توجان مشعشع.. تطرز الروح المقدسية على الخشب

توجان مشعشع تعمل في التطريز على الخشب بحديقة منزلها في كفر عقب شمال القدس (الجزيرة)
توجان مشعشع تعمل في التطريز على الخشب بحديقة منزلها في كفر عقب شمال القدس (الجزيرة)
أسيل جندي-القدس المحتلة
باتجاه بلدة كفر عقب الواقعة خلف الجدار العازل شمال القدس سرنا بحثا عن منزل السيدة المقدسية توجان مشعشع، وبمجرد وصولنا اختفى الضجيج والازدحام المروري الشديد الذي يميز هذه البلدة.

بعيدا عن الأبنية الشاهقة العشوائية دخلنا منزلا مستقلا، تستقبل زائريه حديقة أمامية تتوسطها شجرة خروب معمّرة، حرصت مشعشع على إضاءتها بزينة رمضان، وأسفل الشجرة انتشرت طاولات ومقاعد بألوان زاهية، اعتادت توجان على ممارسة هوايتها بالتطريز على الخشب وهي تجلس عليها.

في ظلال الشجرة روت توجان للجزيرة نت سيرة حياتها الحافلة بالتجارب، والتي انتهت بحفر الخشب وتزيينه بالتطريز التراثي الفلسطيني.

ولدت مشعشع في القدس وترعرعت بها، وبعد اجتيازها امتحان الثانوية العامة تزوجت وأنجبت طفلين، ثم شعرت بضرورة الالتحاق بالجامعة فحصلت على شهادة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية، لكنها هجرت التدريس بعد تجربة قصيرة، لأنها وجدته بعيدا عما تريد تحقيقه لذاتها.


بدأت رحلتها في عالم الأشغال اليدوية عام 2009 بتصميم حُلي عصرية في منزلها، ولتتميز عن غيرها لجأت لتزيين الأحجار شبه الكريمة بأسلاك الفضة والنحاس لتنتج قطعا مميزة تختلف عما تصممه غيرها من صانعات الحُلي.
ومن هذا العالم انتقلت توجان نحو تجربة ريادية جديدة خاضتها أثناء بحثها عن منجرة تملك ماكينة ليزر لحفر أسماء طفليها على الخشب، وبعد ثلاثة أشهر وجدت المكان المناسب وحفرت الأسماء التي جذبت كل ضيوفها ودفعتهم لطلب تصميم أسماء أقربائهم محفورة على الخشب ومزينة بالأحجار.

حمل مشروعها اسم "أسامينا"، وبعد عام ونصف العام قررت دمج موهبتها في تصميم الحلي مع الحفر على الخشب، وافتتحت مركزا للفنون برام الله، عقدت فيه عشرات الورشات للأطفال والسيدات في مجال تصميم الحلي والأشغال اليدوية.

تقول توجان "لم أجد نفسي في التعليم المدرسي، لكنني أبحرت في عالم الأشغال اليدوية مع الأطفال، ووصلنا لقمم إبداع عالية في المخيمات الصيفية التي خلت من الرحلات واقتصرت على الأشغال اليدوية في فنون مختلفة".

