المقدسي مجد الهدمي.. طبيب أسنان ينتظره رواد الأقصى في رمضان

طبيب الأسنان مجد الهدمي ينتظره المقدسيون لسماع أذانه وتلاوته للقرآن بالأقصى (الجزيرة)
طبيب الأسنان مجد الهدمي ينتظره المقدسيون لسماع أذانه وتلاوته للقرآن بالأقصى (الجزيرة)

أسيل جندي-القدس المحتلة


بابتسامة هادئة وتواضع استقبلنا طبيب الأسنان والمقرئ والمنشد المقدسي مجد الهدمي في عيادة الأسنان التي يعمل بها في حي رأس العامود بالقدس، ومن هناك رافقناه إلى المسجد الأقصى المبارك للاستماع له خلال حلقة تلاوته الأسبوعية كل ثلاثاء خلال الشهر الفضيل.

في العيادة استقبل طفلا مقدسيا حضر ووالدته للعلاج، ولم يتوقف عن ممازحته وطرح الأسئلة الطريفة عليه حتى خُيّل لنا أنه يعرفه منذ زمن بعيد.

أنهى علاجه وتشخيص حالته لوالدته وودعهما بعد إعطائهما موعدا جديدا بعد أيام، ثم غيّر زيّه الطبي وغادر العيادة نحو المسجد الأقصى.

قبل أذان العصر بنحو نصف ساعة وعند مدخل المدرسة الأشرفية بالأقصى الشريف جلسنا معه، ليروي لنا سيرته الذاتية الحافلة بالروحانيات والعمل التطوعي.

ولد عام 1991 في القدس وترعرع بها، واكتشف معلّموه موهبة الصوت الجميل لديه في الصف الرابع الابتدائي، أثناء تلاوته للقرآن الكريم وإلقائه للأناشيد الوطنية خلال الإذاعة الصباحية.

طبيب الأسنان المقدسي مجد يمارس مهنته في عيادته برأس العامود بالقدس (الجزيرة)

ومع تزايد مشاركاته في احتفالات المدرسة وخارجها شعر بمسؤولية أثناء تلاوة القرآن الكريم، الأمر الذي دفع والده لتشجيعه على تعلم أحكام التجويد بشكل منهجي، وهكذا التحق بدروس مكثفة مع أستاذه بالمدرسة، وفي الصف العاشر انضم لدورة تجويد في الأقصى الشريف لمدة عام ونصف العام، وحصل على إجازة من الأوقاف الإسلامية في تلاوة القرآن الكريم.

في حديثه للجزيرة نت تطرق لعلاقته بالمسجد الأقصى وارتباطه به روحانيا منذ صغره قائلا "كان والدي وعمي يصحباني للأقصى كل يوم جمعة، وفي رمضان كنا ننطلق منه بعد صلاة العصر نحو الأسواق لشراء المشروبات الرمضانية والقطايف والبرازق وغيرها، كما اعتدنا على أداء صلاة العيد والتقاط الصورة العائلية دائما في رحابه، فأصبح لدي ارتباط بالمكان ليس كمسجد فقط وإنما كحيز اجتماعي".

غادر القدس إلى مقاعد الدراسة في جامعة العلوم والتكنولوجيا بالمملكة الأردنية لدراسة طب الأسنان عام 2009، ومنذ ذلك العام واظب على التدرب لمدة ساعة يوميا على التلاوة "نصف ساعة من التدريب أخصصها لسماع مقرئين لأكون مكتبة صوتية، بحيث أستمع للجميع وأضع بصمتي في التلاوة، والنصف الثاني أخصصه للأداء ليبقى صوتي مرنا".

في العطلة الجامعية كان المقرئ الشاب يعود إلى القدس، وبدأ عام 2012 رحلته في التلاوة بالمسجد الأقصى كمتطوع، وخصصت له دائرة الأوقاف حلقة قراءة شهرية قبيل صلاة الجمعة على مدار العام، بالإضافة لتلاوة أسبوعية خلال شهر رمضان بعيد صلاة العصر، ورفع أذان المغرب مرتين خلال الشهر الفضيل في المسجد الأقصى.

