في العصر الوسيط.. كيف كانت المرأة المقدسية؟

طاقم من الأطباء والممرضين في فلسطين عام 1944 (مواقع إلكترونية)
طاقم من الأطباء والممرضين في فلسطين عام 1944 (مواقع إلكترونية)

محمد شعبان أيوب

يغبط القارئ والمتابع لتاريخ القدس في عصرها الإسلامي الوسيط هذه المدينة المقدسة المنوعة الأعراق والأديان، على ما حُفظ من سجلها الوثائقي العامر في عصر دولة سلاطين المماليك.

وجاء هذا السجل الوثائقي النادر الشديد القيمة والأهمية التاريخية، ليكشف ما كان يدور في القدس وشوارعها ومنشآتها ومؤسساتها في حياتها اليومية الدائبة.

وكشفت هذه الوثائق أضواء مهمة عن المرأة المقدسية ودورها الكبير في شؤون الحياة اليومية، بل في الشؤون الاقتصادية لتطوير مدينتها. فلم تكن المقدسية حبيسة الدور، إنما ساهمت بدور فاعل في إحياء الأوضاع الاقتصادية في المدينة من خلال عدة أنشطة منها التجارة على سبيل المثال.

واستطاعت المرأة في عصر المماليك بلوغ منصب السلطنة، أرفع وأعلى مناصب الدولة، وكانت شجرة الدر زوجة الملك الصالح نجم الدين أيوب وأم ولده خليل، قد بويعت بالسلطنة مدة ثلاثة أشهر تقريبا بعد وفاة زوجها وعقب انتصار المماليك على الصليبيين في معركة المنصورة، واعتبرها كثير من المؤرخين أول سلاطين الدولة المملوكية.

وخلّد التاريخ أيضا أم السلطان السعيد بركة خان زوجة السلطان الظاهر بيبرس التي كانت تتمتّع بنفوذ عظيم ليس فقط على ابنها ولكن أيضا على أمراء الدولة، بدليل أنه عندما شب الخلاف سنة 676 للهجرة (1277 للميلاد) بين المَلِك السعيد وأمرائه، لم يجد خيرا من أمه ليبعث بها للتفاوض السياسي مع الأمراء في الصلح، فأظهروا لها كل احترام، واشترطوا عليها شروطا كثيرة التزمت لهم بها، وعادت إلى ولدها لتخبره نتيجة وساطتها(1).

على قدر من الأهمية
وتعتبر "وثائق الحرم القدسي الشريف" مادة تاريخية على قدر كبير من الأهمية لأحوال المرأة في ذلك العصر، وهو العصر المملوكي، فهي تصف الأصول العرقية للمرأة المقدسية، وأسباب الهجرة إلى مدينة القدس حينذاك، والوضع الاجتماعي للمرأة، والحقوق المدنية والشرعية التي تمتعت بها المرأة المقدسية، والرعاية الاجتماعية، ومكانتها في مجتمع بيت المقدس، والزواج وحالاته المختلفة، ومسألة تعدد الزوجات، وسن الزواج ومعدل الإنجاب وغير ذلك(2).

يذكر أنه تم الكشف عن "وثائق الحرم القدسي الشريف" في الربع الأخير من القرن العشرين في المتحف الإسلامي بالقدس، وهي تُعنى بمجتمع بيت المقدس بجميع طوائفه الدينية مدة قرنين -منذ النصف الثاني من القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) وحتى النصف الثاني من القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي).

وعلى سبيل المثال، لوحظت حرية المرأة المقدسية في البيع والشراء، وتسجيل هذه العمليات عند قاضي المدينة في محررات رسمية لضمان الحقوق بمنتهى السهولة واليسر.

ففي الوثيقة رقم 42 المؤرخة في 27 رمضان 756 للهجرة (5 أكتوبر/تشرين الأول 1355 للميلاد)، كانت إحدى نساء بيت المقدس واسمها الحاجة زاهدة بنت إدريس بن رازي بن عبد الله اشترت بنفسها ولنفسها ومن مالها الخاص من الشيخ عبد الله بن محمد دكانين من الدكاكين التي ذُكرت في أعلى الوثيقة، وتم نقل الملكية للمُشترية بموجب عقد بيع شرعي نظير 350 درهما تسلّمها منها البائع المذكور.

أما الوثيقة التالية رقم 43 والمؤرخة في 4 رمضان 758 للهجرة (31 أكتوبر/تشرين الأول 1383 للميلاد)، فتحدثت عن امرأة اشترت من أخيها بيتا، فقد ورد في نص الوثيقة أن "خديجة بنت الحاج أحمد بن عبد العزيز المشرقي تشتري من أخيها عمارة البيت من تركة والدها، الواقع في باب حطة، في حكر المدرسة الصلاحية، بمبلغ 250 درهما دمشقيّا"(3).

