اختفت آثاره 45 عاما.. قصة الشيخ اللبدي الذي فقد حريته دفاعا عن الأقصى

الشيخ اللبدي (يمين) يتناول أكلة المسخن التي كان يفضلها وذلك بعد العثور عليه عام 1983 (الجزيرة نت)
الشيخ اللبدي (يمين) يتناول أكلة المسخن التي كان يفضلها وذلك بعد العثور عليه عام 1983 (الجزيرة نت)

جمان أبو عرفة-القدس المحتلة

في أحد أيام الثورة الفلسطينية الكبرى وتحديدا عام 1938، احتمى الثوّار بالمسجد الأقصى من جنود الاحتلال البريطاني الذين لاحقوهم حتى أسوار المسجد، فتصدى لهم المصلون وعلى رأسهم الشيخ حسن اللاوي اللبدي أحد أئمة الأقصى، كان اللبدي شابا في مقتبل الثلاثين دفعه إصرار أحد ضباط الإنجليز على اقتحام المسجد إلى استلال خنجره وقتله.

غيّرت تلك الحادثة مجرى حياة الإمام الشاب بالكامل، التي تحوّلت لقصة غامضة أفصح هو عن بعض تفاصيلها بعد العثور عليه، في حين قبر أكثرها معه بعد وفاته.

اقتيد اللبدي بعد قتله الضابط إلى سجن عكا شمالي فلسطين، وحُكم عليه بالإعدام، لكنه خُفف لاحقا إلى السجن المؤبد بعد حملة تضامن فلسطينية كبيرة معه، ولبث في سجنه عشر سنين.

 

زوجة شقيق اللبدي (يمين) وبجانبها ابنتها فدوى تتصفحان جريدة الفجر التي كتبت عن الشيخ اللبدي عام 1983 (الجزيرة نت)

اختفاء آثاره
استمر تواصل الأهل مع نجلهم حتى حلّت النكبة عام 1948، وانسحبت القوات البريطانية من فلسطين ممهدةً الطريق لعصابات الصهاينة، واستطاع السجناء أن يخرجوا من سجن عكا، لكن اللبدي ظل قرب السجن لا يعلم إلى أين يذهب!

يتوقع أستاذ التاريخ والآثار وقريب اللبدي نظمي الجعبة أن الأسير الشيخ تعرض إلى صدمة في السجن جراء التعذيب أو ضربة في الرأس أدت إلى فقدانه الذاكرة بشكل جزئي، حيث بات يتذكر ما حصل قبل الصدمة لكن ذاكرته لم تعد تُسجّل ما يحدث بعدها.

مشقة البحث
ظل اللبدي مفقودا لا تعلم عنه عائلته شيئا لمدة 35 عاما، توفيت خلالها زوجته ووالدته وشقيقه عبد الله وشقيقته عريفة. وتقول ابنة أخيه فدوى اللبدي للجزيرة نت إنها تتذكر جدتها عائشة "أم حسن" وهي تلصق أذنيها على الدوام بالمذياع منتظرة أي خبر عن نجلها المفقود حسن، حتى ماتت عام 1958 قبل أن تلقاه.

تؤكد فدوى أن والدها عبد الله وعمتها وصيفة وزوجها ظلّوا يبحثون عن عمها حسن، لكن مرضا قاتلا عاجل والدها عام 1967 قبل أن يلتقي شقيقه الأكبر، فكانت وصيته أثناء احتضاره أن تبحث عن عمها المفقود.

سيطر الاحتلال الإسرائيلي على فلسطين بالكامل إبان النكسة عام 1967، وفُتحت القرى والمدن على بعضها، فبدأت عائلة اللبدي رحلة بحث استمرت عامين، حتى وصلتها الأخبار عام 1969 أن الشيخ حسن في مشفى للأمراض العقلية ببلدة "برديس حنا" قرب حيفا شمالي فلسطين، وهناك كان اللقاء الأول.

 نظمي الجعبة حاول استرداد جزء من ذاكرة اللبدي عبر أخذه لزيارة المسجد الأقصى (الجزيرة نت)

اللقاء الأول
تصف فدوى لحظة اللقاء فتقول دخلنا إلى غرفته بالمستشفى فوجدناه قائما على السرير يصلي، حينها صرخت عمتي وصيفة "أخوي أخوي" واقتربت منه لتحضنه فأنكرها وأنكر زوجها وابنه غازي الذي أصبح شابا.

تكمل فدوى "حينها علمنا أن شيئا ما أصابه، فهو لم يعد يعي أي تحديث أو تغيّر في الشكل والعمر أو الحالة السياسية لفلسطين".

لم تستطع العائلة إخراج اللبدي من المشفى، لكنها ظلت تزوره بانتظام، في حين اضطر نجله غازي للعودة إلى الأردن الذي سافر إليه للعمل قبل النكسة وفقد حق الإقامة في فلسطين. وفي إحدى الزيارات لم تجد العائلة اللبدي بسبب نقله إلى مكان آخر لم تعلمه، فعادت للبحث من جديد.

أثناء ذلك ماتت شقيقته وصيفة وزوجها، وبقيت ابنة أخيه فدوى في رحلة البحث وحيدة.

