الأقصى المبارك وابتسامة السفير

ابتسامة السفير الأميركي الجديد المغتبط بتعيينه سفيرا لبلاده بعد نقل السفارة إلى القدس لم تأت عفو الخاطر وهو يتسلم صورة للقدس لا يظهر فيها المسجد الأقصى المبارك، حيث يبدو الهيكل مكانه، وإنما هي أحدث الابتسامات التي ما فتئت تنم عن سعادته الغامرة بتقلده منصب السفير بعد إعلان صديقه ترامب أن القدس ستكون وستظل العاصمة الأبدية للكيان الصهيوني وبعد إجراءات نقل السفارة الأميركية في احتفال كبير حضره "جناب" السفير إلى جانب صهر الرئيس اليهودي كوشنر، وقد ظهر السفير في غاية السعادة والارتياح.

وتأتي تلبيته دعوة تلقاها من بلدة "بني براك" بمدينة "تل أبيب" لحضور مأدبة عشاء تقام تكريما له في سياق فرحه المتواصل بتوليه مهام عمله سفيرا، وبسكنه في مدينة القدس على غير عادة السفراء السابقين الذين اعتادوا أن يسكنوا في "تل أبيب".

أما الهدية الثمينة والغريبة التي قدمها متطرفو الاستيطان له والتي يختفي فيها المسجد الأقصى المبارك ليظهر مكانه الهيكل المزعوم فلم تكن مفاجأة للسفير أو لأحد من الحضور، فمن نظرة السفير الأولى إلى الصورة ابتهج للمنظر فعبر على الفور عن ابتهاجه بابتسامة عريضة أسالت لعاب كاميرات الصحفيين لتصبح حديث المواقع الإخبارية الإلكترونية ومحط تعليقات مواقع التواصل الاجتماعي اللاذعة والمثيرة للجدل.

 لا غرابة
لعل الكثير ممن اطلعوا على هذا الموقف الفاضح لسياسة الإدارة الأميركية الجديدة في المنطقة العربية قد استهجنوا هذه الهدية الفاضحة إلى درجة الوقاحة، والتي كشفت مرامي وأهداف الاستيطان الصهيوني المتربص بالقدس وبمقدساتها على الدوام، ولكن من يعرف هذا السفير ديفد فريدمان على حقيقته لا يرى في هذا الأمر الغريب موضعا لاستهجان أو حتى شيئا من الغرابة.
هذا ليس ضربا من الخيال الصهيوني، وإنما هو تصوير واقعي لما يخطط له المستوطنون المتطرفون بدعم من هذا السفير الأميركي-اليهودي

فـ"جناب" السفير الأميركي يهودي وابن حاخام يهودي، وقبل أن يكون سفيرا أميركيا هو مستوطن متصهين بامتياز، وله تاريخ أسود في دعم الاستيطان والوقوف إلى جانب قطعان المستوطنين المدججين بكل أسلحة النهب والسلب لأراضي الفلسطينيين الرازحين تحت الاحتلال طوال نصف قرن أو يزيد، فالهدية لم تأت من فراغ، كما أن ابتسامة السفير لم تكن نوعا من المجاملة لمن أهدوه تلك الهدية الماكرة، فمن أعدوا الصورة بعدوانية قل نظيرها عرفوا تماما لمن يعدونها ويقدمونها لتكون مكافأة له تداعب حلمه الاستيطاني وتسر خاطره العدواني وتصور له طموحه المستقبلي في زوال المسجد الأقصى المبارك وبناء الهيكل المزعوم على أنقاضه.

وهذا ليس ضربا من الخيال الصهيوني، وإنما هو تصوير واقعي لما يخطط له المستوطنون المتطرفون بدعم من هذا السفير الاميركي-اليهودي وأمثاله في المجتمع الغربي المستكبر وهم كثيرون، وأكثرهم في الولايات المتحدة الأميركية حيث يعملون بشكل دائم ومستمر على دعم الاستيطان والتبرع له بملايين الدولارات التي تذهب إلى جيوب حاخامات اليهود المتطرفين الذين يواصلون اقتحاماتهم للمسجد الأقصى، إلى جانب مواصلتهم العمليات الاستيطانية حول القدس وداخل البلدة القديمة.

