القدس والأقصى.. خطوة في الاتجاه الصحيح

غلاف كتاب "القدس والأقصى.. خطوة في الاتجاه الصحيح" (الجزيرة)
غلاف كتاب "القدس والأقصى.. خطوة في الاتجاه الصحيح" (الجزيرة)

 

عرض/محمود الفطافطة


تتعرض مدينة القدس والمقدسات الإسلامية، وفي مقدمتها المسجد الأقصى، لهجمةٍ احتلالية غير مسبوقةٍ من مشاريع تهويدية، ومقابر منتهكة، ومنع رفع الأذان، وتسريب للعقارات، ووضع اقتصادي صعب، ومنازل متصدعة آيلة للسقوط، ومنهاج تعليمي مُهدد. هذه الإجراءات وغيرها تأتي ضمن مخطط مرسوم هدفه تدمير التراث الفلسطيني، وإزالة معالمه، وطمس وجوده في الأراضي الفلسطينية، ولا سيما في مدينة القدس.

ولتسليط الضوء على السياسات والقرارات التي ينتهجها الاحتلال الإسرائيلي بحق المدينة المقدسة بعمرانها وسكانها وتراثها، جاء هذا الكتاب ليوضح معالم ومعطيات هامة تتعلق بتاريخ وواقع ومستقبل مدينة القدس، والآليات المناسبة للحيلولة دون إغراقها وأهلها ومقدساتها بمزيدٍ من البؤس والتهميش والإلغاء.

المؤلف: مجموعة باحثين
الناشر: الهيئة الإسلامية العليا، رام الله
الطبعة: الأولى، 2018
عدد الصفحات: 226

يتكون هذا المؤلف من عشر أوراق بحثية تم تقديمها في المؤتمر الذي نظمته الهيئة الإسلامية العليا مؤخراً، وتناقش قضايا متعددة متعلقة بالقدس والأقصى من حيث: الاعتداءات المتزايدة على الأقصى بهدف تهويده، والحفريات التي تستهدف هدمه في نهاية المطاف، والإعاقات التي تضعها قوات الاحتلال في وجه المصلين.

كما تم استعراض الروايات الصهيونية المتضاربة التي تسعى إلى إقناع العالم بتسمية " الهيكل" بدلاً من الأقصى، وما يصاحب ذلك من عمليات تزوير للمراكز والأماكن التراثية في مدينة القدس.

كذلك، فقد ركزت أوراق أخرى على الأبعاد الأخرى للمؤامرة الصهيونية، والمتعلقة بالاستيلاء على العقارات، وفي غالبيتها ملاصقة للأقصى، علاوة على تسلط الضوء على الواقعين التعليمي والاقتصادي في القدس، وما يُشير إليه من سعي الاحتلال -الجاد وبكل السبل- إلى جعل القدس بعروبتها وإسلاميتها جزءاً لا يتجزأ من الدولة العبرية.

استيلاء وتهويد
وفي هذا العرض سنركز على بعض الأوراق البحثية نظراً لأهميتها كموضوع، وجودتها كمادة، لنبدأ من دراسة بعنوان "سياسة الاستيلاء على العقارات وتهويد المشهد العمراني لمدينة القدس" أعدها وقدمها د. جمال عمرو أستاذ الهندسة المعمارية وتخطيط المدن في جامعة بيرزيت.

الاحتلال قام بعملٍ غير مسبوق في تاريخ الحضارات الإنسانية، إذ أنشأ أطول جدار عرفته البشرية على طول البلاد وعرضها، وكان أثره على القدس هو الأسوأ على الإطلاق
يقول عمرو في دراسته إنه لإحكام السيطرة على فضاء القدس بالكامل، والحد من التواصل العمراني للمدينة بمحيطها العربي الفلسطيني، فإن الاحتلال قام بعملٍ غير مسبوق في تاريخ الحضارات الإنسانية، إذ أنشأ أطول جدار عرفته البشرية على طول البلاد وعرضها، وكان أثره على القدس هو الأسوأ على الإطلاق، إذ فرض على المدينة حدودا قهرية (بطول 72 كلم) تحول دون إمكانية تطويرها لتعود عاصمة حضارية للفلسطينيين.

