القدس تحت الاحتلال الصليبي.. ابن واصل الحموي: رأيت عجبا!

الصليبيون استغلوا الصراع بين الأيوبيين ليعزّزوا من وجودهم في بيت المقدس (مواقع تواصل)
الصليبيون استغلوا الصراع بين الأيوبيين ليعزّزوا من وجودهم في بيت المقدس (مواقع تواصل)

محمد شعبان أيوب

يقول المؤرخ الشهير جمال الدين بن واصل الحموي عن القدس تحت الاحتلال الصليبي "دخلتُ البيت المقدس، ورأيتُ الرهبان والقُسوس على الصخرة المقدسة، وعليها قناني الخمر برسْم (بغرض) القربان، ودخلت الجامع الأقصى، وفيه جرس معلق، وأُبطل بالحرم الشريف الأذان والإقامة، وأُعلن فيه بالكفر".

كانت وفاة السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة 589هـ/1193م مؤسس الدولة الأيوبية، بداية لصراع طويل بين خلفائه من الأسرة الأيوبية على العرش، وكانت شرارة البداية قد انطلقت بين ابنيه الأفضل علي والعزيز عثمان.

ثم سرعان ما استغل عمهما العادل أبو بكر بن أيوب هذا الخلاف وقلة خبرتهما السياسية، ليسيطر على مقاليد الأوضاع في الجزيرة الفراتية والشام ومصر، ثم كانت وفاة السلطان العادل سنة 615هـ/1218م تجديدا للمأساة ذاتها بين أولاده، خاصة الثلاثي المعظّم عيسى في الشام الجنوبي والأشرف موسى في الشام الشمالي والكامل محمد في مصر.

الإخوة الأعداء
وكان الإخوة الثلاثة قد قُسّمت الدولة الأيوبية فيما بينهم، ومع ذلك ظل الخلاف على أشده فيما بينهم، تارة يتحد الأخوان الأشرف والمعظّم على الكامل وتارة العكس، وتارة يستعين أحدهم بقوات الدولة الخوارزمية التي كانت بمنزلة قوات مرتزقة في تلك الفترة بعد انحلال دولتهم في الجزيرة الفراتية وديار بكر، وتارة ثالثة ودون خجل يستعينون ببقايا قوات الصليبيين في الشام، ولم يكفهم أنهم ابتلوا بالحملة الصليبية الخامسة على الشام ومصر، وحصار دمياط وموقعة المنصورة التي كادت أن تسقط فيها الدولة سنة 615هـ [1].

آثار الفترة الصليبية في القدس (الجزيرة)

ظل الإخوة الأعداء على هذه الحال إلى أن تُوفي المعظّم عيسى سنة 624هـ، ثم وفاة الأشرف موسى سنة 635هـ صاحب البلاد الجزرية في شمال شرقي الشام والعراق وبعض بلاد الأكراد، والكامل محمد صاحب مصر وفلسطين في العام نفسه سنة 635هـ.

يقول المؤرخ مصطفى بدر "لو أمعنّا النظر في تاريخ الدولة الأيوبية لوجدنا أن حروبا كثيرة كانت تقوم بين أفراد البيت الأيوبي، وكان من نتائج هذه الحروب أن بعض أفراد هذه البيوت الحاكمة كان يمد نفوذه أحيانا على أملاك البعض الآخر، ومثل ذلك ما حدث حين استولى الأشرف مظفر الدين موسى صاحب البلاد الجزرية (شمال شرق الشام وشمال غرب العراق وبعض مناطق جنوب تركيا) على دمشق سنة 626هـ، ومثل ما حدث بعد ذلك حين مد الكامل صاحب مصر سلطانه على دمشق سنة 635هـ، وتبعه في ذلك العادل الثاني في نفس السنة ثم الصالح أيوب سنة 637هـ وسنة 643هـ بعد أن كان الصالح إسماعيل صاحبها قد استرد نفوذه فيها (637 - 643هـ)" [2]. هذا بخلاف اختلاف صغار الأمراء من أصحاب المدن الواحدة أو القِلاع القليلة.

وقد أدى هذا النزاع الداخلي الذي استمر ما يزيد على خمسين عاما كاملة بعد وفاة صلاح الدين الأيوبي سنة 589هـ إلى نتائج خطيرة على الصعيدين السياسي والعسكري.

تسليم القدس
وكانت "خطورة هذا الصراع تكمن في التجاء كل من الطرفين المتنازعين إلى الاستعانة بالقوى الخارجية، فلجأ المعظّم عيسى صاحب دمشق إلى جلال الدين منكبرتي سلطان الدولة الخوارزمية في آسيا واتفق معه ضد شقيقيه الأشرف والكامل. أما الملك الكامل فقد راسلَ الإمبراطور الألماني فردريك الثاني هوهنشتاوفن، وأرسل له مبعوثا من طرفه هو الأمير فخر الدين عثمان"[3].

وكان من نتائج اتفاق السلطان الكامل الأيوبي مع الإمبراطور الألماني، مساعدة الثاني للأول في مواجهة أخيه المعظّم عيسى في دمشق، في مقابل تسليم القدس وفق عدة شروط، منها:

- أن يتسلم الإمبراطور فردريك القدس شريطة ألا يجدد الصليبيون سوره أبدا، وألا يتعرّضوا لظاهر خارج مدينة القدس.

- أن يكون للمسلمين والٍ عليها يكون مقامه في مدينة البيرة شمال القدس.

- ألا يدخل الصليبيون بيت المقدس إلا للزيارة فقط وأن يكون عليه عامل/موظف للمسلمين.

