدرة- كما يوزع عصائر مجانية بنفقة من بعض المصلين فاعلي الخير الذين رفضوا الكشف عن أسمائهم.

يوقف عربة أخرى لبيع المشروبات الساخنة بعد صلاة الفجر، بسعر زهيد أو مجانية وفق تبرعات فاعلي الخير، ويقول إنه يصلي الفجر يوميا في الأقصى لقرب بيته الواقع بحارة باب حطة، ويرصد الأيام التي يكثر فيها المصلون، ويوقف عربته فيها.

"أحضّر العصائر يدويا، أنقع الخروب طوال الأسبوع، وأختار حبات الليمون المليئة بالعصير، أعصرها حبة بحبة على يديّ واسمي الله مع كل عصرة، أستفيد من قشر الليمون الخارجي وأضيف النعناع الجبلي ذا الرائحة الفواحة".. يشرح الرجل طريقة إعداده العصائر.

بنكهة الصلاة على الحبيب
على بعد أمتار قليلة من سالفه، يقف رزاد الرازم (33 عاما) على مدخل بيته قرب باب حطة دُبر كل صلاة جمعة، يصب فناجين القهوة وينادي بأعلى صوته "سمعونا الصلاة على الحبيب محمد سيدنا النبي صلوا عليه" وهو على حاله هذا منذ تسع سنوات.

يوزع الرازم القهوة مجانا على المصلين أمام باب بيته قرب باب حطة دبر كل صلاة جمعة (الجزيرة)

يكمل الرازم مبادرة عمه عبد المنعم الذي توفي قبل سبع سنوات حيث كان يساعده في تحضير القهوة وتوزيعها مجانا على المصلين، لكنه بعد موته ضاعف الكمية بتضاعف أعداد المصلين، يسانده في توزيعها أصدقاؤه وأبناء عمومته وابنه ذو العشرة أعوام.

يُكرس الشاب يوم الجمعة لإحياء مبادرته، يبدأ بغسل حلّة القهوة منذ الصباح الباكر ويشرع بالتحضير وغلي القهوة ساعات عديدة "حتى تصبح أطيب". يقول للجزيرة نت إن كثيرا من المصلين يتعمدون الخروج من باب حطة لشرب القهوة والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

يختم قائلا وهو يسارع لاستبدال فناجين القهوة الكرتونية التي انتهت سريعا "لا أستطيع التوقف، لقد أصبحت هذه العادة في دمي، لم نُجاور باب الأقصى صدفة وسُدى..".

المصدر : الجزيرة