بينما كانت تُزين أحد الصناديق الخشبية في مركزها بأحجار من بحيرة طبريا والبحر الميت، زارها شخص وطرح عليها فكرة تزيين الصناديق بالتطريز الفلسطيني، وانطلقت بذرة مشروع جديد تحدثت عنه قائلة "لم أرغب في الخياطة على القماش ولصقه لاحقا على الصناديق، فخطرت لي فكرة الخياطة على الخشب مباشرة، فأرسلتُ صندوقا لورشة نجارة وطلبت ثقب سطحه كاملا بثقوب صغيرة".
منتجات خشبية عملت توجان مشعشع على تطريزها يدويا (الجزيرة)
أربع ساعات استمرت توجان مع ابنتها في تجريب أنواع خيوط مختلفة على الخشب كالنايلون والصوف وغيرها، حتى جرّبت خيوط حرير كالتي تستخدم في خياطة الثوب التراثي الفلسطيني، وهكذا انطلقت في مشروعها الريادي الجديد، ويتمثل في تزيين الخشب بالتطريز الفلسطيني.
على إحدى طاولات حديقتها عرضت أمامنا مجموعة من تحفها الخشبية المزينة بالتطريز، بدءا من علّاقة المفاتيح مرورا بصناديق الحلي ودفاتر الملاحظات، كما تزينت زوايا منزلها بالتطريز على الجلد الطبيعي الذي أدخلته في عملها مؤخرا كالمفارش والطاولات المطرزة، ومن أغرب القطع كانت تطريز سريرها المصنوع من خشب الزان تطريزا تراثيا.

وعن مدى تقبل المجتمع المحلي لفكرتها الريادية الجديدة، قالت إنها وجدت استحسانا للخشب المطرز لدى المقدسيات بشكل خاص، كون التطريز لا يدخل في ثوب نساء المدينة ويقتصر على قراها.

"نساء القدس لديهن تعطش لارتداء واقتناء تحف التطريز الفلّاحي، ولم أجد هذا التعطش في رام الله مثلا بسبب انتشار التطريز بشكل كبير، لذا أصبحت انتقائية في المعارض التي أشارك فيها وفقا للمنطقة والجمهور".
توجان تعكس فن التطريز الفلسطيني على ألواح خشبية (الجزيرة)
90% من رسوم التطريز التي تنفذها توجان مشعشع على الخشب مستوحاة من الثوب الفلسطيني، وتمكنت من تطبيق كافة الرسوم على الخشب، وتقول إن أبرز ما يميز قطعها ألوان الخيوط الزاهية التي تغزلها على الخشب والرسوم الجديدة، التي بدأت إدخالها والمستوحاة من التراثين الأوكراني والمكسيكي.
تتراوح أسعار تحفها الخشبية بين عشرة دولارات ومئتي دولار أميركي، وبسبب زيادة الطلب على التحف وصل عدد النساء والفتيات اللاتي يطرزن معها على الخشب إلى 22، بينهن طالبات جامعيات.
تقول توجان "أرسل القطع الخشبية للنساء وأدلهن على الرسوم المطلوبة لتنفيذها، وهذا ينعشهن اقتصاديا كونهن ربات منازل وطالبات. كما أتعامل مع نجّار لثقب الخشب والحفر عليه، وهذا يتطلب ماكينات ليزر خاصة لا تتوفر لدى جميع الورشات".
كرسي خشبي قديم زينته توجان مشعشع بالتطريز الفلسطيني (الجزيرة)
على صوت زقزقة العصافير بدأت تطريز قطعة خشبية جديدة في حديقتها، وقالت إن شغفا جديدا بدأ يتطور لديها، ويتمثل في البحث عن قصة الثوب الفلسطيني في كافة المدن والقرى.
هذا الشغف وصل لطلبة جامعيين فلسطينيين في مدينة صفاقس التونسية، إذ دعوها قبل نحو شهر لنشر هذه المعرفة هناك، "أرفض فكرة عرض الأزياء التقليدي، لذا أخذت معي ستة أثواب تراثية من مناطق مختلفة وارتدتها طالبات فلسطينيات واعتليت المنصة لتقديم شرح مفصل عن منطقة الثوب والخلفية المجتمعية التي جاء منها ومميزاته وسبب اختيار ألوانه".

قبل أيام، عادت من قبرص أيضا بعد إحيائها الفعالية ذاتها في يوم نظمه الطلبة الفلسطينيون في إحدى الجامعات، وعرضت فيه أثوابا من نابلس وقرى القدس وبيت لحم ورام الله وقرى دير دبوان وراس كركر ويافا وغيرها.
المصدر : الجزيرة