ويبين الباحث أن هذا المشروع التهويدي يضمن إنشاء مدينة أثرية مطابقة للوصف التوراتي لــ "أورشليم المقدسة" أسفل المسجد الأقصى، وفي ضاحية سلوان، وأجزاء من الحي الإسلامي (حي المغاربة) في البلدة القديمة، وربط هذه المدينة بمجموعة من الحدائق والمنتزهات والمتاحف والمواقع الأثرية المقامة فوق الأرض في محيط البلدة القديمة، علاوة على إحلال السكان اليهود مكان سكان الفلسطينيين بدءاً من المدينة القديمة، ووصولاً إلى أحياء وادي الجوز والشيخ جراح والطور وسلوان ورأس العامود.

ومما تحقق من هذا المشروع -وفق الباحث- إنهاء عدد كبير من المزارات الأثرية تحت الأقصى وسلوان، وفتحها أمام الزوار اليهود والسائحين، وإنهاء القسم الأكبر مما يسمى "مدينة داود" الأثرية الموجودة في وادي الحلوة بسلوان، وإقامة بؤر استيطانية في الأحياء المحيطة بالأقصى، خصوصاً في الحي الإسلامي في البلدة القديمة، وفي ضاحية سلوان، والشيح جراح، فضلاً عن عزل الأحياء المقدسية المحيطة بالبلدة القديمة والأقصى عن بقية القدس من خلال جدار الفصل العنصري.

نهب بدعوى المنفعة العامة
وفي بحثه، أيضاً، يتطرق عمرو إلى قضية الاستيلاء على عقارات القدس، إذ يبين أن الاحتلال استخدم كل الوسائل للسيطرة على عقارات القدس، ومنها المصادرة المباشرة، لما يسمى "المنفعة العامة"، وإعلان 34% من مساحة الشطر الشرقي من المدينة مساحات خضراء عامة، ومحميات طبيعية، وحدائق تلمودية. كما استخدم هذا الاحتلال، بشكلٍ جائر، قانون حارس أملاك الغائبين، حتى ولو كان المالكون للعقارات يسكنون في محيط القدس، وعلى بعد أمتار قليلة من ممتلكاتهم. كما أن أذرع الاحتلال من الجمعيات اليهودية استخدمت نفوذها وإمكاناتها المالية الهائلة في إغراء وإسقاط أفراد من عديمي الدين والضمير لغرض السمسرة وشراء العقارات ثم تسريبها.

مناهج ومواجهة
وفي ورقة بحثية أخرى، يتطرق المشرف التربوي في وزارة التربية والتعليم بمحافظة القدس شبلي العزة إلى قضية "القدس في المناهج المدرسية الفلسطينية.. دراسة تحليلية". ويذكر أنه لم تحتل مدينة فلسطينية الأهمية التي احتلتها القدس في الكتب المدرسية كمدينة عربية إسلامية، مما دل على مركزيتها في وجدان الفلسطينيين كمدينة تُشكل عاصمتهم، بالإضافة إلى أهميتها من الجوانب الأخرى.

استخدم هذا الاحتلال، بشكلٍ جائر، قانون حارس أملاك الغائبين، حتى ولو كان المالكون للعقارات يسكنون في محيط القدس، وعلى بعد أمتار قليلة من ممتلكاتهم

هذه الدراسة هدفت إلى التعريف بمكانة مدينة القدس في الكتب المدرسية الفلسطينية، والتي تدرس في جميع الصفوف المدرسية من الصف الأول الأساسي إلى الثاني عشر. وقد تضمنت الدراسة تحليلاً كمياً وكيفياً لـ (75) كتاباً مدرسياً مستخدماً في المدارس التابعة للسلطة الفلسطينية في القدس.

