حسن القيق.. صفحات مقدسية مضيئة

عرض/محمود الفطافطة

شهدت مدينة القدس، على مر تاريخها الطويل والعريق، ظهور شخصيات فلسطينية سجلت بصمتها في العمل المجتمعي والسياسي والوطني بجدارة واقتدار؛ لتظل خالدة في ذاكرة الشعب الفلسطيني، ومن هذه الشخصيات التي تركت أثرا بارزا وفاعلا في ميدان العمل المقدسي الأستاذ حسن القيق، الذي نجح في التوازن بين مفاعيل العمل الإداري والمهني والسياسي والوطني، ليغدو عنوانا وقدوة للأجيال في خدمة القدس والمسجد الأقصى، وفي مسيرة التعليم المهني في فلسطين عامة.

يأتي الكتاب -الذي ألفه وزير القدس السابق خالد أبو عرفه- عن الراحل القيق ليبرز الكثير من مآثر ومواقف وإنجازات هذه الشخصية التي أُطلق عليها "حكيم فلسطين"، فضلا عن تأكيده مكانة وتأثير هذا الرجل في الحياة المقدسية بكافة مناحيها، دون أن يتسابق على المناصب والشهرة والوجاهة.

المؤلف: خالد أبو عرفه
الناشر: مكتبة دار الفكر - رام الله
الطبعة: الأولى، 2018
عدد الصفحات: 312

يتكون الكتاب من عشرة أبواب؛ جاء الباب الأول تحت عنوان "حسن القيق.. لمحة إجمالية (1940-2006)، يذكر الباحث أن القيق ولد في قرية "البرج" القريبة من مدينة دورا جنوب محافظة الخليل، وتلقى تعليمه الأساسي في مدرستها، ثم انتقل إلى بلدة دورا ليحصل على الامتياز في الإعدادية، ثم توجه إلى مدرسة عمان الصناعية ليتفوق في امتحان الثانوية العامة (المترك)، ومن ثم توجه إلى بغداد لدراسة الهندسة الميكانيكية، ثم عاد إلى القدس ليعمل أستاذا في المدرسة الصناعية الثانوية التي أصبح مديرا لها.

مشاركات
في هذا الباب يُورد المؤلف مقتطفات سريعة عن حياة القيق، إذ إنه واصل عمله مديرا للمدرسة في أدق مراحل القضية الفلسطينية حساسية، وواجه محاولات الاحتلال لتفريغ المدرسة من طلابها الأيتام مباشرة بعد احتلال شرقي القدس عام 1967، والشروع في تحويلها إلى معسكر لقواته، حيث نجح في الصمود، وإجهاض تلك المخطط.

كما شارك القيق في تأسيس العديد من المؤسسات الوطنية في عقد السبعينيات، إذ كان عضوا في العديد من الهيئات الإدارية، كالهيئة الإدارية للجنة مدارس القدس الخاصة، ونادي الخريجين العرب، وأمينا لسر مجلس أمناء المؤسسة العالمية لمساعدة الطلبة العرب، ورئيسا للمكتب الإداري لجماعة الإخوان المسلمين في القدس.

أما في عقد الثمانينيات من القرن الماضي فقد شغل منصب عضو مجالس أمناء العديد من الجامعات، ولجنة اليتيم العربي، وجمعية العلوم والثقافة الإسلامية، وأمين سر مجلس مدارس القدس وكلية الأمة وغيرها.

لم يثن انشغال القيق في ميدان المؤسسات الأكاديمية والاجتماعية عن انخراطه في حركة حماس

متلازمة الوطن والمجتمع
في هذه المرحلة لم يثن انشغال القيق في ميدان المؤسسات الأكاديمية والاجتماعية عن انخراطه في حركة حماس، مما أدى إلى تعرضه للاعتقال للمرة الأولى على أيدي الاحتلال عام 1989؛ ليصدر بحقه حكم بالسجن لمدة عام.

أما في عقد التسعينيات، فقد انضم القيق إلى عدد كبير من مجالس أمناء الجامعات والمؤسسات الخيرية والتعليمية، جنبا إلى جنب مع عمله الرسمي مديرا للمدرسة الصناعية الثانوية.