- ألا يتعرّض الصليبيون إلى المسجد الأقصى ولا قبة الصخرة ويكون الحكم في الرساتيق إلى والي المسلمين.

- أن يكون للصليبيين القرى الواقعة على الطريق من عكا إلى بيت المقدس مخافة أن يتعرّض لهم أحد من المسلمين.

- أن يستمر هذا الاتفاق بين الطرفين لمدة عشر سنوات ميلادية أي عشر سنوات وخمسة أشهر هجرية [4].

وبالفعل في مارس/آذار 1229م/جمادى الأولى 627هـ دخل الإمبراطور الألماني فردريك الثاني بيت المقدس في جماعة قليلة من مؤيديه وحرسه، ليتوّج نفسه ملكا عليها، وليتسلم مفاتيحها من قاضي نابلس دون قطرة دماء واحدة، في لعبة سياسية قصد من ورائها الكامل محمد بن العادل الأيوبي تقوية موقفه وتحالفه مع الإمبراطور الألماني ضد المنافسين له على زعامة الدولة الأيوبية من إخوته وأبنائهم.

كيف رأى المؤرخ ابن واصل مدينة القدس؟
وما كان لعبة سياسية في البداية انتهى بإهمال المقدسات الإسلامية في المدينة العتيقة، وعلى رأسها المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة، ولم تكن وفاة السلطان الكامل في عام 635هـ عاملا حاسما في إيقاف ذلك الصراع داخل البيت الأيوبي، فسرعان ما نشب الصراع ذاته بين ابني الكامل، العادل الثاني والصالح نجم الدين أيوب، وبعض أعمامهم وأولاد أعمامهم مثل الصالح عماد الدين إسماعيل، والناصر داود بن المعظّم عيسى والملك المجاهد والملك المظفّر وغيرهم.

صلاح الدين الأيوبي (مواقع التواصل)

من جانبهم، استغل الصليبيون هذا الصراع ليعزّزوا من وجودهم في البيت المقدس فبنوا قلعة، وبالرغم من أن المعظّم عيسى صاحب دمشق كان قد هدم معظمها إلا أن ابنه الناصر داود اتجه في عام 637هـ وهدم البرج المتبقي منها الذي كان الصليبيون قد أسموه برج داود، ثم أجلاهم إلى بلادهم وهو الفعل الذي شكرته له جماهير المسلمين حين استلهم روح جده الناصر صلاح الدين في عام 583هـ في حطين.

لكن للغرابة وفي تصرّف مُشين عاد الناصر داود إلى تسليم بيت المقدس للصليبيين في أواخر العام ذاته 637هـ، نكاية في ابن عمه الصالح أيوب الذي أخلف وعده معه برد قلعة الشوبك ودمشق وبلادها إليه، بعدما ساعده على خلع أخيه العادل الثاني من حكم مصر، وهكذا سقطت القدس مرة أخرى في يد الصليبيين بسبب تصارع الأيوبيين على العرش من جديد، وبيعت المدينة المقدسة للمرة الثانية في سوق السياسة والطمع.

ولقد طاف المؤرخ جمال الدين بن واصل الحموي في القدس تحت الاحتلال الصليبي الجديد، بعد مرور 14 سنة على ذلك الاحتلال فرأى عجبا، حيث يقول "ودخلت البيت المقدس، ورأيتُ الرهبان والقُسوس على الصخرة المقدسة، وعليها قناني الخمر برسْم (بغرض) القربان، ودخلت الجامع الأقصى، وفيه جرس معلق، وأُبطل بالحرم الشريف الأذان والإقامة، وأُعلن فيه بالكفر"[5].

ونتيجة لتحالف أيوبيي الشام وعلى رأسهم الناصر داود والصالح إسماعيل مع الصليبيين من جديد ضد سلطان مصر نجم الدين أيوب الذي لقي دعما من الجماهير والعلماء وعلى رأسهم سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام الذي خرج من الشام إلى مصر داعما له في حربه ومواجهته لأقاربه الذين وضعوا أيديهم في أيدي الصليبيين من جديد، نتيجة لهذا قرر الصالح أيوب مواجهة هذا الحلف الأيوبي الصليبي بشراسة وقوة وبتحالف مع القوات الخوارزمية المقدرة بعشرة آلاف جندي، التي أثمرت في نهاية المطاف بهزيمة أيوبيي الشام والصليبيين هزيمة ثقيلة في معركة غزة أو المعروفة في الأدبيات الغربية بمعركة لافوربيه سنة 642هـ.

وهكذا أعاد السلطان الأيوبي الصالح نجم الدين أيوب بيت المقدس إلى قبضته من جديد، وطرد الصليبيين الذين سمح لهم والده السلطان الكامل ومن بعده ابن عمه الناصر داود باحتلاله، وكان طرد الصليبيين هذه المرة طردا نهائيا لم يعودوا إليه مرة أخرى طوال العصر الوسيط حتى الاحتلال البريطاني للقدس على يد الجنرال إدموند اللنبي في ديسمبر/كانون الأول 1917م.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر

1-     خيانة بالنهار، كيف باع السلطان القدس بطبق من ذهب، موقع ميدان.

2-     مصطفى بدر: محنة الإسلام الكبرى ص61.

3-     إسمت غنيم: الدولة الأيوبية والصليبيون ص88.

4-     ابن واصل: مُفرّج الكروب في أخبار بني أيوب 4/242.

5-     ابن واصل: السابق 5/333.

المصدر : الجزيرة