وخرجت الورقة البحثية بنتائج عديدة، منها: أن المادة المتعلقة بالقدس في الكتب المدرسية شغلت حوالي (270) صفحة، أي ما نسبته (4%) من مجموع صفحات الكتب المدرسية، والبالغ عددها (6750) صفحة. كما تضمنت الكتب المدرسية الفلسطينية 64 خارطة يوجد عليها القدس، و108 صور للقدس وأماكنها المقدسة، في حين بلغ عدد الأسئلة المتعلقة بالقدس في الكتب المدرسية (338) سؤالاً، فضلاً عن أن عدد مرات تكرار كلمة القدس في الكتب المدرسية بلغ حوالي (1000) مرة.

ويشير الباحث إلى أن كتب التربية الوطنية قد احتوت على ما نسبته 11.2% من عدد صفحاتها عن مدينة القدس، تليها كتب التاريخ (8.5%) تليها كتب الجغرافيا (2.6%) في حين جاءت كتب التربية الإسلامية أخيراً بنسبة 1.6%.

وخرجت الدراسة بجملة توصيات، أهمها: ضرورة العمل من قبل واضعي الكتب والمناهج المدرسية على إضافة دروس جديدة عن القدس في كتب التربية الإسلامية، تعزيز ثقافة التواصل بأهل القدس من خلال الأنشطة الاجتماعية والثقافية، وعقد الندوات المشتركة بين المدارس المقدسية وبقية مدارس الوطن، علاوة على حث الباحثين على عمل دراسات حول القدس من المنظور التربوي العام.

صراع الروايات
وفي دراسة بعنوان "صراع الروايات حول القدس بين الخرافة والواقع" للباحث والأكاديمي المقدسي أمجد شهاب، جاء فيها أن الرواية الصهيونية الرسمية -التي سادت في المؤسسات السياسية والإعلامية والأكاديمية في إسرائيل والغرب بالعقود الأربعة الأولى لقيام إسرائيل- ارتكزت على عددٍ من المقولات التي اُعتبرت حقائق راسخة.

هذه المقولات -وفق الباحث- تتمثل في أربع، هي: ترويج قيام دولة إسرائيل على أنها تتويج لحركة انبعاث لشعبٍ أقام "دولته المستقلة" على أرض يملك معها صلات وطيدة، وأن الحركة الصهيونية قبلت قرار التقسيم، في حين أن العرب والفلسطينيين رفضوه، ومن ثم شنت الدول العربية المجاورة الحرب على الدولة الإسرائيلية فور إعلان قيامها بهدف تدميرها وإلقاء اليهود في البحر!! والمقولة الثانية هي أن الدولة الوليدة كانت مهددة بخطر الإبادة نظراً لتفوق الجيوش العربية عديداً وعدة على الجيش الإسرائيلي، إلا أن إسرائيل تمكنت من تفادي الخطر وإلحاق الهزيمة بالجيوش العربية.

أما المقولة الثالثة، فتكمن في أن الفلسطينيين تركوا بيوتهم وقراهم، إما بإرادتهم أو استجابة لأوامر الزعماء العرب والفلسطينيين، وهكذا ولدت مشكلة اللاجئين. والمقولة الرابعة هي أن إسرائيل، بعد انتهاء الحرب، مدت يدها للسلام مع العرب، ولكن هؤلاء لم يظهروا اهتماماً بذلك، واختاروا الحرب الدائمة.

في مقابل هذه المقولات المختلقة، يوضح الباحث أنه بعد الرفع الجزئي عن سرية الأرشيفات العسكرية الإسرائيلية فقد تمخض عن ذلك مفاجأة لم تكن في حسبان المؤسسة الصهيونية الحاكمة والمؤرخين المتواطئين فيها. وكانت هذه المفاجأة ما سمي في إسرائيل "المؤرخون الجدد" الذين تأكد لهم نتيجة التنقيب والتحليل والتدقيق في الوثائق، ومقارنة ما ورد فيها بما ورد في الرواية الصهيونية الرسمية أن جوهر هذه الرواية هو عبارة عن أكذوبة، وأن مرتكزاتها الأساسية لا تعدو كونها أساطير أو تلفيقات حسب تعبير أحد أهم هؤلاء المؤرخين الجدد وهو "آلان بابيه".