ومع بدايات القرن 21 أسهم القيق في إنشاء "مؤسسة تطوير المجتمع"؛ لتكون بمثابة هيئة جامعة للعديد من الأهداف التعليمية والتربوية والتنموية في القدس، فأصبح رئيسا لها، إلا أن الاحتلال سارع إلى إغلاق المؤسسة، وحظر أنشطتها كافة، في وقت لم يتجاوز عمرها عاما واحدا.

ويشير المؤلف، في هذا الباب، إلى جهد القيق في الإشراف على مشاركة حركة حماس في انتخابات المجالس المحلية منتصف العام 2005، ثم مشاركة الحركة في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006. وقد زهد القيق -وفق الباحث- في ما عرض عليه من رئاسة قائمة "التغيير والإصلاح" التي شكلتها الحركة، كما زهد في ترؤس الحكومة التي كُلفت الحركة بتشكيلها.

يورد الكتاب شيئا من خصال المرحوم القيق بقضايا المسلمين

شخصية آسرة
الباب الثاني من الكتاب يخصصه الباحث أبو عرفة للحديث عن أخلاق القيق وطباعه، إذ يسرد فيه أبرز سماته الشخصية؛ متمثلة في أنه: مُهذب ذو شخصية آسرة، وصاحب ذوق رفيع، ونزيه وعفيف، ورحيم وحليم على إخوانه وزملائه وطلابه، وبار بأهله وجيرانه، وزاهد ومتواضع، ومنصف وعادل وعزيز النفس، وصبور، فضلا عما تميز به من حكمة ورجاحة عقل.

يورد الكتاب شيئا من خصال المرحوم القيق بقضايا المسلمين، فإضافة إلى انتمائه الشعوري العميق للأحداث في فلسطين، كان يتابع الأحداث في العالمين العربي والإسلامي بتأثر وقلق كبيرين، فمثلا عندما كان يتابع مذابح الصرب بحق مسلمي البوسنة قال "سيحاسب العرب لتركهم هؤلاء يُقتلون".

كما يروى أن القيق شوهد في حالات ثلاث يبكي، وكانت جميعها أثناء اختلاطه بالأسرى الفلسطينيين، وشعوره بالرحمة والشفقة بهم، وبما يعانونه بعيدا عن أهاليهم.

وبخصوص حكمته في الشأن السياسي، فقد دلت آراؤه في هذا الشأن على فهمه العميق لطبيعة الصراع مع الاحتلال؛ إذ إنه كان من المؤيدين، أواسط الثمانينيات، للشروع في مقاومة الاحتلال، إلا أنه وبرغم تأييده الكبير للمقاومة، فإنه كان من الرافضين لطلب القيادة الموحدة للانتفاضة الأولى القاضي بانضواء حركة حماس تحت مظلتها، إذ إنه أيد بدلا من ذلك فكرة التنسيق والتعاون مع الفصائل المقاومة.

ونظرا إلى التاريخ الطويل من حكمته ورجاحة رأيه فلا غرابة أن يصطلح الناس على وصفه بالحكيم، بل إن حركة حماس أطلقت عليه لقب "حكيم فلسطين"، وفق المؤلف.

وفي ما يتعلق بثقافة القيق، يروي المؤلف عنه أنه كان نادرا ما تراه يجلس من غير كتاب، حتى في مرضه. كما كان قلمه سيالا، يأخذ ملاحظات في كراسته مما يقرأ، ويرتبها ويُعلق عليها. وكان يصرف من وقته الساعات الطوال بالليل والنهار بين أوراق الكتب والمجلات والموسوعات. وكان الكثير منها حول تاريخ العرب والمسلمين، وحول أحداث عربية معاصرة، وكذلك سير وشخصيات قيادية كان لها أثرٌ فاعل في مجتمعاتها.

حرص القيق أشد الحرص على تنمية مدرسة الأيتام ورفدها بأفضل الأقسام واللوازم

مواجهة الاحتلال
الباب الثالث من الكتاب يناقش إدارة القيق للمدرسة الصناعية الثانوية المعروفة بـ"دار اليتيم العربي" ودوره بين موظفيه وطلابه.

