شرعنة العنصرية في إسرائيل

قال الأكاديمي والمؤرخ الإسرائيلي زئيف ستيرنهل -الذي يقيم في لندن- إن إسرائيل اليوم تشبه إلى حد بعيد ألمانيا النازية في سنواتها الأولى.

وأضاف ستيرنهل في مقال نشر في صحيفة لوموند في شهر فبراير/شباط من العام الجاري أن انحسار الحريات وتراجع حقوق الإنسان وتضييق الآفاق حول العرب في إسرائيل والمناطق المحتلة يشبه إلى حد بعيد الأنماط الفاشية في ألمانيا في بداية العشرينيات من القرن الماضي.

في واقع الأمر قد تبدو آراء ستيرنهل -المولود في بولندا لأم لقيت مصرعها في معسكرات الموت النازية وكذلك أخته الكبرى "إيدا"- صادمة لكثير من اليهود الليبراليين الذين ما زالوا يحتفظون بصورة زاهية عن إسرائيل، ويظنون أنها مجتمع ليبرالي تصان فيه الحريات الأساسية، مثل حرية التعبير وكذلك حقوق الإنسان، بصرف النظر عن العرق والدين والجنس.

لكن نظرة فاحصة إلى التحولات العميقة التي يمر بها المجتمع الإسرائيلي -خاصة في العقود الثلاثة الأخيرة- لا تترك مجالا لتجاهل آراء مثل آراء ستيرنهل.

وقد سبق ستيرنهل في بيان العنصرية الإسرائيلية المفكر الإسرائيلي يسرائيل شاحاك في كتابه المشهور (Jewish History, Jewish Religion: The Weight of Three Thousand Years).

يقوم اليمين الإسرائيلي الذي يسيطر بإحكام على مراكز صنع القرار في إسرائيل بحملة شعواء لتغيير القوانين

يهودية أولا
ويقوم اليمين الإسرائيلي -الذي يسيطر بإحكام على مراكز صنع القرار في إسرائيل- بحملة شعواء لا هوادة فيها لتغيير القوانين بما ينسجم مع هدف تحويلها إلى دولة يهودية أولا، وديمقراطية ثانيا، أي بعبارة أخرى أن تكون ديمقراطية الدولة تابعة وخاضعة ليهوديتها وليس العكس.

ومن هنا يمكننا فهم المطالبات الحثيثة لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بضرورة اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل كدولة يهودية، وهو ما يرفضه الفلسطينيون بكل حزم كونه يحمل بذور ترحيل ما يقارب مليوني فلسطيني يحملون المواطنة الإسرائيلية.

وتسعى الأغلبية اليمينية المهيمنة على الكنيست إلى تخطي محكمة العدل العليا على أساس أن السلطة هي للشعب من خلال ممثليه، وهو ما يثير المخاوف لدى الدوائر القانونية التقليدية التي ينحسر نفوذها شيئا فشيئا.

ويعتبر كثيرون في إسرائيل محكمة العدل العليا واحدة من الرموز القليلة المتبقية لحكم القانون في إسرائيل، وقد اتخذت وزيرة العدل المتطرفة إيليت شاكيد قرارا بمنع الفلسطينيين من الضفة الغربية من التظلم أمام المحكمة، زاعمة أن القرار جاء لأسباب إدارية بحتة.

عنصرية متغولة
يخطئ من يظن أن التشريعات العنصرية التي تتضمن محتويات فاشية سافرة تقتصر على الناحية النظرية ولا تجد تعبيرا لها على أرض الواقع، ففي الأسابيع القليلة الماضية شاهدنا المحاكم الإسرائيلية تصدر أحكاما مخففة ورمزية ضد مجرمين يهود أدينوا بقتل غير يهود مع سبق الإصرار والترصد.

