القدس خط أحمر

منذ احتلال النصف الآخر من القدس عام 1967، وبعد نكسة يونيو/حزيران التي اصطلح العرب على تسميتها بهذا الاسم، رغم أنها كانت هزيمة مُرَّة.. منذ ذلك الحين، وفي ظل مؤتمر اللاءات الثلاث الذي عقد في الخرطوم يوم 29 أغسطس/آب من العام نفسه، قالها العرب بالفم المليء، وعلى مسمع من العالم كله: القدس خطٌّ أحمر أيها المحتلون الصهاينة.

غير أن المحتلين لم يأبهوا بهذا القول، فتمادوا في تشديد القبضة على مدينة القدس، وبعد حينٍ من زمن الاحتلال أعلنوا بأن القدس -الموحدة بالكامل- أصبحت عاصمة لدولتهم القائمة منذ تأسيسها في فلسطين على الظلم والعدوان والاضطهاد.

وعندما لم يجدوا حزماً وراءه عزمٌ في قول العرب بأن القدس خط أحمر، تمادوا في تهويد المدينة والاستيطان فيها، وأقاموا طوقاً من المستوطنات حولها، بالإضافة إلى الجدار العنصري الذي يُراد له أن يفصل القدس الكبرى التي وسّعوا رقعتها، عن باقي الضفة الغربية المحتلة.

قام المغتصبون الجدد بكل ما يحلو لهم من إجراءات التهويد والأسرلة التي غيّرت وجه القدس، وفي كل خطوةٍ ظلوا يتخذونها، كانوا يتجاوزون أكثر من خط أحمر ظل يرسمه العرب تحت اسم القدس
وليتسنى لهم ما أرادوه وخططوا له، أمعنوا في هدم المنازل العربية بمدينة القدس، وتهجير سكانها، وسحب هوياتهم، بل وتمادوا في اضطهاد واعتقال أبنائها، وقتل من يثور منهم في وجه الاحتلال البغيض بدمٍ بارد.

حتى الخط الأحمر الذي ظل يرسمه شهيد تلو شهيد بدمه الطاهر، ظلَّ العدو المحتل يتجاوزه، مستمراً في طمس معالم القدس التاريخية، ومصادرة هويتها العربية الإسلامية بشتّى الوسائل والطرق التهويدية، حيث مقالٌ واحد أو أكثر لا يتسع لحصر الإجراءات الاستعمارية الاستيطانية التي ظل المحتل الصهيوني يتخذها وينفذها بكل شراسة وعدوانية، غير آبه بقول قائل عربي "القدس خط أحمر"، حتى أصبح هذا القول لا يعني له شيئاً بعدما أطبق بكلتا يديه الملطختين بالدماء الفلسطينية على القدس، بكل ما فيها من مقدسات ومعالم عربية وإسلامية عريقة يشهد لها التاريخ.

لقد قام المغتصبون الجدد بكل ما يحلو لهم من إجراءات التهويد والأسرلة التي غيّرت وجه القدس، وفي كل خطوةٍ ظلوا يتخذونها، كانوا يتجاوزون أكثر من خط أحمر ظل يرسمه العرب تحت اسم القدس، دون أن يكون لخطهم التحذيري أي وزنٍ في نظر الغزاة الصهاينة، يمكن أن يحسب له زعماء التهويد وحاخامات الاستيطان المتطرفون حساباً يذكر.

ولكن هذا الوضع الذي يتلبس مدينة القدس هذه الأيام ينبغي أن لا يصيبنا بالإحباط، ويجب أن لا نسمح له أن يصيب أصابع اليد العربية بالتهاب مفاصل من النوع الشديد والمستفحل، فلا تقوى على حمل قلم جريء المداد يراد له أن يخط تحت اسم القدس العربية خطاً أحمر، ومن نوعٍ لا يطمسه مداد صهيوني أسود حتى لو أمطرت غيوم احتلالهم سواداً.

وليعلم القاصي والداني أن شهداء القدس إذا ما رسموا بدمهم الزكي الخط التحذيري الأحمر، فإنه لا يقوى على طمسه أو مسحه مطرٌ احتلاليٌ أسود، حتى لو فاضت به سيولٌ ووديان.

فلنرسم من جديد وبمداد من دم الشهداء عبارة "القدسُ خط أحمر"، وليبصر من لا يريد أن يُبصر، وليسمع من لا يريد أن يسمع. والقول هنا ليس موجهاً لحكومة الاحتلال المتطرفة فحسب، ولا لمن يدعمونها ويقفون معها في خندق المواجهة أو يتعاطفون مع أطماعها، أو يحابون عدوانيتها واعتداءاتها المتكررة على القدس وأهل القدس دون غيرهم..

