رياض سلهب.. حارس مهنة التنجيد العربي في القدس

رياض سلهب متمسك بمهنته رغم شح الطلب عليها واندثار كافة المشاغل بالقدس (الجزيرة نت)
رياض سلهب متمسك بمهنته رغم شح الطلب عليها واندثار كافة المشاغل بالقدس (الجزيرة نت)

 

أسيل جندي-القدس المحتلة

أفل نجم مهنة "التنجيد العربي" قبل عقود، لكن حارس هذه المهنة وآخر من يمارسها في القدس يصر على التوجه يوميا إلى مكان عمله، لأن يديه لم تألفا مهنة غيرها منذ ستين عاما.

إنه السبعيني المقدسي رياض سلهب الذي يجلس خلف آلة الخياطة تارة، ويتجول في زوايا حانوته لإنجاز مراحل تصنيع الفرش القطني التقليدي تارة أخرى.

في منتصف طريق حارة النصارى على يسار الدرج الصاعد باتجاه باب الجديد يقع حانوت سلهب الذي لا يكاد ينظر إلى خارج حانوته إلا عندما يلقي أحد المارة التحية عليه، ثم يعود لينغمس في عمله.

المشغل القديم لعائلة سلهب في حارة اليهود بالبلدة القديمة (الجزيرة)

دخلنا إلى حانوته نزولا عبر سلالم تاريخية مهترئة، واستقبلنا بوجه بشوش مبتسم تزينه لحية خفيفة اكتست بالشيب، وبمجرد استئناف حوارنا معه بدأ يسرد تاريخ هذه المهنة بالقدس، وسنوات انتعاشها واندثارها لاحقا، وتشبثه بها ورفضه هجرها.

ولد رياض سلهب عام 1947 في البلدة القديمة بالقدس وفيها ترعرع، وحرص والده على اصطحابه إلى مشغله الواقع في حارة اليهود، والذي اختص حينها بمهنة التنجيد العربي، وكان يضم ثمانية عمال لاعتماد الفلسطينيين في ذلك الوقت على التنجيد العربي، لانعدام الفرش الجاهز.

ويستذكر العم سلهب "كنا نملك مشغلا ضخما طوله 27 مترا، وحانوتا في سوق العطارين نعرض فيه منتجاتنا للبيع.. فور احتلال القدس عام 1967 استولى الاحتلال على كافة الحوانيت في الحي، وبقينا صامدين وحدنا هناك لمدة عامين، وذات صباح في عام 1969 توجهت صباحا لأفتح المشغل فوجدت جرافات الاحتلال أحدثت فتحة كبيرة في أحد جدرانه، وأخبرونا أن عمليات هدم ستتم في المكان.. كان ذلك آخر يوم لنا هناك".

رياض سلهب استأجر حانوته في حارة النصارى بالبلدة القديمة عام 1969 (الجزيرة نت)

انتقال قسري
انتقلت العائلة إلى حارة النصارى في العام ذاته، واستأجرت حانوتا من دير الروم الأرثوذكس، وواصلت عملها اليدوي في تصنيع الوسائد والأغطية والفرشات القطنية، ورغم مرور خمسين عاما على مكوث سلهب هناك بعد وفاة والده فإنه لا يتوقف عن ذكر مشغلهم القديم الذي سلب منهم بقوة الاحتلال، ويتذكر بين حين وآخر موقفا يشعل حنينه إلى ذلك المكان.

لم تخبُ ذكريات العم سلهب في مشغله القديم، كما لم تمضِ تفاصيل العمل اليومية عن ذهنه، وقال إن زبائنهم قديما لم يقتصروا على سكان القدس، بل كان مشغلهم عنوانا لكل المقبلين على الزواج من المحافظات الفلسطينية المختلفة.

ويقول "كنا نفصل غطاء خاصا لأسرّة العرسان، وكنا نصنعه من الستان ونحشوه بطبقة رفيعة من القطن.. هذه الأغطية كانت تصنع إما باللون الأزرق أو الوردي، ونطرز عليها بغرزة صغيرة دقيقة طاووسا أو نمرا أو بطة أو نخلة حسب طلب الزبائن.. هذه القطعة بالتحديد كان يستغرق التطريز عليها يومين كاملين".

سلهب يحتفظ في حانوته بماكينة خياطة قديمة ومذياع ومقتنيات أثرية استخدمها قديما (الجزيرة)

يحتاج ممارسو مهنة التنجيد العربي لاستيراد القطن والأقمشة بشكل أساسي، وتتلخص مراحل التصنيع بقص القماش وحياكته بشكل أولي حسب القطعة المنوي تصنيعها، ثم مرحلة "ندف القطن" ويتم خلالها تفريق القطن المضغوط ونفشه، وكانت هذه المرحلة تتم قديما بشكل يدوي من خلال قوس، أما الآن فيستخدم رياض آلة خاصة لإنجاز ذلك، ثم يعبأ القطن بالقماش، ويكمل سلهب خياطته قبل تسليمه للزبائن.

يقول سلهب "كنت أصنع قديما أربعة أغطية للأسرّة في اليوم الواحد لكثرة الطلب عليها، أما الآن فلا يطلب مني سوى اثنين شهريا في أفضل الحالات، بعد اندثار هذه المهنة مطلع الثمانينيات مع وصول الفرش القطني والإسفنجي الجاهز".

زبائن سلهب هم المسنون الذين اعتادوا على وسائد وفرشات وأغطية قطنية، ولا يمكنهم الاستلقاء والشعور بالراحة إلا بالنوم عليها، ورغم بعد حانوت المسن سلهب عن السوق الرئيسي فإن كل من يسأل في البلدة القديمة عن منجّد للفرش القطني يدله التجار على حانوته حتى يومنا هذا.

وعن سبب تمسكه بهذه المهنة رغم شح الطلب عليها واندثار كافة المشاغل التي كانت عامرة بها، قال "أحب هذه المهنة التي كبرت معها، فهي كانت وما زالت مصدر رزقي الوحيد، لا أقبل على نفسي أن أكون عاملا بمصنع إسرائيلي للخياطة، وعلمت أحد أبنائي هذه الحرفة، وأوصيته أن يكمل فيها بعد مماتي، وأن يعلمها لأحد أبنائه لأنها ارتبطت باسم عائلة سلهب تاريخيا".

غادرنا حانوت المقدسي رياض سلهب وهو يضع اللمسات الأخيرة على غطاء سرير قطني، وعلى صوت برامج دينية تبثها إذاعة القرآن الكريم يصدح بها مذياعه القديم الذي وضعه على رف بجوار مذياع تاريخي آخر وآلة خياطة أثرية، ومقابلهم صورة يحتفظ بها لوالده في المشغل القديم، وبجواره أحد العمال ينجز قطعة لشخص ما، في حقبة كانت فيها القطع القطنية تحفا تزين منازل الفلسطينيين.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

عبد السلام عبدو مقدسي في الخمسينيات من عمره، شخصية عرفها وأحبها كل من تابع المسرح المقدسي وعايشه، وهو فنان مسرحي عمل مخرجا وممثلا وصانع دمى وبالديكور في العديد من المسرحيات.

في حارة النصارى بالقدس، لا يأبه المواطن ياسر طه لسوء الجوار وضغوط الاحتلال ومستوطنيه، ويستيقظ باكرا ليعد طعام الفطور المفضل لأغلب المقدسيين والمكون من أطباق الحمص والفول والفلافل.

المزيد من احتلال واستعمار
الأكثر قراءة