الانتخابات البلدية بالقدس.. هل يمكن التأثير؟

لا داعي أن تكون على معرفة بالقوانين الإسرائيلية، أو تكون مطلعا على ميزانيات بلدية القدس الإسرائيلية لأحياء شرقي القدس، حتى تفهم وترى حجم الإهمال للأحياء الفلسطينية في المدينة، فجولة بسيطة في أحيائها تظهر للزائر قبل المقيم حجم الإهمال في تقديم الخدمات البلدية للفلسطينيين هناك، فأكوام النفايات منتشرة والبنى التحتية مهترئة ومخططات البناء لتلك الحياء قليلة جدا وعدد رخص البناء الممنوحة للفلسطينيين محدودة جدا.

بوصفي خبيرا في القانون الدولي، ومستشارا في القانون الدولي الإنساني، فإنني أعمل بشكل مباشر مع عدد من البعثات الدبلوماسية في القدس ورام الله، وأقوم بعمل الكثير من البيانات الموجزة (Briefings) للسفراء والدبلوماسيين حول الأراضي الفلسطينية بشكل عام والقدس بشكل خاص.

ما يلفت الانتباه، أن العديد من الدبلوماسيين الغربيين يرون أن الحل للوضع الخدماتي السيئ بالأحياء الفلسطينية سيكون من خلال المشاركة في الانتخابات، ومحاولة التأثير على الميزانيات الخدماتية في المدينة، لكن ما لا يعرفه هؤلاء الدبلوماسيون، وأحاول دائما شرحه لهم، أن الأغلبية الساحقة للسياسات الإسرائيلية بالقدس تقررها وتتحكم بها الحكومة المركزية، وقدرة بلدية القدس على التأثير محدودة جدا.

بدأت بعض المساعي الفلسطينية لتشكيل قوائم لخوض الانتخابات المقررة لبلدية القدس بشهر أكتوبر/تشرين الأول من العام الجاري.

ضم القدس
في الأسابيع الأخيرة، تعالت بعض الأصوات المقدسية الراغبة في الترشح للبلدية الإسرائيلية، على اعتبار أن المشاركة ستحسّن من واقع الخدمات للأحياء الفلسطينية وستمكن الفلسطينيين من إسماع أصواتهم بشكل يسمح لهم بالحصول على بعض الحقوق المدنية والبلدية، وعلى هذا فقد بدأت بعض المساعي الفلسطينية لتشكيل قوائم لخوض الانتخابات المقررة لبلدية القدس في شهر أكتوبر/تشرين الأول من العام الجاري
.

بعد الاحتلال الإسرائيلي للمدينة المقدسة، قامت السلطات الإسرائيلية بضم ما يقارب 72 كيلومترا مربعا من أراضي الضفة الغربية إلى حدود بلدية القدس وفرضت القانون الإسرائيلي عليها. ولم تشمل الأراضي التي ضمت المدينة الشرقية بحدودها التي كانت تحت السيطرة الأردنية فقط، وإنما شملت أيضا قرابة 64 كيلومترا إضافية كانت تتبع للقرى والمدن الفلسطينية المحيطة.

توسعة حدود بلدية القدس في ذلك الوقت تمت بالأساس حسب اعتبارات ديمغرافية، فالجهات واللجان الإسرائيلية كانت تهدف منذ البداية إلى تعزيز السيطرة في المدينة عن طريق خلق أغلبية يهودية كبيرة فيها، فعدد الفلسطينيين في ذلك الوقت لم يتخط 67 ألف ساكن.

الفلسطينيون الذين ظلوا بالقدس بعد احتلالها عام 1967، حصلوا من إسرائيل على مكانة ساكن دائم، وهي مكانة تخولهم العيش والعمل والحركة بالقدس وإسرائيل، كما أنها تعطيهم الحق بإمكانية التصويت للانتخابات المحلية (البلدية) لكنها لا تعطيهم الحق بالترشح لمنصب رئيس البلدية، كما أن إمكانية خسارة مكانة الساكن الدائم سهلة نسبيا.

لقد كان الإجماع الوطني في مدينة القدس منذ احتلال المدينة عام 1967 وحل مجلس أمانة القدس المنتخب هو رفض المشاركة في الانتخابات البلدية الإسرائيلية

الموقف الرسمي
ووفق الإحصائيات فإن الفلسطينيين في القدس يشكلون قرابة 37% من السكان في القدس (شرقيها وغربيها)، وهو رقم تعتبره المؤسسة الإسرائيلية ذا وزن انتخابي يحسب له حساب إذا قرر الفلسطينيون المشاركة في الانتخابات، وعلى هذا فإنها تسعى لتغيير الواقع الديمغرافي من خلال ضم مزيد من المستوطنات ضمن حدود بلدية القدس وإخراج بلدات وأحياء عربية من نطاق البلدية
.

