محمد باشا العثماني.. ماذا تعرف عن صاحب الخيرات في القدس؟

المسجد الأقصى في العهد العثماني (مواقع إلكترونية)
المسجد الأقصى في العهد العثماني (مواقع إلكترونية)

محمد شعبان أيوب

استقبل أهل القدس دخول العثمانيين مدينتهم في الربع الأول من القرن السادس عشر (922هـ/1517م) بترحاب وارتياح، وكان قد تم إهمال المدينة مع أفول نجم المماليك، وتخبطهم الداخلي، فتراجعت هِبات الأوقاف، وكسد الاقتصاد، وروّعت الطرق بهجمات البدو، وكان العثمانيون بالفعل بُناة إمبراطوريات متمرسين، كما كانوا قد أسّسوا نظامًا مركزيًا قويا.

اهتمام العثمانيين ببيت المقدس
جاء العثمانيون بالقانون والنظام مرة أخرى لفلسطين، فتمت السيطرة على البدو، وأصبح بالإمكان تحسين الزراعة بعد أن توقف تخريب البدو للمناطق الريفية، وأظهروا كرما تجاه السكان العرب في السنوات الأولى، كما أدخلوا نظاما إداريا ذا كفاءة عالية، وقُسّمت فلسطين إلى ثلاث مناطق (صناجق) تشمل القدس ونابلس وغزّة وجميعها جزء من أيالة دمشق (الأيالة تقسيم إداري عثماني للمناطق) ولم يتم إسكان الأتراك بالقدس، فقد أرسل العثمانيون حكاما (باشاوات) فقط، ومسؤولين مدنيين وقوة صغيرة تمركزت في القلعة[1].

استثمر العثمانيون على مستوى السلاطين بمدينة القدس أموالا ضخمة في أمنها وبنيتها الأساسية، مثلا أمر السلطان سليمان القانوني بإعادة بناء سور القدس بعدما كان قد هدمه الأيوبيون، فجاء سورا قويا محكما به 34 برجا وسبع بوابات، وقيل إن المعماري سنان أعظم معمارييّ الدولة العثمانية هو الذي أشرف على بناء هذا السور، وأنفق السلطان مبالغ ضخمة أيضا في نظام المياه بالمدينة، فتم تجديد "بحيرة السلطان" جنوب غربي المدينة، وشُقّت القنوات والبحيرات، وما أن حل منتصف القرن 16 حتى أصبح سكان القدس ثلاثة أضعاف من كانوا موجودين في البداية من إحصائيات السكان التي سجلها العثمانيون[2].

العثمانيون أعادوا للقدس دور المركز الحضاري (الجزيرة)

على مستوى الولاة ومتصرفي لواء القدس، فقد أسهموا بنصيب وافر على صعيد تنفيذ الرؤية العثمانية برعاية بيت المقدس على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والخدمية والأمنية، كما سهلت للولاة ولعامة الناس عملية إنشاء الأوقاف الخيرية على الفقراء والمساكين وطلبة العلم والصوفية والزوار وغير ذلك، فقد أعفت الأراضي الوقفية على القدس والخليل من ضريبة العُشر، وضريبة عدد الأشجار، وتُرك الفلاحون يعيشون في هذه القرى أو الأراضي الموقوفة بهدف زيادة الكثافة السكانية فيها من ناحية، وتوفير الجو الملائم لتمكينهم من استغلال الأراضي الموقوفة من ناحية أخرى.

وكانت الدولة العثمانية تأمر متولي الوقف ونُظّاره بإعادة الفلاحين الذين يهجرون قراهم بسبب ظلمهم إياهم إلى هذه القرى، إذا كانوا قد تركوها منذ أقل من عشر سنوات، وإلا فيجب أن يتركوهم وشأنهم. هذا إضافة إلى أن الدولة أعفت فلاحي القرى الموقوفة على القدس والخليل من المال المقطوع عليهم لأمير اللواء كما جرت العادة مع غيرهم من فلاحي الأراضي غير الموقوفة[3].

وعلى الرغم من سوء الأوضاع الأمنية منذ نهاية القرن 16 الميلادي بعد هزيمة العثمانيين في معركة ليبانتو، وازدياد نفوذ الإنكشارية، وتسلط هجمات البدو على الفلاحين والزائرين للأراضي المقدسة في فلسطين، فإن عمليات إعمار الحرم القدسي الشريف ظلت مستمرة، حيث أمر السلطان أحمد سنة 1020هـ/1611م بوضع قنديلين كبيرين بسلسلتين من ذهب في قبة الصخرة، وأنشأ جامع الحنابلة في نفس السنة غربي الحرم، وحرم بيع الخمور في القدس وفي جميع أرجاء الدولة العثمانية[4].













الوالي الذي أعاد للقدس رونقها
واللافت أن كثيرا من الولاة العثمانيين للقدس أوقفوا الكثير من الأوقاف النافعة على الفقراء وطلبة العلم والفلاحين والصوفية في هذه المدينة المقدسة، وتأتي شخصية محمد باشا العثماني، وهو واحد من أطول من تولوا حكم القدس (أمير اللواء) من قبل العثمانيين، حيث استمر لمدة عشرين سنة كاملة (1023- 1043هـ/1614- 1633م) ويأتي على رأس هؤلاء الولاة أصحاب الأيادي البيضاء على مدينة القدس الشريف.

