الركود الاقتصادي في القدس

شكلت مدينة القدس الشرقية -وخاصة ما قبل عام 1967- مركزا محوريا في حياة المجتمع الفلسطيني على المستويات السياسية والإدارية والسياحية والثقافية، بالإضافة إلى بعدها الديني المتميز.

فبعد الاحتلال الإسرائيلي للمدينة عام 1967، بدأت إسرائيل تنفيذ سياستها ومخططاتها لعزل القدس عن بقية أجزاء الضفة الغربية على كافة المستويات، حيث شملت الأرض والسكان والاقتصاد والمؤسسات. كما قامت -ولا تزال تقوم- بضرب البنية الاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية والإدارية لهذه المدينة، باعتبارها المركز والمحور والقلب النابض للشعب الفلسطيني.

ساهم الحصار والإغلاق المتواصلان على القدس في إفلاس العديد من المنشآت

سياسات وإجراءات
ونتيجة للسياسات والإجراءات الإسرائيلية ضد المدينة وسكانها، بدأ دور المدينة ومكانتها الاقتصادية يتراجعان بشكل مستمر، فدخلت القطاعات الاقتصادية المختلفة -السياحية والصناعية والتجارية والخدماتية- في أزمات متواصلة، حيث ساهم الحصار والإغلاق المتواصلان للمدينة والمفروضان عليها منذ عشرات السنوات، بركود تجاري واقتصادي فيها وإفلاس العديد من المنشآت، وإغلاق مئات المحال التجارية، وهجرة الكثير من المؤسسات والمنشآت الاقتصادية والتجارية إلى خارج حدودها، وتحديدا إلى مدينتي رام الله وبيت لحم والضواحي.

المدينة المقدسة، في قسمها الشرقي، تعاني من عمليات حصار اقتصادي واجتماعي ومعيشي خانق ممنهج، تسهم فيه الهجمة الاستيطانيّة المتسارعة التي تزداد شراسة وتغولا يوما بعد يوم، مسنودة إلى ما يوفره جدار العزل العنصري من أسباب تُفاقم من حدّة الأزمات المفضية إلى اغتيال المدينة.

لا تقف هذه المعاناة أيضا عند مصادرة مساحات من الأراضي المقدسية من أصحابها الشرعيين وضمها إلى المساحات المهيأة لتوسيع العمليات الاستيطانية الشرهة، أو عند الإجراءات القمعية اليومية بأشكالها المختلفة والتي يتم ارتكابها أمام العالم تحت ذريعة المتطلبات الأمنية؛ ولكنها تمتد أيضا إلى الاستيلاء على العقارات الفلسطينية في القدس القديمة لتوسيع الرقعة الاستيطانية المتفشية في تلك المساحة التي لا تتجاوز الكيلومتر المربع الواحد، دون أن تتوقف في الوقت نفسه عن مصادرة هويات المقدسيين بهدف دفعهم للهجرة من مدينتهم إلى مناطق أخرى، ضمن الحرب الديموغرافية والاقتصادية ومعركة الوجود المستعرة في المدينة بين سلطة الاحتلال وأصحاب المدينة الشرعيين.

ويتعدى الأمر ذلك إلى ممارسة آليات مختلفة من القمع والتضييق والحصار الاقتصادي لمواطني القدس من الفلسطينيين المتشبثين بالبقاء في مدينتهم المقدسة، مصرين على خوض معركة التشبث الوطني بالمدينة.

وتطال عمليات التخريب الاقتصادي لعاصمة الدولة الفلسطينية المستقبلية كافة مقومات الاقتصاد الوطني الفلسطيني في المدينة، وجميع مفرداته، من زراعية وتجارية وصناعات حرفية وسياحة.. إلخ، مع الحرص على شلّ إمكانية تناميها ومقومات وأسباب انتعاشها.

حرصت سلطات الاحتلال على فك ارتباط الاقتصاد المقدسي باقتصاد السلطة الوطنية الفلسطينية

يترافق مع ذلك العمل الإسرائيلي الدؤوب لرفع مستوى البطالة لدى المواطنين العرب الفلسطينيين، ودفع غول الغلاء ليصول في المدينة العربية ويبطش بأهلها، إلى جانب الضرائب الباهظة الظالمة التي تفرضها سلطات الاحتلال، فتُثقل بها كاهل المواطن المقدسي، مما يسهم في رفع معدلات خط الفقر إلى مستويات غير مسبوقة، ويقود بالتالي إلى تدني مستوى دخل المواطن الفلسطيني هناك، وتراجع مستوى قدراته الشرائية، مما يسبب خللا في الدورة الاقتصاديّة للمدينة.

وحتى يفقد اقتصاد القدس مجاله الحيوي، فقد حرصت سلطات الاحتلال على فك ارتباط الاقتصاد المقدسي باقتصاد السلطة الوطنية الفلسطينية، وتركه وحيدا يواجه أزماته ويقارع المخططات الهادفة لدفعه إلى الركود التّام.

وتتفاقم الأزمة الاقتصادية في مدينة القدس المحتلة في ظل ما نلحظه من غياب للدعم العربي والإسلامي والدولي الهادف إلى إنقاذ المدينة مما يخُطط لها إسرائيليا على كل الصعد.

وكان لتردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية تأثيرا كبيرا على الفلسطينيين المقدسيين من حيث مستويات المعيشة والسكن والرعاية الصحية والتعليم، وقد أدت السياسات الإسرائيلية إلى "إدماج" جزئي ومشوّه لاقتصاد القدس الشرقية الفلسطيني في إسرائيل وإطارها التنظيمي.

وفي غضون ذلك، ظل اقتصاد القدس الشرقية يفصل تدريجيا عن بقية الاقتصاد الفلسطيني رغم الموقع التاريخي لهذه المدينة باعتبارها مركز التجارة والنقل والسياحة، فضلا عن كوﻧﻬا المركز الثقافي والروحي للفلسطينيين في شتى أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة.

المصدر : الجزيرة