القدس هي المركب الأخير عندما تغرق المراكب

أن تهدم بيتك بيدك يعني أن تحمل روحك على كفك ثم تعصرها عصرا فتسيل ساخنة تحرق ما تبقى من عزة وكبرياء.

يرتمي على الأرض بعد كل ضربة فأس، يغرس أظافره في حضن الأرض، يتظاهر بالصمت والرضا، ينهض مجددا، يخاف أن يستسلم للوجع والقهر، يخاف أن ينزرع الذل في روحه.

أطفاله يبكون بحرقة وهم يشاهدون أباهم وأعمامهم يهدمون الدار، يمسح دمع أطفاله، يضعهم في حضنه، يلتصق بهم، يرسم لهم أملا جديدا، يقول: سأقيم لكم مدينة ألعاب فوق الدار المهدومة وسوف تدخلونها مجانا وبلا تذاكر.

وتنفجر كلماته كالبركان، كلفني بناء الدار آلاف الدولارات، وقد تقدمت عدة مرات بطلب ترخيص ورفضوا ذلك، عشر سنوات وأنا أنتظر رخصة البناء، صارت عائلتي كبيرة ولا أستطيع البقاء في غرفة في بيت أهلي فبنيت فقط ستين مترا.

المفارقة أن الاحتلال يهدم البيوت هنا ويمد أذرعه الأخطبوطية واستخباراته هناك، يحاول خطب ود المحيط العربي

وعندما عرف الاحتلال حرروا مخالفة بقيمة 35 ألف دولار وقمت بدفعها حتى لا يهدموا المنزل، إلا أن بلدية الاحتلال ورغم تلقيها كامل المبلغ لم تصدر ترخيصا وأمرت بالهدم!

وحتى لا أدفع لبلدية الاحتلال عشرين ألف دولار بدل أجرة جرافات ونفقات قلت: أهدم بيتي بيدي.

هذه قصة من آلاف القصص التي تحدث في القدس، والمفارقة أن الاحتلال يهدم البيوت هنا ويمد أذرعه الأخطبوطية واستخباراته هناك، يحاول خطب ود المحيط العربي عبر مواقعه التي تتحدث العربية وعبر جنوده الإعلاميين ووسائل التواصل الاجتماعي.

والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يهدمون ويقتلون هنا ويمدون خيوطهم العنكبوتية صوب الجمهور العربي من المحيط إلى الخليج؟

لماذا يحبسون كل غيمة تحاول أن تمطر في غزة ويقطفون الأعواد الخضراء اليانعة ويلقونها خلف القضبان لتجف وتنكسر؟!

يفعلون ذلك حتى يضيقوا الخناق أكثر على الفلسطيني ويعزلوه عمن يسانده ويدعمه حتى لو نفسيا فيصبح بين فكي كماشة، الصهيوني من جهة والعربي المسلم من جهة أخرى.

لقد جندت إسرائيل المسوقين والمطبلين لها حتى بات لديها مؤازرون وداعمون بوجه عربي وقلب صهيوني، وتلاشت موجة العداء والكراهية لها بل وأصبح هناك من يقول بأحقيتها في هذه الأرض.

القدس هي المركب الأخير عندما تغرق كل المراكب فإن أردت النجاة يا ابن أمي وأبي فاركب معنا

ومع مرور الأيام واعتياد الخطاب مع الأعداء وحوارهم رويدا رويدا نستسيغهم ويتحول العدو إلى حليف ويتنكر الدم لعروقه التي يجري فيها.

الحرب القادمة ليست حربا عسكرية، فما جنته إسرائيل بوسائلها الجديدة يغنيها عن خوض حرب عسكرية مكلفة ومرعبة بالنسبة لها، فقد استبدلت يدها الملوثة بأيد عربية تشعل الشوارع بنار يقدح شررها بنو جلدتنا.

إسرائيل تتمدد وتستطيل في عواصمنا وترسم ملامح شواطئنا بأقدامها النجسة عبر جوقة المطبعين الذين يتبرعون بسخاء للترويج لهذا الكيان المسخ، تارة بتشويه الحقائق، وتارة بزعزعة الثوابت الوطنية والدينية وبث الافتراءات والترويج للأكاذيب ولكن بلسان عربي.

القدس هي المركب الأخير عندما تغرق كل المراكب فإن أردت النجاة يا ابن أمي وأبي فاركب معنا.

مد يدك نحوها كي تلتقطك، فهي لا تمنحك حبل النجاة إن لم يخضر قلبك بعشقها، فالقدس للثوار والشهداء والشرفاء ومن قبل ذلك للأنبياء، أما الفجار فهم راحلون، هذا الوعد الحق.

راحلون وإن هدموا البيوت وزرعوا كاميرات التلصص ورفعوا الجدر وتحصنوا، هم على يقين بأنك باق وهم زائلون، يعرفون ذلك كما يعرفون أبناءهم.

يهدم البيوت هنا، يفقأ كل عين وجهتها السماء، يهوّد المدينة العربية، يوغل في تكبيلها فيحز القيد معصمها ويدميها، يمسح ملامح المدينة العتيقة ويطمس الهوية لأنه يدرك أنها ليست له.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة