نفيسة خويص.. مسنة مبعدة عن الأقصى لهذا السبب

المسنة نفيسة خويص ترفض أن تسجل مع الصامتين إزاء ما يحدث للمسجد الأقصى (الجزيرة)
المسنة نفيسة خويص ترفض أن تسجل مع الصامتين إزاء ما يحدث للمسجد الأقصى (الجزيرة)

أسيل جندي-القدس

"ابدئي التقرير بجملة: إنني أرفض الصمت وعدم الدفاع عن الأقصى خلال اقتحام المتطرفين له، هذا بيت الله، وهو ملكنا وليس لإسرائيل أي حق به" حرصت المسنة المقدسية نفيسة خويص (66 عاما) على تكرار هذا الطلب منا لإيمانها بضرورة التحرر من الصمت تجاه ما يحدث في المسجد الأقصى رغم ما نالته قبل أيام من الإبعاد عنه لمدة 15 يوما بعد التحقيق معها.

وأثناء ترتيب موعد للقائها في منزلها ببلدة الطور أصرت على إعداد وجبة إفطار مقدسية لنا، ولم تنس التوشح بالكوفية الفلسطينية والتطريز التراثي الذي استقبلتنا به أمام منزلها.

أثناء إعدادها للإفطار تحدثت نفيسة عن التجربة الأولى التي تمر بها في التحقيق والتجارب الأخرى في الاعتداءات والملاحقة من قوات الاحتلال الإسرائيلي.

ففي يوم الأحد الثاني والعشرين من يوليو/تموز المنصرم وبينما كان المتطرفون يحيون ذكرى خراب الهيكل المزعوم بتكثيف اقتحاماتهم للمسجد الأقصى، لم تتمالك خويص نفسها رغم علمها بخطورة ما تقوم به، فوقفت على إحدى المصاطب المقابلة لباب السلسلة بعدما تجولت في باحات المسجد التي عجت بالمتطرفين، وبدأت بالهتاف والصراخ عندما انبطح أحدهم على الأرض لأداء طقوس تلمودية.

تحقيق فإبعاد
"الأقصى يناديكم.. شدوا الرحال.. أين الدم العربي؟ أين الشعب العربي؟ الله أكبر" كانت هذه العبارات والتساؤلات العفوية الغاضبة كفيلة بملاحقة المسنة التي خرجت في ذلك اليوم من الأبواب، وعادت بعد يومين ليتم إيقافها عند باب السلسلة بعد تطويق القوات الخاصة لها ومصادرة بطاقتها الشخصية واستدعائها للتحقيق.

قررت نفيسة التوجه للتحقيق بعد خمسة أيام من استدعائها ورفضت مرافقة أحد لها، لإيمانها أنها صاحبة الحق وقالت "كلمة الحق سلاحي، وهي بالتأكيد أقوى من دبابات وطائرات وحكومة إسرائيل".

دخلت المسنة الغرفة وحاول المحقق في مستهل التحقيق -الذي استمر لثماني ساعات- تخويفها، فردت عليه "تكلم بصوت منخفض أنا أكبر منك ومن أمك وجدتك"، وهكذا بدأت جولة من الأسئلة تمحورت حول أسباب توجهها للأقصى وماذا ترتدي عند زيارته ومن أي الأبواب تدخل، وتركزت إجاباتها على ترديد عبارة "هذا بيت الله وبيتي ومن حقي زيارته متى شئت"، وقالت للمحقق مرارا إن أسئلته لا أجوبة لها.

غادرت مركز الشرطة في باب الخليل بعد قرار بإبعادها لأول مرة عن المسجد الأقصى لمدة 15 يوما، وتوقيعها على ورقة تقضي بدفعها مبلغ 5000 شيكل في حال خرقت قرار الإبعاد.

تجلس في منزلها عاجزة عن إيجاد حل لوقت فراغها الذي ملأته في رحاب المسجد الأقصى منذ عام 2004 وتفرغها للعبادة بعدما كبر أبناؤها، كما اعتادت نفيسة على التواجد في الاحتجاجات والاعتصامات التي تنظم داخل المدينة وخارجها، ومنذ بدء الاعتصام في الخان الأحمر واظبت على التوجه لمساندة البدو هناك على مدار 34 يوما متتالية.

لم تغادر أبواب المسجد الأقصى في هبة البوابات الإلكترونية، وكذلك في الاحتجاج على إعلان أميركا القدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارتها إليها، وعن تلك الفترة تحدثت "توجهت للاعتصام أمام السفارة يوم نقلها، وكلما حاولوا اعتقال شاب أركض نحوه وأسحبه منهم وأقول: هذا ابني، فانتبهت لي إحدى المجندات وصرخت بي قائلة: هل كل هؤلاء الشبان أبناؤك؟ أجبتها: نعم، لكنك لن تفهمي معنى ذلك".

نضال وملاحقة
وفي باب العامود اعترضت أيضا قوة من الجيش بينما كانت تعتقل شابا وتقتاده وقالت لهم إنه ابنها، وعند سؤالها عن اسمه أجابت إجابة خاطئة، ثم لم تمل من انتظاره حتى أفرج عنه من غرفة لشرطة الاحتلال في باب العامود، قبلته وأوصته على نفسه ثم ودعته وغادرت.

هذه المواقف لهذه المسنة عرضتها للملاحقة والاعتداءات المستمرة، ففي إحدى المرات كسرت القوات الخاصة أسنانها بعد ضربها على وجهها، وفي حادثة أخرى كُسرت يدها في احتجاجات باب العامود، بالإضافة للعديد من الرضوض أثناء صدها لاعتداءات الاحتلال على القدس والمقدسيين.

وعند نهاية اللقاء طلبنا من المسنة المبعدة التقاط صور لها، لكنها رفضت التقاطها ببيتها وطلبت منا التوجه معها لمطلة جبل الزيتون لتجاور قبة الصخرة المشرفة ولو عن بعد، وسارت إلى هناك مشيا على الأقدام وبمجرد رؤيتها الصخرة ذرفت الدموع تلقائيا، ونظرت إليها مطولا ثم طلبت أن نُرتب لها غطاء رأسها لتكون في قمة الأناقة عندما تُلتقط لها صورة مع أكثر الأماكن أناقة في العالم، حسب تعبيرها.

ودعتنا هناك وكلماتها التي حملت كل معاني التصميم توصينا بالتوجه يوم الجمعة القادم لباب الأسباط لأنها ستصلي هناك خارج مهوى قلبها ولن ترضخ لمحتل أبعدها عنه قسرا.

المصدر : الجزيرة