إن الصورة المكبرة الواضحة والفاضحة للنوايا الاستيطانية التي تقبلها السفير الأميركي ديفد فريدمان بكل أريحية وابتسامة عريضة بقدر ما هي مستفزة ومزعجة لمشاعر الفلسطينيين ومشاعر العرب والمسلمين كافة بقدر ما هي منذرة بمصير أسود قادم يتربص بالقدس ومسجدها الأقصى المبارك وصخرتها المشرفة وسائر مقدساتها داخل السور.

السفير الجديد تم اختياره بعناية وتمحيص ليمثل مرحلة جديدة للسياسة الأميركية التي اتسمت في المدة الأخيرة بعدوانية مكشوفة للعرب وللمسلمين

جرس إنذار
الصورة تمثل بلا شك جرس إنذار -لمن يسمع أو لمن يريد أن يسمع- يكشف عما يدور في العقل الاستيطاني الصهيوني من نوايا مبيته للقدس ولأقصاها المبارك، فإذا سبق أن كانت الأطماع اليهودية المتصهينة تكتفي بحفر الأنفاق تحته أملا في إضعاف أساساته ليصبح آيلا للسقوط فإن هذه الصورة الخالية من المسجد الأقصى والتي قدمت هدية إلى "جناب" السفير الأميركي تخرج الأطماع الاستيطانية من أنفاقها تحت الأرض لتضعها بكل صلف ووقاحة فوق الأرض المحيطة بالمسجد المبارك والصخرة المشرفة مصورة إمكانية هدمهما وزوالهما على المدى القريب وليس البعيد، ومستمدة تصورها البالغ الخطورة من ضعف الأمة العربية الإسلامية وتفرقها وخلافاتها ونزاعاتها وحروبها الطائفية حتى في البلد الواحد،
فكلما زاد تدابر هذه الأمة المغلوبة على أمرها واستبد الصمت بلسان حالها وضعف الإيمان في قلوب أبنائها أصبحت الهدية المقدمة إلى هذا اليهودي السفير أكثر واقعية وأقل غرابة وأكثر احتمالا لحدوث ما لا يحمد عقباه لا قدر الله.

إن قدوم هذا السفير الجديد إلى القدس برغبة من صديقه ترامب وبقرار من مجلس الشيوخ الأميركي لنذير خطر وشؤم ينذر بالقادم الأخطر والأسوأ والأشد إيلاما جراء ما سوف يحدث لفلسطين أرضا وشعبا، ولا سيما إذا ما عرفنا من هو السفير الجديد فريدمان الذي تجمعه صداقة دائمة بالرئيس ترامب تزيد على عشرين عاما، فالسفير الجديد تم اختياره بعناية وتمحيص ليمثل مرحلة جديدة للسياسة الأميركية التي اتسمت في المدة الأخيرة بعدوانية مكشوفة للعرب وللمسلمين، وباستهانة واضحة لحقوق الفلسطينيين، وبانحياز تام للاحتلال الاسرائيلي بحصاراته وحواجزه ومعتقلاته وسجونه وألاعيبه الاستيطانية المكشوفة.

وترامب نفسه يعرف من اختار ليمثل السياسة الأميركية في كيان صهيوني عنصري أقيم على أرض فلسطين، وعلى حساب شعبها الذي ما زال يعاني من وقوعه بين نارين، نار الحصار ونار الشتات دون أن يجد بابا للخروج في هذا الزمن العصيب.. زمن الأبواب المقفلة بأقفال إمبرياليه صهيونية ثقيلة.

علينا جميعا أن نعرف حقيقة هذا السفير الذي لم تأت ابتسامته من فراغ ومحض الصدفة أو من قبيل المجاملة، فهو المستوطن الأول رقم (1) الذي لا يؤيد حل الدولتين

خطورة السفير
ولمن لا يعرف حقيقة السفير ديفد فريدمان نكشف خطورته على القضية الفلسطينية وخطورة سياسته العدوانية الداعمة للاستيطان في كل الأراضي المحتلة، بما فيها هضبة الجولان التي أفصح مؤخرا عن رغبته في زيارتها وهو يقول عنها إنها منطقة إستراتيجية لـ"إسرائيل" وليست محل نزاع مع أحد، آملا في أن تكون زيارته خطوة مكشوفة لدعم الاستيطان في الجولان وتوسيع رقعته دون أدنى اعتبار للاءات عربية يمكن أن تصدر من هنا أو هناك.

