في ذاكرة عروقنا.. أبو خضير والأسباط

القدس من ورائهم، فإلى أين يتقدّمون؟! أم تراهم يظنون أننا من خلفهم.. نسير بلا عيون؟! حكّام عراة من اليقين يقودون أمة مغمضة العينين، تحترق باللاهب من أنفاسها، وتعض بنحاس الفم على الشفتين. حكّام مسكونون بالخوف، يسكنون إرادة من أتاه نداء المستضعفين فانتصر لهم بتعرّق الجبين، والسكوت على أبواب الخائفين.

القدس ميراث إنسانيّتنا، لا قامة تنتصب لنا دونها، ولا هويّة لنا ولا أثر. القدس قطرة دم انتشرت في كل العروق، فصارت لها القلوب مساكن، وما عادت تُثنينا عن عشقها الخطوب.

القدس نبض وجودنا، وآية عزّنا، وإيماننا بأنفسنا. القدس مرآة تحمل ملامح قلوبنا، إنْ تكسّرت.. سالت في الطرقات دماؤنا، وما من أحد يملك أن يوقف نزفها حتى نموت أو نُغرق بدمائنا عدوَّنا.

لذاكرتنا مضاء يقطع خيوط النسيان إن لفّها الأفاقون والسماسرة مِن أبناء جلدتنا وعروبتنا وديننا حول حكايات مدينتنا، وسيظل أبو خضير ينادي من احتراق طفولته بثأر يُدمي كفّا أشعلت في الجسد الغض نيران الحقد العنصري، سيظلّ يطالب هذا الكون بحق طفولته، وهو يغادر الصلاة على أجنحة الصوم، أعزل إلا من أمنيات أمه بغد يحمل الفرح رذاذا من مطر.

محمد أبو خضير لم تتوقّف ناره، هي لا تزال تحرق كلّ المقدسيين، لا يزال هلال الصوم واقفا ببوابة المدينة العتيقة، يحبس العيد حتى تحرُّر التكبير في فم المآذن والمرابطين.

ذاكرتنا من ترابٍ لا من هواء! تحفظ على حدود الفداء شهداء حملوا اسم محمد.. رسموا بكفّ الجرأة ميلاد الرصاص في الباحات التي ما انفكت تدعو للنفير، لنصرة المسجد الأسير، للصلاة والرباط والتكبير.

كلّهم محمد، ومن خلفهم المقدسيّون يواجهون صلف المحتل بباب الأسباط، وقد لمعت في أعين الغزاة المطامع، حين أرادوا تطويع شعب حاصروا لقمته وهواءه وماءه وطرقاته، وزرعوا خَبثهم على صفحات صغاره، وأذلّوا كباره. أرادوا أن يفرضوا إرادتهم، وقد تحسّسوا ارتعاش الجبناء الخائفين على مكاسبهم ممن غيّروا ملامح هويّتهم خطبا لودّ المحتلّ، فجرّبوا مع المقدسيين حظّهم.. لتتصدّر بوابّة الأسباط صفحات العزّ برفض المقدسيين الانحناء. فما انصاعوا لأوامر المحتل بفرض بوابات إلكترونية على مداخله، تفرض سطوة المحتل على المسرى رغم أنف المصلّين، وتتحكّم في نداء المآذن في باحاته والتكبير.

اشتعلت القدس بإرادة أبنائها، وبأيدي أبنائها توهّجت، ليرابط أبناء القدس من أمام بوّابة مسجدهم، لا يُثنيهم وجع، وزاد أرواحهم صبرٌ جميل. يقفون ببوابات الأقصى سجّدا. رصاص المحتل من فوقهم. يفرّق بالدم جمعهم، لكنهم لغير الله لا تنحني أرواحُهم، ولا ينسيهم الفجرَ ليلُهم الطويل.

تنسلّ جموعهم من الحارات العتيقة، من الدكاكين التي لا تنفك ترفع كفّيها للسماء، من البيوت التي عشقت الصلاة والنداء، وقرارٌ باستمرار رباطهم حتى النصر، كسرا لإرادة العدو، ومقاومةً للغزاة.

يصلّون ويأكلون ويغنّون للحرّية مِن أمام مسجدهم، ويواجهون بإرادة الصمود رصاص المحتل بمزيد من الشهداء، تعانق الأجراسُ في صمودها المآذن، وتعلن ثورةَ الصلاة في مدينة السلام ولا استسلام.

ليسحقوا إرادة المحتل، ويدخلوا مسجدهم بالعزّ مكبّرين، وقد تراجَعَ عدوّهم عن قراره أمام صبرهم وصمودهم والتفافهم حول مسجدهم.

لنا ذاكرة لا تخطئ الشهداء، وتحفظ على ترابنا الطهور خطوات الأنبياء، لا الجنون الأميركي يقدر أن يفتّ في عضد صمودنا، وإن أصاب حكّامنا بالخور.. ولا الحاوي التلمودي يملك أن ينزع القدس من صدورنا. يمكنهم زرعنا بمزيد من القهر وحسب، لكننا سننبت بالثورة.

خان الأحمر بدفاتر الصغار، وقد جعلوا من إطارات السيارات مدرسة لهم، لتثبّتهم في أرضهم، سيرسل شرارة تلتقي بمزيد من الشرر، وسيتعاظم الخطر، لا ليقتلع الأحرار من ترابهم بل ليحرق من أشعل فيهم حرقة قلوبهم.

موت واحد في بلادي يحيي العشرات، لتسري عدوى الحياة فيهم سير النار، فالشعلة إن لامست جفاف الروح انتشرت بحريق لا يُبقي ولا يذر. طعم المؤامرة مرّ يا قدس، وغدر الأخوة أدهى وأمر.

فلسطين اختارت أن تحيا، فلن تموت، لن تنفد ذخيرتها، وشعبها المقاوم من فوق السحب يناديكم أن اصعدوا؛ لم يقهره الموت ولا الحصار، وقهره سكوتكم وأنتم ترونه على شاشاتكم يُذبح في وضح النهار.

فمتى يصحو رجال الأمّة من غفلتهم؟! ومتى يثمر الغضب في العروق؟! ومتى تمتلئ بالثائرين الطريق؟! أم إن علينا كي نصحو، كي نفيق، أن نُصعق بالغزاة وقد أحاطوا بالبيت العتيق؟!

لا نزال نملك أن ننفض الغبار عن ضمائرنا، أن نعيد القدس أميرة لمدائننا. الرفض لا يسكن إلّا الحي من العروق، فلا تنظروا للموتى الذين يتحرّك الغزاة في عروقهم، ويهرعون أذلّة للتطبيع وإيذاء الأحرار والمجاهدين؛ هؤلاء لا ينظرون إلّا لمواقع أقدامهم، فأنّى لهم مشاهدة السماء، وهي تلقي الصبر زهرا من نور ونار، يحرق الظلّام ويزرع بالنور ضمائر الثوّار. الغد لناظره قريب، فأعدّوا له أبناءكم، واشحذوا له شوارع الرفض والذاكرة، وابرؤوا لأنفسكم من الأنظمة المارقة.   

ولنا في القدس لقاء..

المصدر : الجزيرة