القدس وعقل المسؤول العربي

قلت لمسؤول سياسي كبير ذات يوم: من علمك السياسة؟ لم دخلتها؟ ضحك وهو يقول لي: ألا تعرف أنا ابن من؟ ضحكت أنا أكثر وقلت له: سؤالي أصلا لأنني أعرف من يكون أبوك؟

طأطأ رأسه قليلا، ولكنه سرعان ما رفعه وكأن دمعة كادت أن تسقط فمنعها مكابرة، وقال بصوت فيه بدايات تهدج: إذا تعرف كيف كان يقاتل عند القدس، وتعرف علاقته التاريخية فيها، وتعرف أن حلم عمري أن ترجع القدس ليفرح أبي ويحقق حلمه الذي مات عليه! قلت له وأنا أحاول ألا أنظر لعينيه: ولكنه كان مقاتلا فيها وعنها ولها وأنت صرت سياسيا تدخل في فن الكذب عليها وعلى أهلها وتصدق نفسك وأنت تكذب؛ وها أنت قلت قبل يومين: بالمفاوضات تعود القدس ونسيت كل دم أبيك وتعفير قدميه هناك؛ نسيت قلقه وخوفه ودعاءه ولياليه حارسا على أسوارها؛ بل نسيت حلم أبيك!

المشكلة لا تكمن في إسرائيل بل في عقلية المسؤول العربي؛ كل أسباب الهزائم هي هذه العقلية

قاطعني وصوته أكثر تهدجا واعتقد بأنه غافلني ومسح دمعا آثاره بادية على وجنتيه النظيفتين دوما حرصا على المظهر العام للسياسي الكبير؛ قال: لا لا لا؛ والله ما زلت على الحلم، ولكن الأدوات الآن اختلفت! قاطعته هذه المرة وقلت له متسائلا بطريقة فيصلية: لو كان أبوك المقاتل المعفر عائشا بيننا الآن فهل سيصفق لك ويقبل طريقتك؛ اصدقني القول؟ قال لي وهو يبتعد بنظراته إلى الأفق: أكيد لا؛ فأبوي مثلك لا يقتنع إلا بالبندقية! قلت له: ومثلي الملايين الذين مثل المقاتل الذي هو أبوك لن تقتنع هذه الملايين إلا بالقوة والرصاص كي تتحرر القدس وكل شبر محتل وبعد التحرير تتفضل حضرتك تفاوض وأنت بكامل قوتك وعتادك!

المشكلة –يا سادة- لا تكمن في إسرائيل بل في عقلية المسؤول العربي؛ كل أسباب الهزائم هي هذه العقلية التي مهما تحممت في اليوم، ومهما وضعت عطرا على جسدها المرهق؛ فستبقى مسكونة بالصحراء وغزواتها وغبارها وأتربتها البليدة!

المسؤول العربي لبس البدلة وتخلى عن الثوب؛ ودعك شعره بأفخر أنواع الشامبو؛ إلا أن كل تفاصيل الحضارة لم تستطع أن تدخل عقله

سيبقى عقل المسؤول العربي ينظر للقدس نظرة المكسب الذي يحققه من الأعداء بإبطاء تحرك الشعوب تجاه حقوقها في استعادة القدس وغيرها. سيبقى المسؤول العربي يمثل دور الشرير في المسلسل البدوي؛ يتحالف مع الأعداء ويدعي البطولة في (الديرة) وحوله من يدعو له بطول العمر في كل حركاته وسكناته. مشكلة عقل المسؤول العربي أنها عقلية بدوية خالصة؛ تحب الرحيل مع أغنامها؛ لذا فهي لا تهتم بالمكان المحدد بل تسمي المكان أطلالا؛ تقف وتبكي عليه شعرا، ولكنها تتركه ولا تعود إليه.

والقدس للعقل العربي الرسمي هي أطلال تصلح للشعر والأدب وصياغة معلقات جديدة، مع أن المسؤول العربي لبس البدلة وتخلى عن الثوب؛ ودعك شعره بأفخر أنواع "الشامبو"؛ إلا أن كل تفاصيل الحضارة لم تستطع أن تدخل العقل العربي الرسمي لروح الحضارة، بل لقشورها فقط، وصدق نزار قباني عندما وصف المشهد ذا البؤس وقال: لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية!

لماذا لم تنجح كل أصوات الجماهير الهادرة في هذه الأمة الضائعة في شوارعها في إيقاف نقل السفارة؟ لماذا لم يحسب حسابها ولم يقل صانع القرار الأميركي إن للقدس قوة لا نستطيع تجاهلها؟ لماذا استخف بنا وبغضبنا وبعدالة قضيتنا أصلا؟ لماذا ولماذا وألف لماذا بعدها؟ ببساطة لأنه يعرف عقل المسؤول العربي الباحث عن أي فتات ليعمل لصاحب الفتات أي شيء؛ لأن العالم كله بأممه المتحدة والمتفرقة يعرفون أن صياحنا على القدس ليس إلا صياح الأيتام على مأدبة اللئام في ليلة ماطرة داكنة؛ لأنهم يعرفون أننا سنهدأ و(نكن) بعد شوطين قصيرين من السب والشتم والذم والتحقير؛ وبعدها سنبحث عن الغنائم التافهة في معركة انتصر فيها أعداؤنا علينا.

المسؤول السياسي الكبير سيبقى يفاوض ويفاوض وينسى آثار أقدام أبيه في القدس وأفضلهم سيذرف دمعتين

العالم أجمع يعرف أن العرب يتقنون في العصر الحديث دور الضحية ولا يعرفون غيره؛ فهو الذي يبقي لهم غنمهم في المراعي التي تصغر كل عام، وهو الذي يدلهم على نبع الماء لكي يبقوا تائهين بالطوابير عليه، وهناك يقتتلون ويحولون نبع الماء إلى نبع دم لا ينتهي ولا يتوقف إذا كان الدم دمهم لا دم أعدائهم!

سيبقى المسؤول السياسي الكبير يفاوض ويفاوض وينسى آثار أقدام أبيه في القدس، وأفضلهم سيذرف دمعتين ويعتبرهما ماسحتين لكل آثامه لأن أخذ من قشرة الحضارة منطق اللحظة فقط، وما استطاع أن يستوعب للآن أن الإستراتيجيات هي بناء أمم لما بعد أحفاد أحفاده، وهو لا يفكر إلا بغنيمة الهزيمة التي تستجد كل يوم.

لله در القدس وأهلها؛ خرجوا من عقلية المسؤول العربي ورفعوا شعارهم الدائم ودفعوا ثمنه من دمائهم وما زالوا يدفعون وسيدفعون لألف عام. القدس لنا رغم أنف العرب الرحل الذين تركتهم الصحراء، ولكنهم ما تركوها وبقيت ترحل معهم حتى وهم يبصمون على شهادات موتهم المجانية.

لله در القدس الباقية أمام عقلية العرب الفانية!

المصدر : الجزيرة