عائلة جندي.. حكاية غرفة وغربة 40 عاما

جندي من شرفة غرفة عائلته العتيقة المطلة على الأقصى (الجزيرة)
جندي من شرفة غرفة عائلته العتيقة المطلة على الأقصى (الجزيرة)


أسيل جندي-القدس

قد ينبهر الزائرون لبعض المنازل بأناقتها وحداثتها، وينبهر آخرون بعراقة منازل أخرى وتصميمها القديم اللافت، لكن ضيوف منزل عائلة جندي ببلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى ما زالوا منبهرين يوميا بإحدى غرفه الأثرية التي تضم مقتنيات تعود لعقود مضت.

ليس من السهل الوصول للمنزل الذي يقع في "الحارة الوسطى" التي تشتهر بضيق شوارعها وسلالمها الكثيرة الموصلة للبيوت، لكن عائلة جندي اشترت هذا المنزل المطل على الأقصى وسور القدس التاريخي، في خمسينيات القرن الماضي، بعد سنوات من تهجيرها قسرا من قرية دير ياسين، عقب المجزرة التي ارتكبت بحق السكان هناك عام 1948.

يبدو مدخل البيت كأي مدخل عادي، ويصادف الزائر سلالم توصله للطابق العلوي فيجد على يمينه الغرفة الأثرية، وعلى يساره أخرى حديثة، وبينهما شرفة خارجية تطل على الأقصى وبلدة سلوان.
الغرفة الأثرية في بلدة سلوان تعود لعائلة جندي (الجزيرة)


إرث عائلي
بمجرد دخول الضيف للغرفة يتلاشى تدريجيا صوت أنفاسه المتسارعة، وينسى عقبات الطريق، ويعود بمخيلته لحقبة زمنية بعيدة شُيدت بها هذه الغرفة بالأحجار الحمراء والبيضاء السميكة، واختار أصحابها بلاط "السجادة" القديم لها، وبنوا خزانة ثابتة بأحد جدران الغرفة، لا يوجد بها خدش واحد، وهي شامخة كشموخ هذا المنزل في محيط قضمه الاستيطان، وبدد الغرباء هدوءه وسكينته.

المسنتان رسمية وربيحة جندي تعيشان في المنزل بعد رحيل والدهما ووالدتهما، واغتراب بقية العائلة إلى البرازيل والسعودية، وخلال زيارة الجزيرة نت لهما بدتا حريصتين على كل قطعة قررنا تصويرها، ونبشتا معنا ذكريات سنوات بعيدة عندما كانت الغرفة تضج بالسكان.

ربيحة ورسمية مع ابن شقيقهما العائد من الغربة بالغرفة الأثرية (الجزيرة)


تقول رسمية عن أولى سنوات العيش بالمنزل "قصتنا محزنة كقصص ملايين اللاجئين في العالم، هُجرنا من دير ياسين، وبعد سنوات من الشتات استقر والدي في سلوان. تزوج شقيقي الأكبر حسن وأنجب طفليه محمد ومفيد، قبل أن يهاجر للبرازيل، وبعد عامين بعث رسالة للعائلة طلب فيها أن تلحق به زوجته والطفلان، فرفض والدي، وقرر أن تهاجر زوجة شقيقي وحدها للبرازيل، على أن يترعرع ويكبر الأطفال في وطنهم بيننا".

التحق الطفلان بالمدرسة، وكانت الغرفة الأثرية مكانهما المفضل للدراسة والنوم، وبدأت حاجياتهما تتراكم فيها حتى كبرا والتحق محمد بجامعة بيرزيت عام 1974 وغادر بعد تخرجه للبحث عن فرصة عمل بالسعودية، إلا أن العمتين ما زالتا تحتفظان بكل كتبه الجامعية، وأوراق الامتحانات والملابس والفراش وأشرطة الأغاني الخاصة به وبشقيقه مفيد، كما تحتفظان بالزي التراثي الخاص بوالدهما ووالدتهما الراحلين.

محمد ومفيد عاشا طفولتهما بالغرفة الأثرية.. كبرا وغادرا البلاد منذ أربعين عاما (الجزيرة)


لجوء.. اغتراب وحنين
مضى على اغتراب محمد ومفيد أربعين عاما، زارا خلالها القدس عشرات المرات، وما زالت مقتنياتهما تراوح مكانها، وعن ذلك قال محمد الذي تقاعد قبل عام ونصف العام وعاد ليعيش بالقدس "في هذه الغرفة ذكريات طفولتي وشبابي.. كنت أدرس بها وأستمع عبر مذياع قديم لأم كلثوم يوميا في تمام الخامسة عصرا، هذه الغرفة هي الوطن الذي لطالما شعرت بالحنين إليه في غربتي، وحرصت على غرس حب هذا المنزل في نفوس أبنائي وأحفادي".

قلبنا مع العمتين الكتب والملابس وألبومات الصور، ومحمد يسترجع شريط ذكرياته بين عشرات الأوراق الجامعية والكتب القديمة، التفتت له ربيحة وذكرته بالراية البيضاء التي كانتا تعلقانها على الشرفة الخارجية كلما نجح وشقيقه وتفوقا بالمدرسة والجامعة، ودون تردد أطلقت أهزوجة شعبية لطالما صدحت الحناجر بها "الله يجيرك يا محمد يا أبو بدلة جديدة، يا ماخذ الشهادة طلع اسمك بالجريدة.. الله يجيرك يا مفيد يا أبو ساعة لمّاعة، يا ماخذ الشهادة طلع اسمك في الإذاعة".

الغرفة من الداخل ويظهر بها الأثاث القديم (الجزيرة)


لم تفارق البسمة وجهه طوال فترة وجودنا هناك، ولم تتوقف عمتاه عن تذكيره بتاريخ العائلة، وقصص حياتها اليومية، ولم تغفلا بالتأكيد أن تذكرا أن حفل زفافه وشقيقه أقيم في الغرفة ذاتها، وأن مسنات قرية دير ياسين غنين لهما أهازيج فرح على مدار أسبوع كامل، قبل أن يغادرا في رحلة اغترابهما وتصبح الغرفة الأثرية تروي قصة حياتهما التي لم تخل من غصة اللجوء والشتات والبعد عن الأقارب.

ورغم التآكل الذي حل ببعض أوراق الكتب القديمة، واهتراء بعض قطع الملابس، فإن هذه الغرفة بمحتوياتها بدت متجددة وحيوية بإطلالتها المميزة على المسجد الأقصى، رغم توقف الزمن بها قبل أربعين عاما.

خزائن مثبتة بالحائط تحتوي على سلسلة كتب تعود لفترات متعددة (الجزيرة)
المصدر : الجزيرة