القدس والداخل الفلسطيني.. مسافات طواها الزواج

شهدت السنوات الأخيرة خلطة لافتة على صعيد الزواج والدراسة والعمل بين القدس والداخل الفلسطيني (الجزيرة نت)
شهدت السنوات الأخيرة خلطة لافتة على صعيد الزواج والدراسة والعمل بين القدس والداخل الفلسطيني (الجزيرة نت)

 

جمان أبو عرفة-القدس المحتلة

عندما طُلبت نعمة عبد العال للزواج قبل 36 عاما اعترض والدها بشدة، لأنّ طالبها من الداخل الفلسطيني وهي من المدينة المقدسة المحتلة، لكن سمعة الطالب الحسنة ألانت قلب أبيها الذي وافق أخيرا على زواج لم يكن دارجا آنذاك، بسبب تقسيمات الاحتلال وبعد المسافة واختلاف العادات.

تزوجت نعمة "أم معاذ" من الشيخ كمال الخطيب الذي أتى من قرية العزير بمنطقة الجليل الأدنى شمالي فلسطين ليدرس الشريعة الإسلامية في جامعة الخليل جنوب فلسطين، وتقدم عبر معارف مشتركة لزوجته التي درست ذات التخصص في كلية الدعوة قرب بيتها ببلدة شعفاط.

تقول أم معاذ للجزيرة نت إن ذكريات حكم الاحتلال العسكري عام 1966 أوجست خيفة نفس والدها، حيث مُنع الفلسطينيون حينها من التنقل داخل فلسطين وزيارة المناطق المحتلة عام 1948، فخشي أن يعود المنع في أي لحظة وتُبعد ابنته عنه.

تقطيع الأوصال
وبفعل ما سميّ "الخط الأخضر" الذي يمر من المدينة المقدسة، فصل الاحتلال بين المناطق الخاضعة لسيادته (الداخل الفلسطيني والقدس) والمناطق المحتلة عام 1967 (الضفة الغربية وقطاع غزة) التي خضعت لسيادة السلطة الفلسطينية فيما بعد.

ووفقا لذلك، يُمنع فلسطينيو الضفة من دخول منطقة الخط الأخضر إلا بشروط مقيّدة، لكن الحركة باتت طبيعية بين القدس وقرى ومدن الداخل الفلسطيني، على الرغم من منح المقدسيين بطاقة "إقامة مؤقتة" وفرض الجنسية الإسرائيلية على فلسطينيي الداخل.

وقد سعى الاحتلال من خلال تقسيماته هذه إلى قطع أوصال الفلسطينيين وزرع الفرقة بينهم جغرافيا ومعنويا، لكن حلمه بالأخير لم يتحقق، فكسر الفلسطينيون مرات عديدة حواجز الاحتلال بطرق متنوعة كانت علاقات الزواج أحدها.

أراد العبادي أن يزيد ارتباطه بالقدس ومسجدها فاتخذ زوجة من أهلها (الجزيرة نت)

خلطة لافتة
تقول أم معاذ إنه وقبل زواجها في ثمانينيات القرن الماضي لم تكن تعرف شيئا عن الداخل الفلسطيني سوى التسمية الدارجة بأنهم "عرب إسرائيل" ولم تكن الخلطة بين المجتمعين كثيرة على عكس السنوات الأخيرة التي شهدت خلطة لافتة على صعيد الدراسة أو العمل أو التجارة أو الزواج، لكن لا توجد إحصائيات دقيقة ترصد ارتفاع حالات الزواج بين القدس والداخل الفلسطيني.

بلهجة أهل كفر كنا تروي أم معاذ "في بداية زواجي لم أستطع زيارة أهلي كثيرا.. كانت الطريق تستغرق ثلاث ساعات ولم تكن بحوزتنا مركبة خاصة، الآن الطريق أسهل بفعل إنشاء الطرق السريعة". وتضيف "لاحظت اختلاف العادات بيننا في الأعراس والمأكولات، كما أن عمل المرأة مهم في أعراف أهل الداخل".

تعيش السيدة المقدسية منذ زواجها في بلدة كفر كنا شمالي فلسطين، وقد غدا لها من الأبناء سبعة ومن الأحفاد ثمانية، وتكرس وقتها للوعظ والإرشاد في الداخل الفلسطيني.

وتُعرف نفسها دائما أنها من القدس وتؤكد أنها لم تشعر بالغربة أبدا في كفر كنا، فأهلها كرماء يحبون الضيف، حتى أنها لم تحتج لشراء زيتون أو زيت طيلة 36 عاما.