قبل إنهاء دراسته الجامعية أيضا وبعد انطلاق الثورة السورية، وصل عدد من المنشدين السوريين لاجئين إلى الأردن وتعرف إليهم مجد، وبعد مساعدته لهم في تنظيم إحدى الأمسيات، تتلمذ على أيديهم وتعلم المقامات الصوتية، كما تعلمها على يد أحد كبار علماء المقامات في العالم وهو محمد أمين الترمذي، وسبقهم في تعليمه المقامات الصوتية بالمسجد الأقصى الشيخ محمد الصفدي بينما كان طالبا في المدرسة.

في الأردن ترك بصمته كمنشد بعد تأسيسه فرقة إنشاد وكمؤذن مسجد الجامعة أيضا، كما ترك بصمة في الجامعات الأردنية الأخرى خلال إلقائه محاضرات عن القدس، إذ كان مسؤول نشاطات القدس في جامعة العلوم والتكنولوجيا.

حمل طبيب الأسنان معه هذه العلوم وعاد إلى المدينة المقدسة مجددا، وعن المشاعر التي تملكته عند إطلاقه للأذان للمرة الأولى في المسجد الأقصى قال "شعرت برهبة كبيرة وارتعد صوتي في البداية لأن الأذان في الأقصى المبارك لا يقتصر على كونه إعلاما للناس بالإفطار، بل هو جزء لا يتجزأ من إبراز وتأكيد الهوية الإسلامية للمكان في ظل التهويد الممنهج".

لا يرفع مجد الأذان في المسجد الأقصى فحسب بل يبادر لرفعه في كل مكان يتاح له فـ "الأذان بصمة من بصمات ديننا، فإذا سنحت لي الفرصة لأنطلق بهذا الشعاع الذي بدأته من الأقصى المبارك لينتشر في أرجاء العالم فهذا شرف وفضل عظيم".

ورغم رفعه للأذان في أكبر مساجد جزيرة لومبوك الإندونيسية وعبر القناة التركية الرسمية بإسطنبول وفي فرنسا وبمساجد كثيرة في الأردن والقدس، فإنه يرى نكهة خاصة لرفع الأذان في المسجد الأقصى فـ "الأجواء في الأقصى الشريف تضفي على المؤذن روحانية لا يشعر بها في أي مكان سواه.. تتولد لدي مشاعر لا يمكنني وصفها في الثواني الأخيرة التي تسبق الأذان".

بمبادرة شخصية أيضا واظب مجد على رفع الأذان في مساجد وقرى مهجرة، فرفعه في قريتي صوبا ولفتا المقدسيتين المهجرتين، وفي مسجد مهجور بمدينة طبريا، كما رفع أذان الظهر مؤخرا يوم جمعة داخل مسجد ومقام السلطان بدر في قرية الشيخ المهجرة جنوب غرب القدس.

مجد أمام مصلى قبة الصخرة خلال إحدى جلسات تلاوته بالمسجد الأقصى (الجزيرة)

ويقول "عند زيارتي للقرى المهجرة أفكر دائما بأن الأذان لم يرفع منذ عقود طويلة بها، فأخذت على نفسي عهدا برفع الأذان في أي بقعة في محيطنا عندما يكون ذلك متاحا لي".

في عالم الإنشاد أنشد مجد ولحّن أول أنشودة صوفية عام 2010 بعنوان "أنا منك ربي" وعام 2013 أدّى ولحّن أنشودة "عين على القدس" بالإضافة لأنشودة "رمضان في القدس غير" التي لاقت انتشارا واسعا، ويحرص على تأدية هذه الأناشيد وغيرها عند دعوته لإحياء أمسيات رمضانية بالمدينة المحتلة.

غادرنا المصلى وخرجنا من المسجد الأقصى من باب حُطّة وما زال صوته يصدح بالتلاوة عبر مكبرات الصوت، وتذكرنا آخر ما قاله للجزيرة نت "أحاول بث روح القدس من خلال مهنتي كطبيب ما استطعت.. وعاهدت نفسي على إعلاء راية هذه المدينة المقدسة من خلال صوتي ووظيفتي ما حييت".

المصدر : الجزيرة