موسم الزيتون بالقدس.. بهجة يعتصرها ألم وحسرة

عائلة عميرة تقطف ثمار أرضها المعزولة خلف الجدار (الجزيرة نت)
عائلة عميرة تقطف ثمار أرضها المعزولة خلف الجدار (الجزيرة نت)

 

أسيل جندي-وادي الحمص (القدس المحتلة)

بفارغ الصبر ينتظر الفلسطينيون موسم قطف الزيتون كل عام لما يرافقه من عمل دؤوب تجتمع فيه العائلة كخلية نحل للاستمتاع بجني ثمار تعبها في حراثة الأراضي والاعتناء بالأشجار على مدار العام.

لكن الأمر لا يبدو كذلك عند عائلة عميرة المقدسية من بلدة صور باهر جنوب القدس والتي عزل الجدار جزءا من أراضيها، وبات الوصول إليها والاعتناء بها أمرا يتخلله الكثير من الصعوبات والقهر.

أربعة دونمات تمتلكها العائلة في منطقة وادي الحمص المصنفة "أ" لم تسلم من اعتداءات الاحتلال منذ عام 2004، إذ اقتطع جزءا منها لإقامة الجدار العازل واقتلع عشرين شجرة زيتون لتبقى ثمانون شجرة لا تسلم من القنابل الغازية والحارقة طوال العام.
 أرض عائلة عميرة الواقعة خلف الجدار العازل في منطقة وادي الحمص (الجزيرة نت) 

حضور بإذن
من الجانب الآخر، يطل أفراد العائلة على أشجارهم لتفقدها ويشهدون باستمرار على الاعتداءات بحقها، لكنهم وبقوة الاحتلال لا يملكون الحق في الدفاع عنها وحمايتها من الأضرار.

الضابط الإسرائيلي المسؤول عن الحاجز العسكري المؤدي إلى الأرض المعزولة يجب أن يعطي الإذن لأفراد العائلة ليتمكنوا من قطف ثمار الزيتون دون أن تلقي دوريات الجيش القنابل نحوهم.

هو اليوم المنتظر المحفوف بكثير من المشاعر المختلطة، ففيه تعانق أكف أفراد العائلة أغصان الأشجار وثمارها، وفيه أيضا ينظفون محيط الأشجار من القنابل التي تحرق قلوبهم قبل أشجارهم ويسيرون بينها وكأنهم يستميحونها عذرا لتقصيرهم القسري بحقها.

الجزيرة نت رافقت عائلة عميرة في رحلتها السنوية لقطف الزيتون بأرضها المعزولة خلف الجدار. 

عائلة عميرة تدخل أرضها مرة كل عام لقطف ثمار الزيتون (الجزيرة نت) 

خبرة طويلة
الأم سارة عميرة تتقدم بناتها وأبناءها وزوجاتهم وتخمّن عدد الساعات التي سيستغرقها القطف، وما إن كانت بحاجة إلى أيدٍ عاملة إضافية، لأن على الجميع مغادرة الأرض في تمام الرابعة عصرا خوفا من اعتداءات الجيش بحق العائلة.

وتقول "يمّا يا علاء اتصل على إخوتك خليهم يساعدونا ما بنلحق نخلص لحالنا.. مريم ابدئي أنت وفداء بتلك الشجرة وأعطوني أفرز الزيتون عن ورق الشجر لأجهزه للمعصرة".

جلسنا معها تحت ظل شجرة، بدت هادئة، تتحدث بخبرة عميقة عن تاريخ أرضها وأنواع الخضروات التي حرصت وزوجها على زراعتها في الأرض قبل أن يقررا زراعة مئة شجرة زيتون فيها قبل ربع قرن.

تقول "لدينا أراضٍ أخرى داخل صور باهر ونكون سعداء جدا في موسم قطف الزيتون، لكن عندما يحين وقت قطف ثمار هذه الأرض أشعر بضيق في صدري بسبب احتراق كثير من أغصان الأشجار من القنابل، ولأنني لا أتمكن من الاعتناء بها على مدار العام كما بقية أشجارنا".

حالة زوجها الصحية التي تمنعه من القدوم معهم إلى الأرض لم تمنعها من تذكره بين الفينة والأخرى، والحديث عن ارتباطه العميق في هذه الأرض بالتحديد التي كان يتجه إليها فجر كل يوم للاعتناء بأشجارها. 