وصال الأقصى
برز دور الحافلات المسيّرة يوميا من الداخل الفلسطيني إلى القدس والمسجد الأقصى كثيرا في تعميق الروابط بين المجتمعين، إضافة إلى دور مصاطب العلم بالمسجد الأقصى التي حظرها الاحتلال تزامنا مع حظر الحركة الإسلامية بالداخل الفلسطيني عام 2015.

كان خليل العبادي (37 عاما) يأتي يوميا إلى الأقصى من قريته الجدَيدِة قضاء عكا على بعد 181 كيلومترا شمال غربي القدس، حيث ارتبط منذ صغره بالقدس ومسجدها وقرر أن يتخذ زوجة منها تزيد ارتباطه بها، فتزوج عام 2013 بإسراء شريتح وغدا لهما من الأبناء ثلاثة.

قرر الزوجان في البداية أن يسكنا القدس، واضطرا لاحقا للاستقرار في عكا بسبب ظروف عمل الزوج وإبعاده المتواصل عن الأقصى، لكنهما يداومان على زيارة القدس والأقصى باستمرار. يقول خليل للجزيرة نت إن التحدي الوحيد كان في بُعد المسافة التي تستغرق ساعتين في السيارة.

العروسان براءة وحمزة عقدا قرانهما بالمسجد الأقصى في ظاهرة باتت تتكرر في القدس (الجزيرة)

اختلاف العادات والمأكولات
اكتسبت إسراء اليوم اللهجة العكاويّة تماما، وروت للجزيرة نت اختلاف العادات قائلة "من المعتاد في القدس أن يتقدم الشاب برفقة عائلته، لكن خليل تقدّم إلى أبي وحده، اعتقدنا حينها بوجود مشاكل بينه وبين عائلته لنكتشف لاحقا أنه العُرف لديهم، كما أن المتعارف لدينا أن يأتي العريس لأخذ عروسه من بيت والدها يوم الزفاف، لكنه لم يأت وجاءت عائلته وحدها لأخذي، قلقت حينها ليتبيّن لي أنها العادة أيضا".

يكتفي أهل القدس بيومين تقريبا لإقامة مراسم الزواج، لكن أهل الداخل يحتفلون قبل قرابة أسبوع أو أكثر من يوم الزفاف. 

تؤكد إسراء أن اختلاف العادات لا ينحصر بين القدس وعكا، بل يكون أقوى بين قرى ومدن الداخل نفسها، حيث يتكون الداخل الفلسطيني من الجليل الأعلى الذي تصنف عكا ضمنه، ومناطق اللد والرملة بالجنوب الشمالي بالإضافة إلى المثلث الأوسط متمثلا بمدينة أم الفحم وما حولها، إلى جانب قرى ومدن الجنوب مثل رهط وبئر السبع. وتضيف "كل هذه التصنيفات عرفتها لاحقا، كنت أعتقد أن الداخل وحدة واحدة".

يحب خليل "الكبة النية" كثيرا، في حين لا تستطيع إسراء استساغتها أبدا رغم أنها أشهر أكلات عكا وقراها، ويؤكد الزوجان اختلاف المأكولات بين المدينتين. تقول إسراء "أجمع اليوم بين المطبخ المقدسي والعكاوّي الذي يشبه كثيرا المطبخ اللبناني، نختلف معهم في طبخ المنسف، وتندر لديهم المأكولات التي تحتوي على الأرز".

ارتباط المقدسية براءة غزاوي بشاب من مدينة اللد زادها قربا من المدينة ومدن الداخل الأخرى (الجزيرة نت)

ارتباط تاريخي يتجدد
قبل ستة أشهر تقدم حمزة غانم (22 عاما) من مدينة اللد شمال غربي القدس لبراءة الغزاوي (19 عاما) من بلدة سلوان جنوب الأقصى المبارك، حيث التقيا أول مرة في المسجد الشريف وتوجا لقاءهما بعقد قرانهما فيه.

ترددت براءة في البداية لأنها لا تعرف اللد وأهلها كثيرا، لكنها وبعد أشهر من خطبتها تعرفت على المدينة ومناطق أخرى كانت تجهلها بالداخل الفلسطيني. ولا يجد عريسها حمزة أي عائق لارتباطهما فاختلاف العادات واللهجة بسيط جدا، على حد تعبيره.

يقترب حمزة أكثر من القدس، وتقترب براءة من اللد العريقة التاريخية التي كانت قبل الاحتلال مقصدا قريبا لعرائس القدس لشراء "الجهاز" ومستلزمات الزواج منها.

المصدر : الجزيرة