من فمك أدينك
وتوضح الدراسة أن العالم اليهودي "إبراهام دوني" ألف كتاباً بعنوان "البدايات والنهايات لدولة إسرائيل" أكد فيه: أن المصادر الأثرية التي اعتمد عليها من مخطوطات البحر الأحمر ومخطوطات البحر الميت -والتي تُعرف بـ "مخطوطات الجينزا اليهودية" وآثار أخرى- تم التوصل من خلالها إلى استنتاج وحيد وهو: أن بني إسرائيل عقب خروجهم من مصر، بقيادة نبي الله موسى عليه السلام، لم يتوجهوا إلى فلسطين، بل اتجهوا إلى المكوث في الصحراء أكثر من أربعين عاماً. كما أن "دوني" توصل إلى نتيجة أخرى، هي أن فلسطين ليست أرض الميعاد، وقد أيده في ذلك أكثر من مئة وسبعين عالماً يهودياً.

بنو إسرائيل عقب خروجهم من مصر، بقيادة نبي الله موسى عليه السلام، لم يتوجهوا إلى فلسطين، بل اتجهوا إلى المكوث في الصحراء أكثر من أربعين عاماً

وفي السياق ذاته، يتطرق الباحث في شؤون القدس إبراهيم أبو جابر إلى الحديث عن مراكز ومواقع تراثية بمدينة القدس في ظل سياسة التزوير الإسرائيلية. ويقول إن هناك ضعفا في حماية التراث الإسلامي والعربي في مدينة القدس على الصعيدين الرسمي والأهلي، بالرغم من وجود بعض المراكز التي تعنى بقضايا التراث لكنها تعاني من قلة الإمكانات، والمحاربة من قبل الاحتلال، وندرة الكفاءات والخبراء في هذا المجال، ناهيك عن هشاشة الجدية والإدراك لخطورة ما يتعرض له تراث المدينة المقدسة.

ويذكر الباحث أن التراث المقدسي يتعرض لتحديات عدة منها: ظاهرة بيع المخطوطات والقطع الأثرية والتراثية والمتاجرة فيها، والتي تتم عبر تجار لديهم أهداف وأطماع أخرى، وغياب برنامج فلسطيني رسمي لمجابهة المخططات الصهيونية، مع الضعف من قبل الجمعيات الأهلية، عدا عدم توفر توثيق لكل الانتهاكات التي يتعرض لها تراث القدس ومخطوطاتها، مما يثير مخاوف من فقدان الكثير منها.

ويسجل أبو جابر جملة من التوصيات في مجال دراسته، أهمها: التنسيق الجاد والفعلي بين المراكز والجهات التي تعنى بتراث القدس في الداخل والخارج، وتشكيل مرجعية عليا للتنسيق، ومحاربة ظاهرة الاتجار بالمخطوطات والمواد التراثيةـ والعمل على الحد منها، وإدراج موضوع التراث في المناهج المدرسية والجامعية الفلسطينية، علاوة على إثارة مسألة سرقة الآثار والتراث في المحافل الدولية والمنظمات التي تعنى بالمخطوطات وتاريخ الحضارات.

وقد خلص الكتاب ببيان ختامي ركز على ضرورة تشكيل حالة من الحراك الشعبي لمطالبة الجهات المعنية للضغط على الاحتلال من أجل رفع القيود على المقدسيين والمصلين، والعمل على إحياء السياحة الدينية والتاريخية والأثرية في القدس، وتفعيل حالة التواصل بين طلبة فلسطين وعاصمتهم القدس بشتى السبل، فضلاً عن زيادة الوعي تجاه المدينة المقدسة والمقدسات من خلال طباعة دليل للبلدة القديمة والمسجد الأقصى.

المصدر : الجزيرة