سارة عميرة تفصل حبات الزيتون عن الأوراق لتحضيرها للعصر (الجزيرة نت) 

حسرة تتجدد سنويا
لم تنسَ الستينية عميرة أيضا أن تقارن بين كمية الزيت التي كانت تنتجها الأرض قبل إقامة الجدار، قائلة إنها كانت تقدر بـ12 تنكة زيت عام 2004، وكان ذلك آخر موسم لكنها الآن لا تنتج سوى تنكة واحدة بعد حرق الأشجار وتضررها وقلة الاعتناء بها.

بيد أن ذلك لا يثنيها وأبناءها عن حراثة الأرض مرتين خلال العام، وعن التوجه لقطف الثمار الشحيحة، وتقول للجزيرة نت إن "الأرض هذه غالية كأبنائي، وأريد أن أثبت لإسرائيل أنني لن أفرط بها مهما قل إنتاجها وتضررت أشجارها لأنها تستحق العناء".

كان الوصول إلى الأرض يستغرق عشرة دقائق في السيارة لكن العائلة الآن تضطر للمرور ببلدة أم طوبا وبيت ساحور والتعامرة وتجتاز حاجزا عسكريا للوصول إليها، بعدما كان يصلها الابن علاء وأشقاؤه مشيا على الأقدام حاملين الأدوات الزراعية البدائية.

تقول عميرة "بعد بزوغ فجر يوم الجمعة من كل أسبوع كنت وأشقائي الأربعة نتجه إلى هذه الأرض لحراثتها وتنظيفها من الأعشاب ووضع الزبل عليها، هي ذكريات لا تمحى من ذاكرتنا جميعا، لكننا الآن نصل إليها مرة كل عام والألم يعتصر قلوبنا لما حل بأشجارها التي لطالما اعتنينا بها".

حلم لم يكتمل
على الجانب الآخر من الأرض بنى علاء عميرة مطلع عام 2016 منزلا مكونا من طابقين بمساحة 250 مترا مربعا لكل طابق، وفي مطلع العام الذي يليه تسلم قرارا بهدمه بحجة قربه من الجدار الأمني.

هدمت قوات الاحتلال المنزل خلال شهر أغسطس/آب الماضي، وهدمت معه أحلام علاء في الجلوس على سطحه ليؤنس وحدة أشجار الزيتون التي يلتقيها مرة كل عام.

تساند علاء في كافة مراحل القطف زوجته مريم عميرة التي أضفت أجواء مرحة على المكان بخفة ظلها ونشاطها في تحضير وجبة الإفطار والتجول بين أفراد العائلة لمناولتهم القهوة والبسكويت.

لاحظنا تعمدها عدم النظر إلى منزلها المهدوم الواقع مقابل الشجرة التي كانت تقطف ثمارها مباشرة، وقالت "منذ هدم المنزل لم آتِ لأراه واليوم اضطررت لذلك، بكيت كثيرا لكنني أتيت هنا لأعمل، وها أنا أتجاهل الهدم وأمضي بالقطف.. أنسى كل تعب هذه الأيام بمجرد تذوقي أول لقمة زيت بعد العصر".

بعض ثمار الزيتون من أشجار عائلة عميرة شحيحة الإنتاج (الجزيرة نت) 

أكثر ما أثار استغرابنا حرص فداء عميرة ابنة سارة الحامل في شهرها التاسع على التوجه معهم إلى الأرض.

حاولت المساعدة قدر المستطاع، وقالت للجزيرة نت إنها تنتظر موسم قطف الزيتون بفارغ الصبر لأنه كان سببا في لم شمل العائلات الفلسطينية المنشغلة طوال العام بمسؤولياتها الجمة.

ودعنا عائلة عميرة بعيد وصول سبعة أفراد جدد للمساعدة في القطف، ابتعدنا عنهم أمتارا ولم يختفِ صوت الأم سارة وهي توزع الأيدي العاملة على الأشجار وتقول لزوجات أبنائها "عندما نستلم الزيت من المعصرة سأعد لكم المشاط لتستمعوا بحرقة الزيت الجديد.. ربي اجعله موسم خير علينا وحرر بلادنا وسهل عودة المهجرين لأراضيهم ليستمتعوا بثمارها".

المصدر : الجزيرة