مدارس القدس القديمة.. لماذا تتعمد إسرائيل تفريغها؟

مبنى مدرسة خليل السكاكيني في البلدة القديمة (الجزيرة)
مبنى مدرسة خليل السكاكيني في البلدة القديمة (الجزيرة)

أسيل جندي-القدس المحتلة

لن تتمكن 350 طالبة مقدسية من الجلوس على مقاعد الدراسة في مدرسة "خليل السكاكيني" الإعدادية الواقعة في البلدة القديمة مطلع العام الدراسي المقبل، بعد أن قررت بلدية الاحتلال تفريغها وتحويلها لاستخدامات لم تتضح طبيعتها بعد.

ويتبع مبنى المدرسة -المعروفة بين المقدسيين باسم "القادسية"- لبلدية الاحتلال، باعتباره أملاك دولة منذ احتلال المدينة عام 1967، كما ينسحب خطر التفريغ على مدرسة القدس الإعدادية للبنين التي تضم 150 طالبا أيضا على بعد أمتار من المدرسة الأولى.

وتفاجأ أهالي الطلبة قبل أيام بحذف اسم المدرستين من قائمة المدارس المفتوحة للتسجيل في الصفوف السابع والثامن والتاسع للعام المقبل، وتم تبليغهم من البلدية بأن هناك نية لإغلاق المدرستين على أن يتم استيعاب الطلبة في مدارس أخرى.

المقدسي نادر جابر من هؤلاء، حيث توجهت زوجته إلى مدرسة القادسية لتسجيل طفلتهما في الصف السابع للعام المقبل، وكانت باكورة الأسئلة التي وجهت لها "أي منهاج ترغبون في تدريسه لابنتكم الفلسطيني أم الإسرائيلي؟"، ثم تفاجأ الوالدان في اليوم التالي باختفاء اسم الطفلة من قائمة الطالبات المسجلات، وقالت لهما مديرة المدرسة إن عليهما التوجه إلى مقر البلدية لمعرفة الخلل.

‪نادر جابر: أرفض نقل ابنتي بشكل تعسفي من مدارس القدس القديمة‬ (الجزيرة)

وعلق جابر على ذلك بقوله "أنجبنا ثمانية أطفال درسوا جميعهم المنهاج الفلسطيني في البلدة القديمة، والآن يريدون إغلاق المدارس ليرسلوا أطفالنا للدراسة خارج الأسوار. والمدرسة المتاحة الآن هي في حي الشيخ جراح، في مكان يستفز به المستوطنون الطالبات بشكل دائم"، مضيفا "أرفض نقل ابنتي بشكل تعسفي من مدارس القدس القديمة وسأمتنع عن إرسالها العام المقبل إلى أي مكان إذا أغلقوا المدرسة".

مخالفة قانونية
وقال رئيس اتحاد لجان أولياء أمور الطلبة في القدس زياد الشمالي -خلال اجتماع عقد في أحد منازل البلدة القديمة لمناقشة الخطوة الجديدة المندرجة في إطار محاربة التعليم بالقدس- إن الاتحاد سيخوض من خلال محامين معركة قانونية لإفشال الخطوة الجديدة.

وأضاف أن الإجراء الإسرائيلي خرق للقانون، إذ تمنع أنظمة المعارف إلحاق طلبة المرحلة الإعدادية بمدارس ابتدائية، وهذا ما تسعى البلدية إليه العام المقبل، بالإضافة لتنظيم خطوات احتجاجية يقودها أهالي الطلبة المستهدفين بالنقل لإيصال وجهة نظرهم إلى الجهات الرسمية.

وتطرق الشمالي للأهداف المبطنة لقرار إغلاق المدرستين بقوله إن البلدية تدعي أنها ستوفر لهؤلاء مقاعد في مدرستين أخريين تتبعان لها في البلدة القديمة، لكن لا طاقة استيعابية فعلية لهم، وهو ما يمهد الطريق لنقلهم إلى مدرستي العلا والوادي اللتين تطبقان المنهاج الإسرائيلي، وافتتحت إحداهما مطلع العام الدراسي الحالي على أن تفتتح الأخرى العام المقبل.

‪زياد الشمالي: الإجراء الإسرائيلي خرق للقانون‬ (الجزيرة)

من جهته، قال رئيس أكاديمية الأقصى للوقف والتراث ناجح بكيرات -في حديثه للجزيرة نت- إنه أطلق نداء عام 2015 حذر فيه من هذا المخطط الذي بدأ بالتضييق على الطلبة والأساتذة الفلسطينيين المتوجهين إلى مدارسهم في البلدة القديمة، من خلال الاعتداء عليهم بالضرب والتفتيش والاعتقال، حتى وصلت نسبة الطلبة الذين هجروا المدارس الواقعة داخل الأسوار إلى 35% بحسب قوله.

