سائح فطالب علم.. حكاية شاب جزائري تعلق بالأقصى

رياض أبو عمران اعتاد المقام في البلدة القديمة وفي كل مرة يفارقها يصمم على العودة (الجزيرة)
رياض أبو عمران اعتاد المقام في البلدة القديمة وفي كل مرة يفارقها يصمم على العودة (الجزيرة)


أسيل جندي-القدس المحتلة

 

لم يخفت بريق عينيه طيلة فترة حديثه عن مدينة القدس التي وصفها بمهوى قلبه منذ وطئت قدماه ترابها ربيع عام 2014، ليتوج حبه لها باختيارها دون مدن العالم لتعلم اللغة العربية واللهجة المقدسية.

ترددت كلمتا فلسطين والقدس على مسامعه عندما كان طفلا في السابعة من عمره، بينما كانت صديقة والدته الفلسطينية تسرد لهم قصة تهجيرها وعائلتها من قريتهم في محافظة بيت لحم عام 1948، ولم تمر تلك المعلومات حينها مرور الكرام على الشاب الفرنسي المنحدر من أصل جزائري رياض أبو عمران.

كبر الطفل وكبر شغفه بمعرفة المزيد عن فلسطين فقرأ الكثير وأعد كافة وظائفه في مبحثي التاريخ والجغرافيا عن فلسطين والقدس بالمرحلة الثانوية، قبل أن يلتحق بتخصص الحقوق بإحدى الجامعات الفرنسية وتُهيأ له الظروف لزيارة القدس للمرة الأولى ويحقق حلما طال انتظاره.

ولد الشاب الجزائري رياض أبو عمران عام 1992 في مدينة مارسيليا بفرنسا وحمل الجنسية الفرنسية، وما زال يعيش مع أسرته هناك ويواظبون على زيارة الجزائر سنويا، بينما يحرص رياض على زيارة القدس مرة كل عامين.

رياض أبو عمران داخل المصلى القبلي يجلس في مكان ألفه منذ زيارته الأولى للقدس (الجزيرة) 

وجهة سياحية وروحانية
أمام المصلى القبلي في المسجد الأقصى المبارك التقينا برياض ليسرد لنا حكاية يطول شرحها عن تعلقه بالقدس وشعوره بالانتماء الروحاني لها.

يقول للجزيرة نت "الحكومة الفرنسية تصرف مبلغا شهريا لطلبة الجامعات المنحدرين من أسر بسيطة وكنت أنا من بين هؤلاء، ادّخرت هذا المبلغ بهدف السفر للقدس وكان ذلك عام 2014".

ويتابع "أول مكان زرته هو الأقصى ودخلته حينها من باب الناظر لا يمكنني التعبير عن مشاعري بالكلمات عندما وجدت قبة الصخرة أمامي.. قلت أنا الآن حيث كان الرسول محمد عليه الصلاة والسلام وحيث مشى عمر بن الخطاب ومرّ القائد صلاح الدين الأيوبي.. هي روحانيات عميقة لا يمكن للإنسان وصفها".

 رياض أبو عمران يتجول في المسجد الأقصى المبارك (الجزيرة) 

تنقل بفلسطين
في رحلته الأولى التي استمرت لأسبوعين زار رياض مدنا فلسطينية، عدة أبرزها حيفا والناصرة ورام الله وبيت لحم، لكن تاريخ القدس ومكانتها الدينية جعلاها تحتل المكانة الأولى في قلبه.

يقول أبو عمران إنه غادر الأقصى في اليوم الأخير من زيارته الأولى وهو ينظر إلى الخلف ويتمعن في قبة الصخرة المشرفة خوفا من عدم تمكنه من زيارة القدس مجددا، لكنه صمم على العودة وكان له ذلك عام 2016 ثم عام 2018، وقبل أيام وصل إلى القدس من أجل تعلم اللغة العربية والتحق بمعهد في حي المصرارة على بعد عشرات الأمتار من باب العامود أحد أبواب البلدة القديمة.

"استأجرت غرفة صغيرة من عائلة مقدسية في عقبة الشيخ ريحان بالبلدة القديمة -يضيف للجزيرة نت-وسأمكث بها لثلاثة أشهر وأطمح أن أتمكن من تمديد التأشيرة الخاصة بي لأعيش بالقدس فترة أطول".

عودة تلقائية
عندما تخرج رياض من الجامعة عام 2018 عمل لمدة عام في مجال دراسته ليدّخر بعض المال ويتمكن من السفر لدولة عربية بهدف تعلم اللغة، وبحث في الشبكة العنكبوتية عن معاهد في لبنان والأردن ومصر، لكنه وجد نفسه تلقائيا يعود لمدينة القدس للدراسة رغم تخوفه من عدم منحه تأشيرة سياحية في مطار اللد بسبب زياراته المتكررة للمدينة المحتلة.

ويتابع للجزيرة نت "الرسالة التي حملتها من القدس من أول زيارة لي حتى اليوم هي ضرورة إقدام كل شخص على زيارة هذه المدينة المقدسة ورؤية كل شيء على أرض الواقع بعيدا عما ينشر في وسائل الإعلام".

 أبو عمران يتخذ من الأقصى مكانا للدراسة والصلاة وقضاء وقت الفراغ (الجزيرة) 

وعند سؤاله عن ردة فعله عندما رأى المظاهر العسكرية في المدينة والجنود المدججين بالأسلحة المنتشرين في كافة أنحاء القدس والمسجد الأقصى قال "لم أستغرب ذلك ولم أشعر بالرهبة لأن للجزائريين بشكل عام ولعائلتي بشكل خاص تاريخا نضاليا طويلا ضد فرنسا.. أمي هي من تشعر بالقلق المستمر علي".

دخلنا معه إلى المصلى القبلي واتكأ على عمود اعتاد الجلوس عنده، ثم تجولنا معه في صحن قبة الصخرة المشرفة ولمسنا معرفته العميقة بالمعالم وبالأشخاص الذين يترددون على الأقصى بشكل مستمر.

وأثناء سيرنا قال إنه تعلم اللهجة المقدسية تدريجيا، لأنه في الزيارة الأولى لم يكن يتقن اللهجة بتاتا وتحدث مع المقدسيين باللغة الإنجليزية وذلك أزعجه كثيرا "لأنهم في فرنسا يقولوا لنا أنتم عرب وفي الجزائر يقولوا لنا أنتم فرنسيون وفي زيارتي الأولى للقدس لقبوني بالأجنبي ولم يرق لي ذلك فصممت على تعلم اللغة العربية".

قبل أن نودع رياض سألناه عن موقف استثنائي مر به في القدس فقال "لن أنسى ما حييت ذلك اليوم من عام 2016 عندما وصلت القدس لإحياء العشر الأواخر من رمضان في الأقصى، انقضى رمضان وأتيت لأداء صلاة العيد ورأيت عشرات آلاف المقدسيين، لكن عند صلاة الظهر كان المسجد فارغا وبعد انقضاء الصلاة لم يبق في الأقصى سواي وعدد من الحراس، لا يمكنني وصف ذلك اليوم بكلمات، شعرت بأنني أحرس المسجد وحدي، لم أشعر بالسعادة طيلة حياتي كتلك اللحظات التي عشتها بالأقصى".
المصدر : الجزيرة