في البداية يتطرق الباب إلى مواجهة القيق للقرار الإسرائيلي الذي طالب بإخلاء المدرسة من طلابها خلال 36 ساعة، عقب احتلال القدس الشرقية في عام 1967، إذ قام القيق باستدعاء نخبة من الموظفين والمعلمين، وطلب منهم إحضار الطلبة الأيتام، من القرى المجاورة وعدد من مدن الضفة، ليسكنوا في المسكن الداخلي للمدرسة، علاوة على الطلب من القنصل الألماني وقناصل آخرين زيارة المدرسة، وبالفعل نجح القيق في حماية المدرسة في هذا الوقت.

كذلك، فقد حرص القيق أشد الحرص على تنمية المدرسة ورفدها بأفضل الأقسام واللوازم، ورفض نقل رعاية المدرسة لبلدية الاحتلال ووزارة المعارف الإسرائيلية، مثلما رفض أن تتولى وزارة التربية والتعليم الفلسطينية شؤون المدرسة، إذ كان يتخوف من انحراف بوصلة المدرسة عن وجهتها المحافظة الملتزمة.

إلى ذلك، كان القيق يولي أهمية كبرى للتدريب المهني إيمانا منه بدور التعليم المهني ومدى احتياجات المجتمع إلى خريجي معاهد تدريب مهنية قوية، مجهزة بالعدد والآلات والمدربين الأكفاء.

لذلك، فقد أصبح حديثه في المؤتمرات، وكذلك في أبحاثه ودراساته، متركزا في التعليم والتدريب المهنيين، وكان من البدهي أن يكرر في حديثه مفاهيم وأفكار، مثل: التخطيط والتنفيذ والتدريب والمراقبة والمتابعة والكفاءة والإخلاص.

وفي ما يتعلق بتعامله مع موظفيه، فكان القيق يمزج حزمه بالرحمة، وجده باللين، فكان يستدعي الموظف الذي تقرر فصله لخطأ ارتكبه، ويقول له: قدم استقالتك كي لا تحُرم من الأتعاب، فيغادر الموظف عمله مع كامل حقوقه دون الإساءة إلى سمعته. أما رحمته بالطلبة، فيُذكر عنه أن القيق ترفق بطالب نصراني يتيم، حيث ألزم مسؤول مطبخ المدرسة بإعداد طعام خاص له في رمضان.

نادى القيق بضرورة تشكيل المرجعية العامة للمقدسيين، على اختلاف شرائحهم

أبحاث ودراسات
الباب الرابع يخصصه المؤلف للحديث عن عضوية القيق في مجالس المؤسسات المختلفة ومساهماته الأكاديمية البحثية. أما بشأن مساهمته الأكاديمية والبحثية، فقد ذكر الباحث أنه في كتابه السابق "حسن القيق.. وثائق وأوراق" جمع أعماله البحثية من دراسات وكلمات ومحاضرات، فكانت 42 وثيقة.

وكانت كافة هذه الأبحاث داخل فلسطين، سوى ستة أبحاث قدمها خارج الوطن. وتدور فحوى وأفكار هذه الأبحاث حول سبعة مواضيع رئيسة، هي: الاهتمامات التعليمية والمهنية، والدراسات المتعلقة بالمهندسين والشأن السياسي الوطني، والمذكرات المتعلقة بمجلس التعليم العالي والجامعات، ودراسات حول جامعة القدس، والدفاع عن القدس والمسجد الأقصى، والخطاب السياسي المقاوم، والاهتمام بالتربية النوعية لجيل الطلبة الثانويين والجامعيين.

أما في الباب الخامس، فأسهب المؤلف في حديثه عن دفاع القيق عن القدس والمسجد الأقصى. وتمحور ذلك في مساهمته في تشييد وحماية المؤسسات الوطنية والإسلامية المقدسية، والحفاظ على عروبة وإسلامية المؤسسات التعليمية، والدعوة إلى ضرورة إقامة جامعة متكاملة في القدس.

وإلى جانب ذلك، نادى القيق بضرورة تشكيل المرجعية العامة للمقدسيين، على اختلاف شرائحهم، محذرا من مخاطر عدم وجودها. وأسهم القيق في تصحيح العلاقة بين المسلمين والمسيحيين المقدسيين، إذ كانت له علاقة ودية ومتينة مع العديد من الشخصيات المسيحية، الدينية منها والأكاديمية والسياسية. كما يتطرق الفصل إلى المساهمة الفاعلة للقيق في طباعة مصحف المسجد الأقصى المبارك الذي تحقق في 2005.

