حارة النصارى بالقدس.. معاناة من الاحتلال وهجرة لشبابها

أزقة الحي تكتسي بزينة عيد الميلاد (الجزيرة)
أزقة الحي تكتسي بزينة عيد الميلاد (الجزيرة)

أسيل جندي-القدس المحتلة

تجسد حارة النصارى في القدس المحتلة مزيجا من الألفة والتلاحم بين سكانه ومعالمه الإسلامية والمسيحية، فيجاور المسجد حانوت يبيع زينة عيد الميلاد، ولا يتوقف السكان عن تبادل التحية مع التجار المسلمين في السوق الذين ألفوا وجودهم بها منذ عقود.
 
تبلغ مساحة حارة النصارى نحو 237 دونما وتحتضن أربع بطركيات، هي الروم الأرثوذكس واللاتين والروم الكاثوليك والأقباط، وتضم الكثير من الأديرة والكنائس، ولا يكاد يخلو زقاق فيها من مرور رجال الدين والراهبات على مدار الساعة.

يعود أقدم بناء في الحي إلى القرن الخامس الميلادي حين شيدت كنيسة يوحنا المعمدان التابعة للروم الأرثوذكس، ولاحقا بنيت كنيسة القيامة في الفترة الصليبية، في حين تعود بقية الأبنية للفترتين المملوكية والعثمانية.
 حانوت يبيع التذكارات السياحية المسيحية المصنوعة من خشب الزيتون في حارة النصارى (الجزيرة)

تناقص سكاني
يقدر عدد سكان الحي بنحو أربعة آلاف نسمة، وتتفوق طائفة اللاتين على الطوائف الأخرى من حيث عدد السكان، لكن أكثر أملاك حارة النصارى تعود للروم الأرثوذكس.

كما يضم الحي سوقين رئيسيتين، هما سوق أفتيموس الذي بني عام 1908، وسوق طريق حارة النصارى الذي يضم 218 حانوتا ويقسم الحارة إلى قسمين شرقي وغربي.

من يتجول في السوق والأزقة يلاحظ مرور كثير من المسنين مقابل قلة عدد الشباب، حتى بات يطلق على حارة النصارى اسم "الحي الهرم" لكثرة هجرة شباب الحي الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 و35 عاما. 

وتعزز هذه المشاهدات إحصائية أصدرتها "الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات" قبل شهرين تشير إلى التناقص الشديد في أعداد المسحيين في فلسطين بسبب الهجرة خارج البلاد.

ووفقا للهيئة فإن عدد المسيحيين في فلسطين يبلغ 40 ألف نسمة من أصل 5.5 ملايين نسمة في الأراضي الفلسطينية داخل حدود عام 1967.

وفيما يتعلق بالقدس تطرقت الإحصائية إلى أن 27 ألف مسيحي كانوا يقطنون المدينة عام 1948، في حين لا يتجاوز عددهم الآن 4 آلاف نسمة.

   باسم سعيد: الاحتلال يضيق مساحات العيش على أهل الحي (الجزيرة)

سياسة الاحتلال
ويرجع رئيس جمعية تطوير حارة النصارى باسم سعيد الحالة التي دفعت سكان الحي لمغادرته إلى ضيق المنازل، وقدمها وحاجة كثير منها للترميم دفع بالعائلات لمغادرتها خارج سور القدس التاريخي أو خارج البلاد، خاصة أن تلك المنازل لا تتجاوز مساحة غالبيتها 50 مترا مربعا مما يحد من عيش العائلة المقيمة بها.

كما تطرق إلى الممارسات التعسفية التي تتعمدها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في القدس التي يقول إنها تتعمد "تضييق مساحات العيش أكثر فأكثر كل يوم، بالإضافة للأوضاع الاقتصادية المتردية التي دفعت بكثير من الشباب للهجرة بحثا عن فرص عمل".

أما رئيس أساقفة بطريركية الروم الأرثوذكس في القدس المطران عطا الله حنا فيحذر من إطلاق مسمى أقلية أو جالية على مسيحيي فلسطين بسبب التناقص المستمر في أعدادهم، مشيرا إلى أنه "رغم قلة عددهم فإنهم يشكلون مكونا مهما من مكونات الشعب الفلسطيني، وهم يفتخرون بانتمائهم لفلسطين تاريخا وأرضا وقضية وشعبا وهوية وتراثا".

تستعد البلدة القديمة لارتداء حلة عيد الميلاد من أحد أزقة حارة النصارى (الجزيرة)

وأضاف أن "تداعيات التراجع في أعدادهم تظهر واضحة على الأرض لأن عددهم قليل مقارنة مع المسلمين"، مضيفا أن العامل الأساسي الذي دفع بكثير من المسيحيين للهجرة هو وجود الاحتلال وما يرافقه من أوضاع اقتصادية صعبة".

وتابع "لا يوجد استقرار سياسي ولا يلوح بالأفق حل عادل للقضية الفلسطينية، فالحالة العربية المضطربة عمقت عدم الاستقرار أيضا وهذه العوامل مجتمعة دفعت بالمسيحيين للتفكير بالهجرة بحثا عن حياة أفضل".

ولم تسلم حارة النصارى من تمدد الاستيطان الإسرائيلي إليها، إذ تقع بداخلها واحدة من أكبر البؤر الاستيطانية وهي دير مار يوحنا الذي سربه بطريرك القدس في سبعينيات القرن الماضي ويحتوي على 36 غرفة تملكها الجمعيات الاستيطانية الآن، بالإضافة إلى تسريب فندقين في سنوات التسعينيات من القرن الماضي وظهرت على السطح حينها فضائح بطريركية الروم الأرثوذكس.

بطريركية الروم الأرثوذكس واحدة من 4 بطركيات تقع داخل حارة النصارى (الجزيرة)

هذا الواقع الصعب بالإضافة لتطاول المستوطنين المتطرفين على رجال الدين المسحيين والراهبات بشكل مستمر لاعتقادهم أن الديانة المسيحية أتت لتلغي اليهودية لم تمنع المطران عطا الله حنا من إطلاق رسالة الميلاد من القدس هذا العام عبر الجزيرة نت.

وقال حنا "رسالتنا في الميلاد لمسيحيي فلسطين ابقوا في وطنكم، المسيحية تعلم المحبة والمحبة تعني التضحية في سبيل ما نحب وإذا كانت ظروفنا في الوطن مأساوية وصعبة يجب أن نضحي ونصمد للدفاع عن وطننا وشعبنا ومقدساتنا المسيحية والإسلامية".

ودعا حنا كنائس العالم للدفاع عن الأراضي المقدسة "لأنهم عندما يدافعون عن فلسطين فهم يدافعون عن المسيحية في مهدها، وعن قضية عادلة وشعب مظلوم يستحق أن يعيش بحرية وكرامة في الأرض المقدسة".

المصدر : الجزيرة