قبور السلاطين في القدس.. أعجوبة عالمية يسعى الاحتلال لانتزاعها

بقايا الأعمدة الحجرية التي كانت تسند واجهة قبور السلاطين (الجزيرة نت)
بقايا الأعمدة الحجرية التي كانت تسند واجهة قبور السلاطين (الجزيرة نت)

جمان أبو عرفة-القدس المحتلة

في نهاية شارع صلاح الدين شمال البلدة القديمة بالقدس المحتلة، بالكاد يظهر تحت مستوى الشارع، معلمٌ أثري محفور بالصخر يعود إلى القرن الأول الميلادي قبل نحو ألفي عام، وصفه الرحالة يوجن روجر عام 1646 بالأعجوبة الأندر في العالم.
 
كان المعلم الذي يسمى "مقبرة السلاطين" عنصرا جاذبا ومثيرا بحد ذاته، فقد أثارت طريقة بنائه الفريدة المتقنة الأسئلة حول هوية المدفونين فيه، والتساؤل عن أسباب تشييد أكبر وأجمل القبور لهم في القدس وفلسطين قاطبة.
 
أغلقت قبور السلاطين في وجه الزوّار عام 2010، حيث بدأت فرنسا عام 2007 حملة ترميم كبيرة استمرت حتى صيف 2018 بتكلفة وصلت إلى مليون يورو. 
مدخل مقبرة السلاطين رفع بجانبها العلم الفرنسي حيث تفتح في أوقات محددة أمام الزوار منذ نهاية الشهر الماضي (الجزيرة نت)

مخاوف فرنسية
وبرز الحديث عن القبور في وسائل الإعلام بعد إعادة فرنسا افتتاحها أمام الزوار في 24 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ضمن أوقات وإجراءات جديدة، هي يومان في الأسبوع بواقع أربع ساعات لليوم الواحد، وحجز مسبق عبر الإنترنت يشمل تقديم رقم الهوية الشخصية والبريد الإلكتروني، حيث يسمح لثلاثين زائرا فقط بالجولة الواحدة رغم سعة المكان الكبيرة.

كما قامت القنصلية الفرنسية بإغلاق مدخل القبور أسفل الأرض بشباك حديدي "لأسباب تتعلق بحماية التراث والحفاظ عليه"، وذلك بعد أن كانت متاحة أمام الزوار بعيدا عن أي إجراءات مقيّدة.

لا يغدو صعبا على الزائر والمتابع لقصة "قبور السلاطين" تفسير تلك الإجراءات، بعد رؤيته لمستوطنين يهود بلباس ديني يدخلون إليها ويؤدون صلواتهم أمام مدخلها، فيما تقف بانتظارهم شرطة الاحتلال خارج أسوار المقابر.

وقد اشترى "قبور السلاطين" من الدولة العثمانية عام 1878 اثنان من كبار المصرفيين الفرنسيين، هما "الأخوان بيريير"، ثم منحاها للجمهورية الفرنسية عام 1886، التي اعتبرتها صرحا وطنيا فرنسيا في القدس، وهو أمر تشير إليه لوحة التبرع التي ثُبتت في قلب المعلم.

صورة علوية للدرج الحجري وخزانات الماء (الجزيرة نت)

مكاسب سياسية
ويزعم المستوطنون أن قبور السلاطين تحوي قبورا للنبيين داود وسليمان -عليهما السلام- وللملكة هيلانة التي جاءت من العراق واعتنقت الديانة اليهودية و"جلبت الخيرات لسكان القدس"، وفق كتاب التلمود اليهودي.

وبتلك الحجج، طالب المستوطنون مرارا بفتح المكان لصلاة اليهود، وسُجلت حالات اعتداء على حُراس المعلم وتجمهر للصلاة أمام بابه الموصد، كما اتجه بعض المستوطنين إلى القضاء ضمن محاولات باءت بالفشل لانتزاع المعلم من فرنسا وضمه إلى الإسرائيليين. وفي ظل تلك المعطيات ظلت فرنسا متوجسة على الدوام من تحوّل المعلم الأثري إلى معلم ديني يهودي.