موقف القيق من زيارة القدس والأقصى من العرب والمسلمين هو أنها تندرج ضمن التطبيع

خطاب مقاوم
في الباب السادس وعنوانه "أبو سليمان.. القائد السياسي" تم التطرق إلى الخطاب السياسي المقاوم الذي كان يتصدر أعماله، إلى جانب الحديث عن دوره في عمل جماعة الإخوان المسلمين، ومساهمته في تطور العمل الحركي النقابي، وانطلاق العمل الجهادي، وإطلاق القيق اسم حماس على حركة المقاومة الإسلامية، بعد أن كان مكونا من حروف" ح. م. س" في البيان الأول لانطلاقتها، ولكنه اقترح إضافة حرف "ا" لتصبح حماس، والتي تعني في القاموس الشدة والشجاعة والإقدام.

في هذا الباب، يذكر الكاتب أن القيق لم يكن يتردد في أن يجعل من مقدمة خطابه توجيها سياسيا أو تحريضا ضد الاحتلال. كما أنه على الرغم من أن مرحلة ما بعد أوسلو كانت أكثر الفترات إغضابا واستفزازا للقيق، وخطاباته وكلماته في هذه المرحلة اتسمت بالحزم والصراحة والوضوح، فإنه حافظ على وتيرة منضبطة وإيجابية مع مخالفيه.

الباب السابع يفرده الكاتب لمقاومة الاحتلال في مدينة القدس في عهد القيق، إذ يعالج الباب مقاومة المقدسيين في أعقاب احتلال عام 1967، ومقاومة الاحتلال بين عامي 1987 و2006، إلى جانب مقاومة المقدسيين لانتهاكات المسجد الأقصى، وفعاليات الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني، علاوة على موقف القيق من زيارة القدس والأقصى من العرب والمسلمين، إذ يصف ذلك بالتطبيع، وأن المفاسد المترتبة عليها أكثر من المصالح، وأنها لا تخدم إلا الاحتلال.

بعض معالم شخصية القيق تناولها المؤلف في الباب الثامن

المواقف والرحيل
بعض معالم شخصية القيق تناولها المؤلف في الباب الثامن ومن أهمها: اعتزازه بالإسلام فكرة ومنهاجا، وتعلقه الكبير بسيرة الرسول، واهتمامه بالتربية النوعية للطلبة والشباب، وحثه الطلبة والشباب على التسلح بالعلم والتحلي بمعاني الرجولة والمروءة.

كما يعالج الباب قضايا كموقف القيق من مناهج التعليم السائدة، وكفاءته الإدارية، وتحذيره من الفساد الإداري في الجامعات. ويعرج على آيات ومأثورات وأشعار كان القيق يرددها، ومنها: أنه كان يكثر من الدعاء "اللهم آمنا في أوطاننا"، كما كان يردد قول عمر بن الخطاب: إن التكلم بغير العربية لغير ضرورة من النفاق. وقول الرسول: من البر كتمان المصائب والأمراض والصدقة.

كما يورد الكاتب بعض أقوال القيق ومنها: أشد الأمور تأييدا للعقل: المشاورة والتجربة وحسن التثبت، وأشدها ضررا للعقل: الاستبداد بالرأي، والتهاون والعجلة. كما كان يكثر من قوله: إن علاقتنا مع المحتل هي علاقة تحد، ومن المفروض أن نبقى هكذا.

وفي الباب التاسع تحدث الكاتب عن وفاة القيق عام 2006، ونعيه في الإعلام والرأي العام، ووصيته الأخيرة التي عثر عليها في جيبه، وهي عبارة عن ورقة كتب فيها: القدر لا مفر منه، ومن يصبر فهو مؤمن، ومن لا يصبر فهو كافر".

في الباب الأخير "قالوا عن الأستاذ القيق" استعرض المؤلف أقوالا تمثلت صفاته، وفق من رثوه، مثل: أبو سليمان الفارس الكبير، حمل هم القدس وهم الوطن، الشخصية الفذة، الرجل الأمين على المؤسسات، حكيم محنك، وبعيد النظر، مخلص ومحب للقدس، يعمل بصمت بعيدا عن الأضواء.

المصدر : الجزيرة