المحاكم الإسرائيلية تصدر أحكاما مخففة ورمزية ضد مجرمين يهود أدينوا بقتل غير يهود

وفي الأسبوعين الأخيرين قضت محكمة إسرائيلية باستبدال الحكم بالسجن بالحبس المنزلي المخفف على فتيين يهوديين شاركا في حرق منزل عائلة دوابشة في قرية دوما جنوب نابلس في نهاية شهر يوليو/تموز 2015، مما أدى حينها إلى مقتل الأب والأم واثنين من أطفالهما حرقا، وقد تباهى المستوطنون بفعلتهم الشنيعة أمام عدسات التلفاز، لكن الشرطة الإسرائيلية لم تعتقل أيا منهم.

وقبل أسبوعين أطلق القضاء الإسرائيلي سراح الجندي إيلور عزريا الذي أجهز على عبد الفتاح الشريف في الخليل الذي كان يحتضر بسبب إصابة بليغة، وقد لقي الجندي القاتل استقبالا حافلا من قبل المستوطنين بعد إطلاق سراحه وفي نفس مكان الجريمة.

وفي الأسبوع الماضي أيضا حكمت محكمة إسرائيلية على إسرائيلي بالخدمة المدنية لمدة مئة يوم ودفع مبلغ ألفي شيكل (مئتا دولار) لعائلة لاجئ إرتيري قتله الإسرائيلي ظنا منه أنه فدائي فلسطيني.

وفي الحقيقة هناك عدد كبير من الأمثلة في هذا السياق، وكلها تشير إلى تغلغل وتغول العنصرية في المجتمع اليهودي الإسرائيلي.

ينص قانون القومية على أن من حق اليهود إقامة مدن ومستوطنات خاصة بهم

قانون القومية
أقر الكنيست مؤخرا ما يسمى قانون القومية، وقال نتنياهو إن القانون المذكور ضروري لتثبيت ركائز الوجود اليهودي في أرض إسرائيل.

ولقي مشروع القانون -الذي تقدم به حزب البيت اليهودي وريث الحزب الديني الوطني المتطرف- معارضة شديدة من المعارضة اليسارية والليبرالية الضعيفة التي جادلت في أن القانون سيشوه صورة إسرائيل في الخارج، خاصة في الولايات المتحدة.

وينص القانون على أن من حق اليهود إقامة مدن ومستوطنات خاصة بهم يستطيعون من خلالها ممارسة حقوقهم الدينية والثقافية بحرية حتى إذا استوجب ذلك استثناء غير اليهود من تلك المناطق.

كما ينص القانون على إلغاء اللغة العربية كلغة رسمية في إسرائيل رغم أن نحو 25% من سكان الدولة يتحدثون بها، إضافة إلى مئات الملايين من العرب والمسلمين.

ويقول عضو الكنيست العربي أحمد الطيبي من "القائمة المشتركة" إن الأمر أعمق وأخطر مما يبدو لأول وهلة "إننا نتحدث ببساطة عن تشريع للفاشية بكل ما في الكلمة من معنى".

الفلسطينيون مستهدفون
ما من شك أن الفلسطينيين -سواء في إسرائيل نفسها أو في المناطق المحتلة عام 1967- هم المستهدف الأول والأخير لهذه التشريعات العنصرية، خاصة مع النمو الديمغرافي الفلسطيني، حيث تتقارب باطراد نسبة اليهود والعرب في فلسطين التاريخية بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط.

ويضيف الطيبي أن الحركة الصهيونية وبعد أن فشلت في اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم عملت على تشريع العنصرية والأبارتايد، في محاولة يائسة منها لتغيير مسار التاريخ وإنقاذ المشروع الصهيوني من الفشل.

وقال "يدرك الصهاينة أن الزمن لا يسير لصالحهم، وأنه من المستحيل عليهم رغم قوتهم السياسية والعسكرية تجاهل ملايين الفلسطينيين الذين ربما قد أصبحوا بالفعل أو أنهم سيصبحون قريبا أغلبية السكان في فلسطين، إنهم يحاولون تغطية الشمس بغربال ولكن أنى لهم ذلك".

المصدر : الجزيرة