مدرسة لتعليم البنات في القدس 1910 (مواقع إلكترونية)

إنشاء الأوقاف
ومن نشاطات المرأة المقدسية في الجانب الخيري، المساهمة في إنشاء الأوقاف والمنشآت ووقفها حسبة لله، لا يطلبون منها أجرا ولا مقابلا. فقد ثبت قيام المرأة المقدسية بحبس الأملاك ووقفها على مصالح العامة، ومثال ذلك الوقف الذي حبسته السيدة فاطمة بنت محمد بن علي المغربية.

فقد ورد في الوثيقة رقم 833 المدونة بتاريخ 25 ربيع الأول 747 للهجرة (16 يوليو/تموز 1349 للميلاد) أن هذه السيدة أوقفت دارها المستجدّة في حارة المغاربة بالقدس على الفُقراء والعجائز، بالإضافة إلى الوقف الذي حبسته عائشة الرومية في وثيقة أخرى(4).

ولم تنس المرأة المقدسية أخواتها من نساء بيت المقدس الفقيرات والصوفيات ممن أردن التبتل في محراب الرباطات، فقد ورد نص وقفية أوقفتها إحدى نساء القدس لإنشاء رباط يسع 12 امرأة مسلمة من الفقيرات الخاليات عن الأزواج، الصالحات والعجائز منهن، واشترطت أن تكون لهن شيخة وبوّابة على باب الرباط المذكور.

"وعلى الشيخة المشار إليها أن تؤمّ بهنّ في الصوات الخمس، وفي صلوات التراويح في ليالي شهر رمضان المعظّم من كل سنة، وعلى القيّمة البوّابة فرش الرباط المذكور بالحُصر والبُسُط وتنظيفه وكنسه وغسل طهارته"(5).

وتعطي هذه الوثائق إشارات واضحة إلى حرية المرأة المقدسية التي تمتعت بها في عمليات الاستثمار والتجارة، جنبا إلى جنب مع الرجال دون تحجير أو منع. ففي الوثيقة رقم 614 المؤرخة في 25 شعبان 765 للهجرة (28 مايو/أيار 1364 للميلاد) ورد أن "أحمد بن سليمان بن محمد المعروف بالراعي، وزوجته قطلو ملك بنت شرف الدين بن ناصر الدين، المقيمين بالقدس، يشتريان غراسا (عبارة عن تمر وعنب وغيره) من علي بن إبراهيم بن محمد التركماني الدمشقي الحاضر بالقدس، بمبلغ 400 درهم".

أرباح عالية
وفي الوثيقة رقم 658 بتاريخ 24 ذي الحجة 784 للهجرة (28 فبراير/شباط 1383 للميلاد) توضيح بأن عملية المتاجرة في شراء وبيع تلك الغراس كانت تُحقق أرباحا عالية جدا قد تصل إلى 220% من سعر الشراء(6).

وبعيدا عن الوثائق، فإن أحد شهود العيان -وهو الأب سوريانو رئيس طائفة الرهبان الفرنسيسكان في القدس- في نهاية القرن الميلادي الخامس عشر والربع الأول من القرن السادس عشر، يؤكد في شهادته أن المرأة المقدسية كانت تلقى كثيرا من التقدير والاحترام من الرجل.

كما كان على الرجل تقديم الأموال والنفقة لها نظير تكاليف الحياة من شراء ما يلزم من مستلزمات، وكذلك كان على الرجل أن يمنحها الكثير من النقود سنويا لشراء ما يلزم من ملابس وأحذية، وكان هذا الاحترام الواضح للمرأة من الرجل لكل النساء المسلمات والمسيحيات واليهوديات، بحيث كانت الواحدة منهن تخرج من بيتها دون حارس ودون أن يتعرض لها أحد بكلمة سوء(7).

وهكذا تعطي وثائق ووقفيات بيت المقدس في عصرها الوسيط ملمحا في غاية الأهمية والروعة عن دور المرأة المقدسية منذ أكثر من سبعمئة عام، وهي تمارس حقوقها وواجباتها الأسرية والمجتمعية على نحو لافت ومؤثر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر

1- المقريزي: السلوك لمعرفة دول الملوك 1/645.

2- محمد سالم بكر: المرأة المقدسية في وثائق الحرم القدسي ص27.

3- محمد سالم بكر: السابق ص29.

4- أنس عبد الله المحمد: الحياة الاجتماعية في القدس ص189.

5- كامل العسلي: وثائق مقدسية تاريخية 1/116.

6- أنس عبد الله المحمد: السابق ص190.

7- Souriano: Treatise on the Holy Land, P.205.

المصدر : الجزيرة