وهكذا ينتصر علينا عدونا.. وبكفِّنا

أن تحمل القدسَ في قلبك، فهذا يعني أنك تحمل العواصم المسبِيَّة المعذبةَ، وأن تحكي حكاية فلسطين، فهذا يعني أنك تحكي احتضار الغُوطة وبغداد واليمن، ففي كل حكاية عربية تحضر فلسطين، وعندما تحضر فلسطين تحضر كلُّ حكايات الوجع العربي؛ فالشريان واحد والدم واحد والجلاد يحمل الملامح نفسها.

إنها القدس.. أولاً وآخرًا؛ منها اشتعل الحريق وامتدّ لأوطاننا المكبَّلة بالاستبداد والديكتاتوريات والعتمة التي سكنت الأحداق، أوطاننا التي لم يأكلها أعداؤها فحسب، بل أكلت نفسها وابتلعت أحلامها لتغَصَّ بها وتختنق، وأنكرت الدم الذي يسير في عروق الأرض وعروقها.

هي فلسطين؛ منها ينشق النور ليغمر شوارع العروبة، فإن أعتمتْ وأُطفئت قناديلُها تجذَّر الغزاة في كل عواصمنا.

هذه هي المعادلة..

من هنا.. من القدس تبتدئ الحكاية ومنها المبتدى وإليها المنتهى، فثوب العز يُغزل في القدس.

هنا فلسطين.. منها اكتشفنا الطعم المُر للهزيمة، واعتقدنا لسذاجتنا أنها الهزيمة الأولى والأخيرة، لنكتشف أن الهزائم تتوالد، والعواصم تتساقط، وما ذلك إلا لصمتنا على هزيمتنا الأولى.

النكبة ما عادت فلسطينيةً؛ ذات الأفواه الفاغرة والعيون المنطفئة، ذات الوحشية في الذبح والبقْر، وكأنها يد واحدة.

النكبة ما عادت ماضياً نتحدث عنه بأسى؛ إنها فوقنا وتحتنا وعن أيماننا وشمائلنا.

المشاهد والصور تعيد نفسها؛ مشهد التهجير والترحيل القسريِّ يُعاد مرة تلو الأخرى.. الصور تمتد كخيط من دم.. من يافا وعكا ودير ياسين إلى الغُوطة وداريا ودرعا.

الانكسار يتكاثر في الأرواح، والأنقاض تعلو فوق بعضها والصبر مفجوع، ومشاهد التهجير القسري تتسيَّد المشهد الإعلامي.

لماذا يا ترى؟

أهو من أجل إدانة الغزاة والمستبدين ومحاكمتهم؟

أم من أجل مزيد من الاستسلام والانحناء للطغاة والجبابرة والعملاء؟

وكيف لا يكون هذا هو الهدف من الصور المتلاحقة.. فمحاكمة هؤلاء تأتي من أصحاب الضمائر الحية، ومن يحمل القيم الأخلاقية والإنسانية ويحتكمون إليها، وأنّى لهذا الصلف الدولي المحكوم صهيونياً أن يحمل ضميراً يقظًا!

القضية الفلسطينية وُضعت الآن في مصفاة، والمحرك للمصفاة هي الأنظمة العربية، التي تعمل على تصفية القضية لآخر قطرة مقاومة.

عارٌ يكلل الإنسانية الصامتة؛ إذ يتم خنق غزةَ بين سندان الحصار ومِطرقة الحرب.. غزة التي وُضعت على المقصلة، عار علينا أن تموت بين أيدينا وهي ليست بحاجة سوى ليد تربت على كتفها، وتزيل الحبل عن جيدها الدامي.

ألم يأْنِ للبنادق أن تتحد صوب المحتل؟

ألم يأْنِ للسلطة الفلسطينية أن تنزع خِنجرها من صدر المقاومة وتوجهه لصدر عدونا؟!

ألم يأن للفصائل أن تلم شعْثَها وتجمع خيوطها تحت راية تحريرية واحدة؟

فعلام نصمت ونتنفس الخوف إن كان وعد الله "كن من جند الله يمدك الله بجنده"؟! المحتل يريدنا أن نخلع عباءة اليقين.. يقنعنا بأن تمسكنا بخيار المقاومة هو الذي جلب لنا الحرب والحصار والانقسام، وإذا أردنا السلامة والنجاة فليس لنا إلا وأد المقاومة.

وهكذا ينتصر علينا عدونا وبكفنا.. في حين ينعم هو باحتلال لا يكلفه شيئًا!

صفقة القرن ماضية؛ بتنا نرى تطبيقاتها جهاراً نهاراً، والممحاة التي محت فلسطين عن الخريطة ها هي تستعد لمحو شعب بأكمله، وتحوله لتجمعات سكانية متناثرة هنا وهناك. إسرائيل تتعامل بكل وقاحة وبالتعاون مع أراذل القوم، مما يعني موجة تهجير جديدة قادمة، ومستعمرات ستلتهم ما تبقى من أراضي الضفة الغربية.

التهويد للقدس ماضٍ على أشدِّه؛ شطبا لحق العودة وإحراقا لملف اللاجئين وتقليصا لخدمات الأونروا تمهيداً لإغلاقها تماماً. إنه الضياع العربي القادم، إذا لم يفتح كل منا عينيه جيداً، ويدرك أننا لن نحتاج سوى ثورةٍ تحمل آيات الله عنوانا.

الحماقة الصهيونية التي بدأت في غزل خيوط صفقة القرن بخطى حثيثة مع تواطؤ عربي معلن هذه المرة؛ لا تعرف أنها تحترق، ولكنها تظن أنها تتوهج، ولا تعرف أنها تحمل جفافها واندثارها، في حين تظن أنه ملامح حياتها.

إسرائيل ماضية نحو حتفها، والمقاومة هي السد المنيع في وجه السفهاء والسماسرة.

لن نحتاج سوى خطوةٍ واحدة؛ فالمفاتيح في أعناقنا تجلجل، والدُّور المهدَّمة تنتظر العائدين.

معركتنا مستمرة وإن عزّ السلاح وزرعوا شوارعنا بالانقسامات، ومن يملك الإيمان ويتمسك بحبل الله تفتح القدس ذراعيها له.

المصدر : الجزيرة