هكذا يتابع الأسرى بسجون الاحتلال أخبار العالم

هكذا يتابع الأسرى بسجون الاحتلال أخبار العالم

الرسائل المكتوبة كانت أحد أهم وسائل تواصل الأسرى مع الأهل ومتابعة الأخبار (الجزيرة)
الرسائل المكتوبة كانت أحد أهم وسائل تواصل الأسرى مع الأهل ومتابعة الأخبار (الجزيرة)
أسيل جندي–القدس المحتلة
"عدد.. قمع.. كانتين.. عزل انفرادي.. تحقيق مطالب" كلمات يتداولها نحو ستة آلاف أسير وأسيرة فلسطينية في سجون الاحتلال يوميا، ويتوحدون في معركتهم ضد مصلحة السجون من أجل نيل الحرية.

داخل أسوار الأسر تفاصيل قاسية للحياة اليومية يجهلها كثيرون ممن يعيشون خارجها، ومع مرور السنوات طوّر الأسرى من أدواتهم لتحسين ظروفهم ولمواكبة المستجدات السياسية على الساحتين الفلسطينية والعربية، فاختلفت وسائل متابعة الأسرى للأخبار منذ سبعينيات القرن الماضي وصولا ليومنا هذا.

عام 1978 اعتقل المقدسي نبيل دعنا وزُجّ بالسجون لمدة ثلاثة عشر عاما، تنقل خلالها بين سجون الرملة والدامون وعسقلان وبئر السبع ومجدو والنقب، واتهم بتشكيل خلية وبتفجير عبوتين ناسفتين والانتماء لحركة فتح.
الأسير المقدسي المحرر نبيل دعنا (الجزيرة)
"كل ما تقوم به إدارة السجن من إجراءات تهدف بشكل أساسي لكسر الروح النضالية للأسير عبر إهانته على مدار الساعة". بهذه الكلمات وصف دعنا ما يواجهه الأسرى من انتهاكات يومية، مثل تقديم الطعام السيئ لهم ومنعهم من السير في ساحة السجن بمجموعات.

"قديما كانت البيضة المسلوقة تقسم بين أسيرين، وثمرة الطماطم أيضا، ورغيف الخبز لثلاثة أسرى، أما المشي في الساحة، فكان يسمح بشكل دائري وفي حال أقدم الأسير على التحدث مع آخر فيعاقب بالسجن الانفرادي لأسبوعين".

ولا تتوقف الانتهاكات عند هذا الحد فقد لجأت إدارة السجون قديما لإذلال الأسرى من خلال منع إغلاق دورات المياه بالستائر، فكان الأسير يدخل للاستحمام بينما يقف أمامه سجّان يجبره على الخروج بعد دقيقتين، دون أن يتمكن الأسير من إزالة الصابون عن جسمه وشعره.

هذه الإجراءات تباينت بين سجن وآخر، وعن الطرق التي كان يطلع الأسرى من خلالها على أحوال السجون الأخرى أو الأوضاع السياسية خارج قلاع الأسر، قال نبيل دعنا إن الخروج إلى المحاكم كان من أهم وسائل معرفة الأخبار، بالإضافة لزيارة الأهالي الشهرية لأبنائهم المعتقلين.
وحدات إسرائيلية تقتحم أقسام أسرى سجن عوفر في يناير الماضي (مواقع التواصل الاجتماعي)
أخبار إجبارية
وفي بعض السجون كانت توفر الإدارة مكبر صوت في كل غرفة يسمع الأسرى من خلاله نشرات الأخبار ثلاث مرات يوميا، عبر إذاعة صوت إسرائيل.

أما في السجون التي لم تتوافر بها هذه الوسيلة، فلجأ الأسرى قديما لتهريب أجهزة راديو صغيرة الحجم في أيام المحاكم ومع الأطفال في زيارات الأهالي بهدف الاستماع للأخبار.

وعن تلك المرحلة قال دعنا إن الأسرى حرصوا على الاستماع لإذاعتي "القدس" و"صوت الثورة الفلسطينية" وكانتا تبثان من بغداد، وأخذ على عاتقه مع أسير آخر مهمة تفريغ النشرة الإخبارية وإلقائها خلال ساعة من بثها، بعد ترتيبها وكتابة نسختين لتوزعا على الأقسام الأخرى.