فقد حرص على تنفيذ أوامر سلاطين العثمانيين بتعمير منشآت المدينة، وتوفير الاحتياجات الأساسية فيها، لا سيما المياه التي كانت أزمة في كثير من الأوقات، فقد أشرف على بناء قلعة السلطان مراد الرابع (1032-1050هـ/1623-1640م) أو كما كانت تُسمى "قلعة البِرَك" سنة 1040هـ/1630م عند برك سليمان على طريق الخليل لحماية الينابيع والبرك التي تزوّد القدس بالماء، وجعل على حراستها دزدارًا (مديرا) وأربعين جُنديا بمدافعهم وأسلحتهم ومهماتهم الحربية، وكان قُطاع الطرق والأشقياء يخربون ينابيع المياه، الأمر الذي كان يتسبب في معاناة أهل القدس من جراء انقطاع المياه عنهم[5].

تنوعت أوقاف محمد باشا العثماني ومصارفها إلى الوافدين والزوّار والمريدين والطلاب والزّهاد القادمين من بلدان العالم الإسلامي البعيدة، فقيري الحال الذين كان همهم ودار سعدهم العبادة في أرض العبادات المسجد الأقصى الشريف، فكانت تلك الوقفيات رجاءً لهم من مصاعب العيش ليتفرغوا للعبادة فقط.

يستنتج الباحث إبراهيم ربايعة في دراسته لهذه الوقفيات أنها لم تُخصص لفئة محددة من الطرق أو المذاهب المنتشرة آنذاك، فتارة توجّه لأرباب الطريقة الرفاعية، وتارة إلى أرباب الطريقة المولوية، وأخرى لمريدي الطريقة القادرية، وهذا يعني أنه لم يكن يتبع طريقة صوفية بعينها، بل إن موقفه من هذه الطرق كان نابعا من تدينه وزهده وحبّه في إضفاء الجو الروحاني على المسجد الأقصى وساكنيه، من خلال مساعدة الفئات القادمة من بلاد بعيدة[6].

العثمانيون جددوا بناء الصخرة والمسجد القبلي (الجزيرة)

"أنشأ الواقف -المذكور أجزى الله له الأجور- وقفه على منافع ولوازم ومصالح المسجد الأسعدي الكائن بجبل طور زيتا بظهر القدس الشريف، الذي أنشأه وجدّده أعلم علماء الإسلام، وأعظم الموالي العظام، عين العلماء المحققين، بقية السلف الراشدين المفتي الأعظم ... أسعد الدين بن حضرة مولانا أسعد أفندي المفتي الأعظم بدار السلطنة السنية قسطنطينية المحمية، وإذا تعذّر فعلى فقراء المسلمين أينما كانوا وحيثما وُجدوا". وكان من شروط محمد باشا أن يكون المتولي لهذا الوقف أحد كبار مشايخ الصوفية وهو الشيخ محمد شمس الدين الشهير بالعلمي، وجعل له راتبا ثابتا مدة حياته، بل جعله من بعده لأولاده ولأولاد أولاده ما بقيوا وما داموا.

هذا نص من إحدى وقفيات محمد باشا الكثيرة، وقد لاحظ فيها الباحث إبراهيم ربايعة أن جلها في المرحلة الأولى من ولايته كانت موجّهة للمريدين الساكنين في مسجد الأسعدي الكائن على جبل طور زيتا شرق مدينة القدس، بسبب العلاقة الوثيقة والقوية التي كانت تربط الوالي بمؤسس هذا المسجد، وهو المفتي الأعظم للسلطنة الشيخ أسعد بن سعد الدين بن حسن جان التبريزي الأصل القسطنطيني المولد والوفاة، وهذا المفتي كان السلطان عثمان الثاني متزوجا ابنته، فكانت أوقاف الباشا على مسجد المفتي الأعظم للسلطنة نوعا من الشكر على صنائعه الخيرة في القدس، وتسهيلا عليه مهماته لدى حضرة الباب العالي في إسطنبول.

غير أن كثيرا من وقفياته كانت موجّهة للوافدين إلى القدس من الأتراك والأروام والأفغان والتتار وغيرهم، ممن لم تتوفر لديهم إمكانية ما يعينها على الاستقرار، وما جعلها تنتشر في أرجاء المدينة دون أن يكون لها حارة خاصّة. مع العلم أن الدارس لهذا العصر يلحظ العدد الكبير لهذه الطوائف بالقدس، ولعلّ ما قدّمه محمد باشا يأتي من باب تعزيز إقامة هذه الجماعات في القدس من خلال توفير ما يحتاجون إليه، ولهذا السبب فإن ما وقفه وحبسه كان له أكبر الأثر في استقطاب أكبر عدد ممكن من طلبة العلم، الأمر الذي جعل القدس في فترة ولايته إحدى منارات العلوم والمعارف التي وفد إليها الوافدون من كافة البلدان والأصقاع[7].

وهكذا ساهم العثمانيون بكل طاقتهم للحفاظ على أمن المدينة واحتياجاتها، وفتحوا المجال لتوسيع الأوقاف والأحباس النافعة خدمة للفقراء وطلبة العلم والصوفية والزوار والغرباء وغيرهم، وجاء على رأس هؤلاء أمير لواء القدس محمد باشا العثماني كنموذج حي على هذا الاهتمام للمدينة المقدسة.
ـــــــــــــــــــ
المصادر

1- كارين أرمسترونغ: القدس، مدينة واحدة عقائد ثلاث، ص525.
2- بشير بركات: القدس الشريف في العهد العثماني، ص10-20.
3- أحمد حسين عبد الجبوري: القدس في العهد العثماني، 1/171، 172.
4- عارف العارف: المفصل في تاريخ القدس، ص266.
5- بسام العسلي: القدس في التاريخ، ص243.
6- إبراهيم ربايعة: وقفيات محمد باشا في القدس، ص192 و193.
7- إبراهيم ربايعة: السابق، ص216.

المصدر : الجزيرة