يقول نظمي الجعبة للجزيرة نت "تزوجت بهيفاء شقيقة فدوى، والتقينا ذات مساء في بيت أم زوجتي مُزيّن خضر ببلدة أبوديس شرق القدس مع ممرض صديق للعائلة يدعى صالح عيّاد، حيث سألنا إن كنا نعرف شيخا يدعى حسن اللبدي التقاه أثناء عمله بمشفى ديرياسين للأمراض العقلية".

وصف الممرض عيّاد اللبدي لعائلته فعرفته مُزيّن زوجة أخيه، وقررت العائلة التوجه لقرية ديرياسين المهجرة غرب القدس للتأكد من وجود اللبدي فيها، وهناك كان اللقاء الثاني عام 1983.

اللقاء الثاني
أطل الشيخ حسن اللبدي على عائلته في المشفى بطول فارع لم يعبه انحناء ظهره، وجسد نحيل ووجه صغير زادت ابتسامته ضيق عينيه، ولحية بيضاء طويلة، وعمامة وثوب ناصعي البياض، كان الشيخ بكامل قواه العقلية ويذكر اسمه حتى الجد العاشر، يتحدث بلغة فصيحة، تصرفاته متزنة، ومنطقه سليم، وصحته جيدة، لكن مشكلة ما أصابت ذاكرته".

يقول الجعبة "عندما رأته أم زوجتي صرخت من الدهشة هذا سلفي حسن أبو غازي، تسمرت أنا وزوجتي من الصدمة كان كرجل خرج من بين الملائكة لوقاره وبياض ثيابه، سلّم علي بقبضة يد ملؤها الهمة والحيوية، قلت له مشيرا إلى حماتي مزيّن "يا شيخ هاي مرت أخوك عبد الله"، فأجاب ضاحكا "مرت أخوي صبية هاي المرة عجوز".

وعاد أخيرا
استطاعت العائلة أخيرا إرجاع اللبدي بعد 45 سنة من الأسر والاختفاء إلى أحضانها، وأخذته إلى بيتها في بلدة أبوديس، التي سكنها بعد انتقاله من قرية كفر اللبد التي ولد فيها عام 1907، ليتم بعد ذلك دراسته الشرعية في كلية العلوم بطولكرم، حيث انتقل بعدها للعمل مدرسا شرق الأردن، ومن ثم إماما ومدرسا في المسجد الأقصى.

كان أول ما طلبه اللبدي من عائلته نسخة كبيرة من القرآن الكريم، وتؤكد العائلة أنه كان يقرأ القرآن غيبا بإتقان، ويؤذن موعد كل صلاة دون أن يذكّره أحد، لكنه كان يتيمم بدل الوضوء ويصلي قائما على مكان مرتفع عن الأرض. ويخمّن الجعبة أن ذلك السلوك مرده إلى مواقف تعرض لها في سجنه، فاعتاد التيمم لانعدام الماء أو الصلاة على مرتفع لنجاسة المكان.

حاول الجعبة استرداد جزء من ذاكرة اللبدي عبر أخذه لزيارة المسجد الأقصى الذي أمّ ودرّس فيه، فيقول "دخلنا إلى المسجد وتوجهنا نحو قبة الصخرة، صلى ركعتين ثم استند إلى أحد الأعمدة وبدأ بقراءة القرآن، فقلت له هذا الأقصى فأجابني: هذه اليابان يبنجي، عاملين مثل قبة الصخرة"، وفعلا كانت قبة الصخرة قبل اعتقاله غير مذهّبة، ويبدو أنها تغيرت بالنسبة له، فأطلق عليها مسمى يبنجي وهو مصطلح بالتركية يعني الغريب كان يستخدمه أهل الريف الفلسطيني".

جريدة الدستور تلتقي الشيخ اللبدي عام 1983 بعد العثور عليه (الجزيرة نت)

تعرف إلى قريته فقط
يكمل الجعبة "أخذته بعدها إلى قريته كفر اللبد، ظل صامتا طوال الطريق حتى وصلت إلى طلعة القرية تدفق الدم إلى رأسه وبدأ بالتلفت، وحين وصلت إلى الثلث الأخير منها، صرخ قائلا "وقف حدّك"، ودفع الباب خارجا من السيارة، وبدأ يصرخ "هادي حبلة عمتي وهادي أرض سيدي"، وأكمل راكضا نحو القرية، كأن الطاقة التي في الدنيا دبّت في الرجل، ركض حتى وصل إلى بيت أبيه المهجور، دفع باب بيته المتهالك برجله كأنه تركه قبل ساعة، ودخل إلى وسط البيت وتربّع على الأرض".

بعد أيام معدودة استطاع نجله غازي الحصول على تصريح زيارة لوالده في فلسطين، فالتقى الابن بوالده لا الوالد بابنه، كان لقاء من جهة واحدة، حيث انكب غازي باكيا يقبّل قدمي والده ورأسه، لكن والده لم يتذكره فقد تركه طفلا وعاد ليجده أربعينيا.

عمّان المثوى الأخير
استطاع غازي أخذ والده إلى الأردن لرعايته حيث يسكن وعائلته، وهناك احتفى به الجميع وتصدّرت قصته الصحف الأردنية.

لم تدم فرحة عثور عائلته عليه إلا ثلاثة أشهر، مات بعدها في عمّان وأقيمت له جنازة مهيبة، وقالوا حينها "كأنه انتظر ليلقى قريته وأهله ثم غادر الحياة مطمئنا".

المصدر : الجزيرة