فعلينا جميعا أن نعرف حقيقة هذا السفير الذي لم تأت ابتسامته من فراغ ومحض الصدفة أو من قبيل المجاملة، فهو المستوطن الأول رقم (1) الذي لا يؤيد حل الدولتين، ويعتبر أرض فلسطين كلها أرضا لليهود وليس لغيرهم حق في شبر واحد منها.

وفريدمان من أشد المتحمسين لدعم المستوطنين، وقد ترأس اجتماعا لجمعية أصدقاء المدرسة في مستوطنة أرائيل المقامة على أراضي بلدة سلفيت الفلسطينية، وهو المتبرع سابقا لإقامة مستوطنة بيت إيل المجاورة لمدينة البيرة، كما ترأس رابطة الصداقة الأميركية مع تلك المستوطنة حيث عمل على تحويل ملايين الدولارات إليها، وهو بهذا لا يلبس قناعا استيطانيا يخيف به الفلسطينيين والعرب أجمعين، وإنما هو ظاهر بوجهه الاستيطاني القبيح الذي تشي ملامحه بأنه سفير الاستيطان بيهوديته المتصهينة وبتطرف لا حدود له.

ابتسامة السفير الأميركي فريدمان أثناء تقبله صورة مكبرة للقدس وقد أزيل منها المسجد الأقصى تشكل تحديا سافرا وجارحا لشعور كل عربي ومسلم

يهودي أميركي
إنه يهودي يحمل الجنسية الأميركية، ولكنه يفضل أن يرتدي القلنسوة اليهودية ويذهب إلى "حائط المبكى" لأداء الصلاة، وقد أعد له منزلا في القدس قبل نقل سفارة بلاده إليها.

يذكر في معرض الحديث عن هذا الرجل أنه اختار حاخاما يهوديا ليكون مستشارا دبلوماسيا له ضاربا بالأعراف الدبلوماسية عرض الحائط.

يعتبر اليهود المتطرفون استيطانيا قدوم السفير الجديد ديفد فريدمان إلى القدس خطوة للأمام على صعيد أحلامهم ومشاريعهم الاستيطانية، في حين اللوبي الصهيوني اليساري يرفضه ويرفض نزعته الاستيطانية ويؤكد أنه سيعرض سمعة أميركا للخطر.

ولعل أحدا ممن يعارضون تعيين ديفد فريدمان سفيرا أميركيا في القدس يتساءل بتخوف واضح: هل سيمثل فريدمان بشهوته الاستيطانية العارمة الإدارة الأميركية الداعمة للاستيطان والاحتلال بشكل عام أم سيمثل الاحتلال نفسه وسيقود الاستيطان الصهيوني في القدس وفي أنحاء الضفة الغربية بعلم إسرائيلي في يد وبعلم أميركي في اليد الأخرى؟

باختصار نقول إن ابتسامة السفير الأميركي فريدمان أثناء تقبله صورة مكبرة للقدس وقد أزيل منها المسجد الأقصى تشكل تحديا سافرا وجارحا لشعور كل عربي ومسلم يؤمن بأن القدس أخت لمكة المكرمة والمدينة المنورة، ويؤمن بأن المسجد الأقصى المبارك هو ثالث الحرمين الشريفين.

وما ابتسامة السفير العريضة تلك إلا ضوء أخضر يفتح الطريق أمام حاخامات الاستيطان المتطرفين وأتباعهم وداعميهم لمزيد من الاستيلاء على الأرض الفلسطينية لإقامة مستوطنات جديدة، بالإضافة إلى تسمين وتوسيع المستوطنات القديمة، والمخفي خلف ابتسامة السفير أخطر وأعظم.

المصدر : الجزيرة