وتقول خبيرة الآثار عبير زياد للجزيرة نت، إن الاحتلال يحاول زجّ العامل الديني على الدوام لتحقيق أهداف سياسية والاستيلاء على مساحة أكبر من الأرض، كما يحاول مستوطنوه نسب العديد من القبور في فلسطين لليهود والسيطرة عليها، كما حدث في قبر يوسف بنابلس وقبر "شمعون الصديق" في الشيخ جراح بالقدس. 

مدخل المدافن أسفل الأرض المكونة من شبكة قواعد من سبع حجرات موزعة (الجزيرة نت)

حُفر في الصخر
يُنزل إلى المعلم عبر 23 درجة حجرية عرض كل منها تسعة أمتار، تجاورها قنوات مائية تصب في ثلاثة خزانات حفرت جميعها في الصخر، ضمن نظام سقاية لاستقبال ماء الأمطار المجتمعة، كما استخدمت قديما حمامات لاغتسال الزوّار بعد دفن الميت.

وعلى يسار الدرج، تقع بوابة حجرية ضخمة تفضي إلى ساحة بمساحة 27 مترا من الشمال إلى الجنوب و25 مترا من الغرب إلى الشرق، وتترامى على أطراف الساحة بقايا أعمدة استخدمت لإسناد مدخل القبور الذي تهدمت أجزاء منه بفعل عوامل الزمن.

وفي قلب الساحة، تقع واجهة المعلم التي تستند على أربعة أعمدة، تعلوها رسومات حفرت بالصخر لعناقيد عنب وأشكال هندسية ونبات خرشوف، كما كانت تعلوها أهرامات صغيرة تهدمت لاحقا، في نمط بناء يجمع بين الحضارة الرومانية واليونانية والمصرية.

وتقود الواجهة المتقنة إلى كهف مستطيل يتكون من مستويين مختلفين أسفل الأرض -وهما مغلقان أمام الزوار- ويضم أربع غرف في الطابق العلوي، وثلاثا في السفلي، احتوت على عدة توابيت وأبواب حجرية مصاغة بدقة ومحفورة مباشرة في الصخر، نقل بعضها إلى متحف اللوفر بباريس، كان أهمها تابوت حجري سليم يحمل نقشا باللغة الآرامية باسم "الملكة سدّان"، واستنادا إلى هذا النقش نسب المؤرخ ايرنيست رينان التابوت إلى ملكة حدياب (منطقة واقعة في بلاد الرافدين).

واجهة مدخل القبور كانت تقوم على أربعة أعمدة حجرية وتعلوها أهرامات تهدمت لاحقا (الجزيرة نت)

جدل هوية المشيّد
وقد عُرفت قبور السلاطين لأول مرة في الغرب من خلال لوحات ريتشارد بوكوك التي وصفت المكان بعد زيارته للقدس ربيع عام 1738، وبعد أكثر من قرن قام عالم الآثار "فيليسيان دي سولسي" المقرب من نابليون الثالث بنقل أجزاء من توابيت قبور السلاطين إلى متحف اللوفر عام 1851، ليعود عام 1863 ويجري مسحا أوليا وحفرا للموقع ضمن أول تنقيب أثري في القدس، حيث جرى بعد ذلك شراء الموقع وضمه إلى أملاك فرنسا.

كما جذب المعلم الأثري مشاهير الفنانين والكتاب وأبرزهم الرسامان تيرنر وديفد روبرتس والشاعر لامارتين والكاتبان غوستاف فلوبير وماكسيم دو كامب.

وتؤكد عبير زياد أن الكتابات التي عاصرت إنشاء قبور السلاطين لم تستطع أن تحدد بشكل مؤكد مشيّدها أو راعيها، كما أن المجتمع العلمي يستبعد فرضية إقامة القبور بطلب خاص بل يعزز فرضية كونه مشروعا ملكيا.

وتضيف خبيرة الآثار أن لا أطروحة متوافقا عليها -في الوقت الحالي- حول هوية مشيدي القبور أو المدفونين فيها، وأن النقاش لا يزال مفتوحا في الأوساط العلمية بين شخصية ملكة حدياب والملك هيرودس أكريبا.

المصدر : الجزيرة