على خطى والده.. أبو شمسية دليل أسرار وحكايات القدس

أسيل جندي-القدس المحتلة

"هذا الشبل من ذاك الأسد" عبارة تتردد باستمرار على مسمع المرشد السياحي المقدسي الشاب بشار أبو شمسية نجل الباحث في تاريخ القدس روبين أبو شمسية الذي يعتبر مرجعا موثوقا للصحفيين والباحثين الفلسطينيين.
 
في الجولات السياحية التي يقود بها بشار عشرات وأحيانا مئات المقدسيين يبدو واثقا ويتحدث بنبرة تشبه إلى حد كبير نبرة والده الذي يقود جولات سياحية منذ سنوات طويلة داخل المدينة المقدسة وخارجها.
 
الجزيرة نت رافقت بشار في جولة كان يقودها والده في قرية "النبي صموئيل" شمال غرب القدس، وخلالها لمسنا عمق اهتمام الشاب بالمعلومات التاريخية التي يسردها والده للمشاركين، ولاحقا رافقنا بشار في جولة نظمها قبل أشهر لقرى مقدسية مهجرة مثل عين كارم وصطاف والجورة، واستهدف بها الفاقدات من أمهات وزوجات الأسرى للتخفيف عنهن، ولاحظنا انسجام لغة جسده مع المعلومات المختلفة التي يسردها حول القرى بطريقة مشوقة.
 
حبه للقدس وانتماؤه لها انبثق من أسباب عدة، أبرزها ترعرعه في حي وادي حلوة ببلدة سلوان على بعد عشرات الأمتار من البلدة القديمة والمسجد الأقصى، والتحاقه في المرحلة الابتدائية بالمدرسة العمرية بالبلدة القديمة.
بشار أبو شمسية بدأ بمرافقة والده في معظم جولاته الإرشادية السياحية قبل تخصصه في الآثار والتاريخ (الجزيرة نت)

الانتماء للقدس
يقول بشار "مدرستي بناؤها مملوكي.. كنت أنبهر بتفاصيل البناء لكن لا أعرف معلومات عنه.. كنتُ أبحث وأصدقائي عن مكان نلعب به كرة القدم في البلدة العتيقة فنذهب للمسجد الأقصى لانعدام الملاعب كما كنت أذهب لحارتي السعدية والنصارى والحي الأرمني لأزور أصدقاء المدرسة.. في الحقيقة كانت تلك جولات لكنها كانت عفوية خالية من المعلومات التاريخية.. أتجول بالقدس لأزور أصدقائي في الصف".

كبر الطفل الذي ولد عام 1993 وبات يعرف أن للبلدة القديمة أسرارا وحكايات تاريخية كثيرة لا بد من سبر أغوارها، فبدأ بمرافقة والده في معظم جولاته السياحية الإرشادية، وعن تلك المرحلة قال "لوالدي علاقة فريدة من نوعها مع كل حجر من أحجار القدس، كان وما زال يردد أمامي وأمام المشاركين بالجولات جملة لا تمحى من ذاكرتي وهي، أتمنى لو أكون حجرا من أحجار مدينة القدس لأنها الوحيدة الباقية وتشهد على من عمل من أجل المدينة ومن خانها".

من هنا بدأت تتوطد علاقة بشار أبو شمسية بالبلدة القديمة وبقصص أبنيتها وحجارتها، وقرر السير على درب والده، فقاد أول جولة على سور القدس التاريخي عندما بلغ التاسعة عشرة من عمره وأرشد بها طلبة يدرسون تخصص التاريخ في الجامعة العبرية بالقدس.

التحق هو الآخر بجامعة القدس ودرس على مقاعدها تخصص الآثار والتاريخ، وخلال تلك الفترة صبّ اهتمامه على البلدة القديمة وقرى القدس المهجرة حتى بات متمكنا وواثقا بقدرته على قيادة جولات بمفرده عام 2013.

 أبو شمسية: كل شاب مبادر لديه فكر توعوي يضعه الاحتلال تحت المجهر (الجزيرة نت)

تطوع ومبادرات
ليس هذا فحسب بل انخرط بشار في العمل التطوعي بالقدس وشعر أن هذا المجال يعطيه أكثر مما يأخذ منه، وأهلته شخصيته المحببة بين شرائح المجتمع المقدسي كافة لإدارة وقيادة مخيمات صيفية يعتبر أن مخيم "ابن البلد" التثقيفي أهمها وأقربها لقلبه.

يقول "هذا المخيم يتحدث عن الهوية الوطنية وتعزيزها لدى فئة الشباب، تحدثنا به عن الحالة الفلسطينية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية قبل نكبة عام 1948 وعن حال اللاجئين بعد تهجيرهم، ونظمنا مسار مشي للقرى المهجرة بالقدس، ثم إلى مخيمي الدهيشة وعايدة في مدينة بيت لحم للوقوف على حال اللاجئين هناك والتحديات التي تواجههم ومدى ارتباطهم بحق العودة، وتبنت هذا المخيم جمعية برج اللقلق للعمل المجتمعي".

واظب المرشد السياحي الشاب على تنظيم الجولات داخل أسوار البلدة العتيقة وخارجها، وفي عام 2016 انطلق بمبادرة "القدس في الليل حلوة" وفيها قاد مجموعات شبابية لا يتجاوز عدد أفرادها 15 شابا وشابة في جولات بالبلدة القديمة خلال ساعات المساء للتعريف بمعالمها.

 بشار أبو شمسية خلال شرحه للمشاركات عن قرية صطاف المهجرة غربي القدس (الجزيرة نت)

إقبال واسع
لكن بعد بضع جولات ذُهل أبو شمسية بحجم الإقبال، إذ تجاوز عدد المشاركين بالجولة ثمانين شخصا، فلمس أهمية استمرار المبادرة لتعطش المقدسيين لمعلومات تاريخية صحيحة عن معالم مدينتهم المقدسة.

هذا الإقبال لم يرق للاحتلال الذي لجأ لاعتقال بشار أسابيع، وانصب مسار التحقيق معه على المبادرة ولقيادته مجموعات كبيرة للتعريف بالقدس مما وصف بأنه خطر على أمن الدولة.. يقول للجزيرة نت "كل شاب مبادر لديه فكر توعي تحرري يضعه الاحتلال تحت المجهر، وهذا الاعتقال كان سببا في إمكانية إلغاء المبادرة لذلك تبنتها جمعية برج اللقلق في الموسم الثاني لتحميها، وقريبا سننطلق بالموسم الثالث الذي نستهدف به العائلات لتحفيزهم على إحياء البلدة القديمة في ساعات المساء".

أسس أبو شمسية أخيرا مجموعة "أسوار القدس" التي تتكون من اثني عشر عضوا من خريجي تخصص التاريخ والآثار، حيث يتدربون معا على تنظيم وقيادة الجولات في قرى القدس المهجرة، وكتابة المقالات والأبحاث التاريخية.

قبل أن نودعه سألنا المرشد الشاب عن طموحه فقال، "أريد أن يعرف كل الشباب المقدسي ماذا تعني القدس وما هو تاريخها الصحيح لأن من يعرف تاريخه يمكنه بناء مستقبله".

المصدر : الجزيرة