كيف منع الاحتلال تكرار اعتصام البوابات بالقدس؟

أسيل جندي-القدس

كان إصرار المعتصمين في مثل هذا الوقت من العام الماضي على فتح أبواب المسجد الأقصى دون قيد أو شرط مفاجئا لسلطات الاحتلال التي اضطرت للرضوخ لمطالب المقدسيين الذين رابطوا على أبوابه وحوله حتى السابع والعشرين من يوليو/تموز فيما عرف بهبة البوابات الإلكترونية.

وتطلب الرضوخ جلسات لم تتوقف على مدار 14 يوما للمجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر (الكابينيت) الذي بحث على مدار الساعة تطورات الأوضاع الميدانية الأمنية الآخذة بالتصاعد في المدينة المحتلة، بسبب رفض المقدسيين دخول الأقصى عبر بوابات إلكترونية وكاميرات مراقبة نصبها الاحتلال بُعيد عملية نفذها ثلاثة شبان من مدينة أم الفحم داخل الخط الأخضر، وأدت إلى مقتل شرطيين إسرائيليين واستشهاد منفذيها داخل باحات المسجد.

لكن منذ اللحظات الأولى لانتصار المصلين ودخولهم المسجد الأقصى باشر الاحتلال باتخاذ إجراءات من شأنها تنغيص فرحتهم وحياتهم. وهنا يقول الباحث في شؤون القدس زياد ابحيص إن الاحتلال تعمد أن يتبع دخول الناس للأقصى بمواجهة دموية في محاولة لتفريغ النصر من محتواه وإرسال رسالة للجماهير التي صنعت هذا النصر بأنه أجوف ومؤقت ولن يتمكنوا من الحفاظ عليه، لأن إسرائيل أقوى منهم.

الاحتلال هاجم المصلين في الأقصى مع احتفالهم بدخوله دون بوابات (الجزيرة)

ملاحقة
وتواصلت الإجراءات بإعادة العمل بقائمة المنع من دخول الأقصى التي ألغيت في الأيام الأولى لفتح المسجد وتمكنت المرابطات من دخول الأقصى، إلا أنهن منعن لاحقا وتم اعتقالهن والحكم على إحداهن بالسجن الفعلي وهي سحر النتشة، في حين اعتقلت كل من خديجة خويص وهنادي الحلواني وخضعن لفترة تحقيق طويلة ووجهت لهما تهما مختلفة.

إضافة لذلك تحدث ابحيص عن تعزيز الحضور الشرطي الإسرائيلي في البلدة القديمة ومحيطها وداخل الأقصى عددا وسلاحا ونوعا، وتوسيع نقاط الانتشار داخل المسجد وإقامة نقطة شبه دائمة أعلى باب الرحمة.

وتعلم الإسرائيليون من تجربة باب الأسباط أن النقطة المحورية في نجاح الهبة -التي يفضل ابحيص إطلاق اسم "هبة باب الأسباط" عليها- وجود نقطة ارتكاز شعبية وهي الشارع الممتد من باب الأسباط باتجاه الشمال، وبعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب القدس المحتلة عاصمة لإسرائيل تخوف الاحتلال من تكرار الأمر، خاصة بعد إقامة صلاتي العصر والمغرب على مدار يومين في باب العامود، الأمر الذي دفعه لتكريس الانتشار الأمني هناك ونصب نقاط مراقبة وكاميرات وسواتر حديدية.

يؤكد الباحث ابحيص أن هذه الإجراءات الأمنية جاءت لتخوف الاحتلال من بناء نقطة ارتكاز في باب العامود على غرار باب الأسباط في الهبة الأخيرة، وأضاف "نكلت قوات الاحتلال بالمقدسيين المحتجين على إعلان ترامب لردع من يريد الانضمام لهم ومن خلال الكاميرات ونقاط المراقبة أشعر الاحتلال المحتجين بأن المنطقة ساقطة أمنيا ولا تصلح كنقطة تجمع ضده".

ولم تقتصر السيطرة العسكرية على باب العامود ومحيطه وإنما سعى الاحتلال وما زال لإغلاق الحيز المكاني للحد من قدرة المقدسيين على التجمع والتجمهر، لكنه يعمل في هذا الاتجاه بشكل ناعم وسري خوفا من ردة فعل المقدسيين التي فاقت التوقعات عندما أغلق المسجد الأقصى.

 الاحتلال عزز قواته وكثف انتشاره بالقدس لمنع تكرار اعتصام البوابات قبل عام (الجزيرة)

ردع المتطرفين
واستغلت سلطات الاحتلال هبة البوابات الإلكترونية أيضا لإعادة الروح المعنوية لما تسمى جماعات الهيكل، ووصفهم ابحيص برأس الحربة المتقدم الذي يستخدمه الاحتلال ليقول إن هناك مطلبا شعبيا للدخول للأقصى وليس سياسة تطالب بها الحكومة.

وفي الأيام الأخيرة للاعتصام على أبواب الأقصى شكّل وجود نحو ثلاثين ألف مصل رادعا كبيرا للمستوطنين، مما اضطر الشرطة لتوفير حماية مضاعفة لهم لإعادة الروح المعنوية للحراك المحدود المكون من بضع مئات من المتطرفين، ليستعيدوا نشاطهم وقدرتهم على تنشيط أجندة تقسيم المسجد.

وبشأن إمكانية عودة مشاهد الاحتجاج والاعتصام لشوارع القدس رغم الإجراءات التعسفية المتصاعدة، ختم الباحث زياد ابحيص الحديث بقوله "منع تكرار الحراك أمر عصي على الاحتلال لأن هذا يتطلب التحكم بإرادة الناس التي أدركت في هبة باب الأسباط أن الاحتلال لا يستطيع أن يؤذيها أذى حقيقيا، وأن قوة العدد كافية لردعه ولتحقيق المكاسب.. باب الأسباط ليست التجربة الأولى للمقدسيين لكنها فريدة من نوعها بشكلها وطريقتها".

المصدر : الجزيرة