متطوعون لتنظيم المرور بأكثر مناطق القدس تعقيدا وخطورة

تعرض حسن زيادة لاعتداءات جسدية ولفظية من أصحاب المركبات أثناء تنظيمه حركة السير شمال القدس (الجزيرة)
تعرض حسن زيادة لاعتداءات جسدية ولفظية من أصحاب المركبات أثناء تنظيمه حركة السير شمال القدس (الجزيرة)

جمان أبو عرفة-القدس

حين انعدمت الإشارات الضوئية واللافتات المرورية، وزادت الفوضى في شارع القدس-قلنديا (شمال القدس المحتلة)، قرر حسن زيادة (28 عاما) أن يكون وأصدقاؤه السبعة إشارات بشرية متنقلة، تنظم وحدها خط سير رئيسيا وحيويا بطول كيلومترين، تمر منه عشرات آلاف المركبات يوميا.

لا يملك حسن سوى سترة صفراء بشعار (دورية السلامة على الطرق)، وقبعة تقيه أشعة الشمس، يتسلح بهما أمام سيل من المركبات المتدفق من وإلى حاجز قلنديا العسكري، الذي يشهد محيطه ازدحاما مروريا يوميا، فهو أبرز الحواجز التي تفصل القدس عن الضفة الغربية، ويستخدمها الفلسطينيون فقط.

يقع بجانب الحاجز مخيم قلنديا للاجئين الذي يتبع وكالة الأونروا، وتجاوره بلدة كفر عقب التي يتبع جزء منها بلدية الاحتلال في القدس، وآخر لبلدية كفر عقب التابعة للسلطة الفلسطينية، أما الشارع الرئيسي للبلدة والمخيم فيتبع إداريا للسلطة وأمنيا للاحتلال، وبين تلك الأطراف تكتظ المنطقة وتفتقر للقانون والنظام والبنى التحتية السليمة.

من اليمين: محمد عليان ووليد الأعرج وحسن زيادة أخذوا على عاتقهم تنظيم المرور بمنفذ رام الله الوحيد جنوبا (الجزيرة)

تطوع فعمل
تطوّع حسن منذ نحو عشر سنوات في تنظيم السير، فقد ولد في مخيم قلنديا، وأزعجته الفوضى التي طالت أزقة مخيمه وعطّلت حياة أبنائه، فقرر هو وأصدقاؤه إمساك زمام المبادرة دون مقابل، إلى أن فوضتهم وزارة المواصلات في السلطة الفلسطينيّة مطلع العام الماضي 2018، ليكملوا بأجر ماديّ (ستمئة دولار شهريا)، لا يضاهي حجم المخاطر التي تواجههم، أو ساعات عملهم المتعبة، والتي تصل إلى 12 ساعة.

لا يملك حسن وأصدقاؤه تأمينا صحيا، أو مقومات وتفويضات لفرض قوتهم على الأرض، ويعانون من عصيان أغلب أصحاب المركبات، ويصل أحيانا إلى الاعتداء الجسدي واللفظي، بسبب محاولتهم إنهاء ظاهرة المشي عكس السير، أو التجاوزات الخاطئة، أو السرعة الزائدة، أو الوقوف في الشارع وتعطيل السير.

صعوبات ومخاطر
يؤكد حسن للجزيرة نت أنه دُعس عمدا مرتين أثناء تأديته عمله، واعتُدي عليه جسديا ولفظيا مرات عديدة، ولم يتلقَ دعما من أحد.

أما زميله محمد عليان (ثلاثون عاما) فيقول إن المركبات المتعاونة قليلة مقارنة بالمعتدية، ويضيف "نعمل ليلا نهارا، صيفا وشتاء، أشتهي سماع كلمة طيبة، أسمع دوما جملة "اليهود أحسن منكم"، "أعيش في كابوس يوميّ وأفكر بترك موقعي حفاظا على كرامتي".

تعرض الشبان أيضا إلى اعتداء قوات الاحتلال التي تقتحم مخيم قلنديا ومحيطه وتلقي قنابل الصوت والمطاط أثناء تأديتهم عملهم، كما اعتقلت زميلهم خالد عنتر قبل أشهر أثناء تواجده في الميدان.

يرافق حسن ومحمد زميلهما وليد الأعرج (ثلاثون عاما)، الذي يؤكد أن المُحفّز الوحيد لاستمراره في العمل هو مساندة زملائه وحرصه على مصلحة مخيمه ومحيطه وساكنيهما، هذه المصلحة التي تضررت جراء الاكتظاظ والمخالفات،

وفيات الازدحام
ويروي الشبان للجزيرة نت حكاية مسنة توفيت في المخيم بسبب تأخر الإسعاف نتيجة الأزمة، وحالات وفاة لمارين بعد دعسهم من قبل مركبات خفيفة وشاحنات ثقيلة، وحكاية طفل ركض به والده نحو الحاجز بعد اختناقه بجسم ابتلعه، وأطفال تأخروا على مدارسهم بعد عدم تمكنهم من عبورهم الشارع الخطر، وأمراض أصابت السكان من ضجيج أبواق السيارات ودخانها.

يُلقي حسن وزملاؤه اللوم الأبرز على الاحتلال المسبب للوضع القائم، ولكنهم يحمّلون المسؤولية أيضا لمستخدمي الشارع، مطالبين بنشر الوعي واحترام القانون وحق الطريق. بالإضافة إلى زيادة عدد منظمي السير وزيادة أجورهم، وتوفير تأمين صحي وملابس وأدوات لعملهم، وتحقيق الأمن الوظيفي، كي يبقى بصيص الأمل في نهاية الطريق المكتظ المظلم.

المصدر : الجزيرة