ويضيف، "علمتني هذه التجربة كثيرا فأتقنت بسببها قواعد النحو وطورت من مهارة الإلقاء لدي، وفي سجن بئر السبع كنت أقرأ نشرات الأخبار أمام ستين أسيرا".

أجهزة الراديو المهربة ساندت الأسرى ورفعت من معنوياتهم خلال معارك الإضراب عن الطعام قديما، لأنها مكنتهم من معرفة حجم التضامن الخارجي معهم.

والأخبار التي كان لها وقع خاص في نفوس الأسرى هي تلك المتعلقة بخطف جنود إسرائيليين والتي تبشر بقرب إتمام صفقات تبادل أسرى، وعلق دعنا على ذلك بقوله "كنّا نرقص فرحا وتعم أجواء إيجابية لا مثيل لها عند سماع هذا النوع من الأخبار".
الأسير المقدسي المحرر ياسين أبو خضير (الجزيرة)
اندثار الوسائل التقليدية
تحرر نبيل من السجون الإسرائيلية عام 1993، بينما كان الأسير المقدسي ياسين أبو خضير يتهيأ لدخول عامه الاعتقالي السادس قبل أن يتحرر عام 2014 واتهم بالانتماء للجبهة الشعبية وطعن إسرائيليين في القدس.

عاصر أبو خضير خلال سنوات اعتقاله الـ27 تطور وسائل تلقي الأسرى للأخبار، وقال إنهم اعتمدوا قديما على ما ينقله المحامون لهم خلال زياراتهم في السجون، وعلى ما يأتي به الموقوفون من أخبار خلال ذهابهم إلى المحاكم. 

ويستذكر أن صحيفة القدس كانت تدخل لكثير من أقسام السجون لكنها منعت لاحقا، فيما لا تزال صحيفة يديعوت أحرنوت الإسرائيلية تصل للسجون بالإضافة لعدد قليل من صحيفة هآرتس وتصل الصحيفتان عبر الاشتراكات.

يضيف أبو خضير "كانت نشرة الأخبار من إذاعة مونت كارلو الأكثر استماعا بين صفوف الأسرى، بالإضافة للاعتماد على الأخبار باللغة العبرية، وفيما بعد دخلت الفضائيات وأتاحت إدارة السجن لنا مشاهدة 12 محطة تلفزيونية، لكن عندما كانوا يغضبون من الجزيرة يحجبونها فورا وتلفزيون فلسطين كذلك.. أما العربية فهي المحطة الوحيدة التي لم تحجب أبدا".
منظمة الصليب الأحمر الدولية إحدى وسائل تواصل الأسرى مع ذويهم (غيتي )
وعن أبرز الأحداث التي تركت أثرا في صفوف الأسرى، قال إن سقوط مدينة بغداد عام 2003 كان وقعه سيئا جدا على الأسرى من الناحية النفسية، كما انقسم الأسرى بين مؤيد ومعارض بعيد توقيع اتفاقية أوسلو، لكنهم توحدوا في جميع الأحداث الأخرى التي شهدتها الساحة الفلسطينية.
أما الأخبار وحتى الشائعات التي تنتشر حول صفقات التبادل وخطف الجنود الإسرائيليين، فيتابعها الأسرى بشكل تفصيلي ويستمر الحديث عنها لشهور.
 
ولّى عهد تلقي الأخبار بكافة الوسائل السابقة مع تهريب الهواتف الخلوية إلى السجون -حسب أبو خضير- وبات الأسرى يعتمدون عليها في التواصل مع الخارج، معتبرا ذلك من أخطر الوسائل التي أتاحت لإدارة السجون التنصت بشكل دقيق على جميع المكالمات التي يجريها الأسرى.
ويجزم الأسير المقدسي المحرر أن هذه الهواتف أفشلت، وما زالت تفشل، الخطوات النضالية التي ينسقها الأسرى مع الخارج، إذ تجهز إدارة السجن نفسها لكل ما يخطط له الأسرى.
المصدر : الجزيرة