القول هذه المرة موجّه للعالم بأسره شرقه وغربه وشماله وجنوبه.. موجه إلى من يصادقنا ويقفون معنا نحن العرب، ومن يعادوننا بمساندة حكومة الاحتلال الصهيوني وتأييد ما تفعله بالقدس وأهلها، وعلى الأخص من يطالبون بأن تكون القدس بشطريها عاصمةً للدولة المقامة على أرض فلسطين.. كل فلسطين.

وحتى يعود للقول العربي الحازم معناه، وتكون له فصاحته وبلاغته وقوة تأثيره، لا بُدَّ للعرب أن يعودوا إلى أنفسهم عودةً نقديَّة شاملة للذات العربية، فيتذكروا أول ما يتذكرون قول الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر "ما أُخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة".

والقوة لا تعني الحرب فقط وإن لوحت بها، وإنما تعني قبل كل شيء وحدة الصف والكلمة والهدف، خاصة حين يستوجب واقع الحال المر موقفاً عربياً شجاعاً ومستبسلاً على جبهة الدفاع عن القدس وتاريخها العربي الإسلامي العريق.

فلنعلم نحن معشر العرب بأن زمن الحلم بالقدس قد ولّى، ولم يعد له مجال لدغدغة المشاعر والنفوس، بينما القدس تُؤخذ عنوةً كغنيمة حرب أو كجاريةٍ تأتمر بإمرةِ مخدومها الصهيوني، ويُراد لها أَن لا تخرج عن طاعته أو تعصي له أمراً.

لنعد إلى زمن النهوض العربي والصحو من حلمٍ طال، لنمتلك لحظة الوعي التي تخرجنا من حالة الضعف، التي ضيَّعت علينا فرصاً تاريخية كثيرة للدفاع عن القدس والعمل من أجل إنقاذها وحماية أهلها ومقدساتها، بدلاً من أن نظل جالسين مكتوفي الأيدي على مقاعد المتفرجين أمام الاقتحامات شبه اليومية للمسجد الأقصى المبارك، وكأننا لسنا الطرف الآخر على حلبة الصراع، وقد بلغ التحدي الذروة والرهان على أشده.

ولنا أن نستمدَّ قوةً إضافية تضاف إلى قوتنا المنشودة والمأمول فيها من شجاعة واستبسال شباب القدس، الذين يتحدّون بطش الاحتلال وتعسفه وغطرسته ببطولاتٍ نادرة يشهد لها التاريخ المعاصر.

لنا أن نستمد ما نحتاج إليه من عزمٍ يُضاف إلى عزمنا من شهامة وتصميم حرائر القدس الماجدات المرابطات في الأقصى المبارك بشجاعة وجرأةٍ قلَّ نظيرها، تذكرنا بأم سلمة رضي الله عنها، وهي تستبسل في الدفاع عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد، وبخولة بنت الأزور وهي تجمع الحرائر، فينزعن أعمدة الخيام لتقودهن وهي ملثمة بفروسيةٍ رائعة تَفيضُ بالإيمان والعزيمة، فتنقذ أخاها ضرار بن الأزور من الأسر وتحرره.

لتعلم أمتنا العربية أن الأمم المغلوبة على أمرها هي التي تنهض من جديد، وأن الأمة التي ذاقت طعم الهزيمة المرة في أكثر من مواجهة مع عدوها، هي الأمة القادرة على أن تتذوق حلاوة النصر، إن استعادت قوتها وحققت وحدتها معتصمةً بحبل الله، فلا تدع للفرقة والتدابر مجالاً.

عندما ندرك نحن العرب تمام الإدراك أنه لا ينقصنا مالٌ ولا رجال، وأن في وسعنا أن نكون أقوياء، وأن تكون لنا كلمتنا القوية المدوية التي يفهمها ويحترمها الجميع ويحسب لها أعداؤنا ألف حسابٍ وحساب، عندها فقط نستطيع أن نقول للجهات الأربع وبكل ثقةٍ وإرادةٍ صلبة "القدس خط أحمر".

خلاصةُ القول.. علينا ونحن نتألمّ على ما آلت إليه القدس من حال، ومن وضع يوجع القلب والروح، أن نؤمن بهذه الحقيقة، وهي أنه لا مكان للضعفاء في هذا العالم الذي لا يقبل أو يحترم إلا الأقوياء.

المصدر : الجزيرة