لقد كان الإجماع الوطني في مدينة القدس منذ احتلال المدينة عام 1967 وحل مجلس أمانة القدس المنتخب إبان العهد الأردني وإبعاد الأمين روحي الخطيب إلى الضفة الشرقية لمعارضته ضم المدينة لإسرائيل، هو رفض المشاركة في الانتخابات البلدية الإسرائيلية لأن الوجود الإسرائيلي في المدينة هو احتلال عسكري والمشاركة في الانتخابات هي شرعنة للاحتلال وقبول بالضم.

وترى الأغلبية من الفلسطينيين في القدس في نفسها جزءا لا يتجزأ من الشعب والهوية الفلسطينية، وأن المشاركة في الانتخابات هي جزء من الاحتواء الإسرائيلي للمقدسيين وقبولهم لتطبيق القانون الإسرائيلي عليها.

في ظل الحرب المفتوحة والمستمرة التي يشنها الاحتلال بكل أجهزته ومستوياته ولجانه ومؤسساته على الفلسطينيين في مدينة القدس عبر سلسلة طويلة من الإجراءات والممارسات التي بدأت من عام 1967، إضافة إلى العقوبات الجماعية وسن المزيد من القوانين والتشريعات العنصرية الهادفة لتهويد الأرض وأسرة السكان، فإن الحديث عن أن المشاركة في انتخابات بلدية الاحتلال "سيجعل الفلسطينيين أكثر قدرة على تحصيل حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والخدماتية من الاحتلال، ويصبحون أكثر قدرة على فرض وجهة نظرهم فيما يتعلق بقرارات المجلس البلدي"، يفتقر إلى الكثير من الدقة والصحة.

حتى لو نجح فرد فلسطيني مقدسي بالدخول إلى المجلس البلدي، فإن إمكانية التأثير حتى في القرارات الصادرة عن المجلس البلدي ستكون شبه معدومة

لا تأثير
إن اشتراك الفلسطينيين في الانتخابات بالقدس لن يؤثر بالمرة في قضايا ذات طابع سيادي كالاستيطان والمخططات الهيكلية وضم المزيد من المستوطنات إلى ما تسمى بالقدس الكبرى. كذلك، فإن اعتقاد أن المشاركة في الانتخابات البلدية من أجل المطالبة بتوسيع الخرائط الهيكلية للقدس، ورفع نسبة البناء في المدينة، وتطوير التعليم، وإعادة النظر في التعيينات في مؤسسات القدس بإعطاء الأولوية لأبناء المدينة في المناصب والوظائف أيضا غير وارد، فكل الأمور أعلاه تتحكم بها الحكومة الإسرائيلية المركزية، ولا يوجد ثقل تقريبا للبلدية في تغيير الخرائط الهيكلية أو زيادة الميزانيات أو فتح شوارع جديدة
.

ليس هذا فقط، فحتى لو نجح فرد فلسطيني مقدسي بالدخول إلى المجلس البلدي، فإن إمكانية التأثير حتى في القرارات الصادرة عن المجلس البلدي ستكون شبه معدومة، فإمكانية التأثير تكون في حالات كون عضو البلدية جزءا من الائتلاف البلدي وكونه نائب رئيس البلدية، وهو لن يكون واردا في الحالة الفلسطينية المقدسية، وعلى هذا فإن الدخول إلى المجلس البلدي -إن حدث- لن يكون ذا ثقل بالمرة.

ويمكن المقارنة بين محاولة الدخول إلى المجلس البلدي بالقدس مع تجربة النضال من داخل المؤسسة الإسرائيلية "الكنيست" التي تبنتها العديد من الأحزاب العربية في الداخل، فهذه التجربة لم يكن لها تأثير جدي وحقيقي على أي قرارات البرلمان الإسرائيلي ذات بعد وطابع إستراتيجي، يحمي حقوق العرب الفلسطينيين ووجودهم، وخاصة ما يتعلق بالأرض وملكيتها، أو القرارات المتعلقة بالطابع الأمني والعسكري.

السياسات الإسرائيلية المتعلقة بالمدينة المقدسة ليست متروكة للمجلس البلدي، فتلك السياسات تقر بالحكومة المركزية ولا قدرة للبلدية بالتدخل بها

خلاصة
لا شك في أن لبعض الفلسطينين المرشحين أو الراغبين بالترشح للانتخابات البلدية نوايا طيبة لخدمة الفلسطينيين بالقدس، وأن بعضهم يرغب حقا في تحسين الخدمات البلدية المقدمة لسكان أحيائها الشرقية، لكن السياسات الإسرائيلية المتعلقة بالمدينة المقدسة ليست متروكة للمجلس البلدي، فتلك السياسات تقر بالحكومة المركزية ولا قدرة للبلدية بالتدخل بها. كذلك، لا ننسى أن الأغلبية بالقدس لا تزال يهودية، وهي قادرة بلا شك على تحديد الفائز وتحديد رئيس البلدية.

باعتقادي فإن المشاركة الفلسطينية في الانتخابات البلدية بالقدس هي اعتراف كامل بأن القدس تابعة لإسرائيل، وهي قبول للضم الإسرائيلي لشرق المدينة.

المصدر : الجزيرة