ويضيف أن محاولات إقحام المنهاج الإسرائيلي في مدارس شرقي القدس تصاعدت، معتبرا أن "مخطط تفريغ البلدة القديمة من التعليم أكبر ضربة نتلقاها.. من المؤسف أن تختفي المدارس في البلدة التي أطلق عليها في العصور الوسطى معقل العلم والعلماء، لوجود 54 مدرسة فيها".

وتستأجر بلدية الاحتلال مبنى مدرسة القدس الإعدادية للبنين من عائلة قراعين المقدسية، بعقد إيجار يتجدد كل خمس سنوات، ومن المفترض أن ينتهي العقد الأخير بعد عامين وهو الوقت المحدد لإغلاق المدرسة.

مبنى أثري
أما مبنى مدرسة خليل السكاكيني الإعدادية للبنات، فله تاريخ يقول عنه الباحث في تاريخ القدس روبين أبو شمسية، إنه بني عام 1147 في الفترة الصليبية مثل كنيسة ترعى "الكرج" الجورجيين، لكن معظم أملاك هؤلاء اندثرت في القدس وتحولت للروم الأرثوذكس، باستثناء هذا المبنى المكون من قبو وطابقين أعلاه.

وفي الفترة الأيوبية، حوّل القائد صلاح الدين الأيوبي المكان إلى أوقاف خاصة بالقصر السلطاني، فأعيد البناء الأساسي عام 1193 في عهد العزيز عثمان، وتولى مسؤولية البناء ميمون عبد الله القسري وهو وزير خزانة صلاح الدين، وتحول المبنى لاحقا إلى مدرسة تدرس المذهب الشافعي.

ودمّر الطابق العلوي في الفترة المملوكية نتيجة وقوع زلزال وأعيد إعماره، ثم رمم في الفترة العثمانية المبكرة واستخدم ككتّاب، لكنه أهمل في أواخرها ولم توقف عليه أوقاف حتى بات فارغا.

ومع مجيء الانتداب البريطاني، تحول إلى أملاك الدولة البريطانية ومنها لأملاك الدولة الأردنية، وانتعش التعليم في المبنى من جديد وحملت المدرسة اسم "خليل السكاكيني"، ومنذ احتلال مدينة القدس عام 1967 تحول المبنى تلقائيا إلى أملاك دولة، وتغير اسم المدرسة إلى القادسية، ثم عادت لاسم خليل السكاكيني.

تاريخ طويل
وشهدت جدران المبنى على تاريخ تعليمي طويل، لكنها ستشهد قريبا على تفريغه من الطالبات ليتحول إلى إحدى أذرع الاحتلال الذي يشيع تارة أن المكان سيستخدم لخدمات التعليم وتارة أخرى أنه سيتحول لمتحف أو سيكون من نصيب سلطة الآثار الإسرائيلية.

ويتصاعد الحديث عن الهجمة الإسرائيلية على التعليم في القدس منذ أيام، خاصة بعد إعلان سلطات الاحتلال الإسرائيلية قبل يومين أنها ستغلق مع مطلع العام الدراسي المقبل كافة المدارس التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) في القدس، وذلك عقب أسابيع من اجتماع سري لـمجلس الأمن القومي الإسرائيلي في مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لإقرار خطة لإغلاق وطرد المؤسسات التي تديرها الأونروا في المدينة المحتلة.

وتتبع ست مدارس في القدس لوكالة الغوث، ويدرس فيها نحو 1800 طالب. وفي مخيم شعفاط توجد ثلاث مدارس تتبع الوكالة، اثنتان منها للإناث والثالثة للذكور، ويبلغ عدد الطلبة فيها مجتمعة 850 طالبا وطالبة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

شارك رؤساء الجامعات الإسرائيلية الخميس في اجتماع للجنة التربية والتعليم بالكنيست، وذلك للتحذير من خطر العزلة الأكاديمية وبحث سبل مواجهتها.

كعادته صباح كل يوم، جمع الطالب عبد الله محمد زملاءه بالصف الثامن وانطلقوا معا إلى مدرستهم في قرية الساوية جنوب مدينة نابلس بالضفة الغربية، غير آبهين بقرار الاحتلال الإسرائيلي إغلاقها.

المزيد من احتلال واستعمار
الأكثر قراءة