كيف يبدو الإفطار في منزل أم مقدسية أسيرة؟

الأسيرة فدوى حمادة تنتظر حكما بالسجن لمدة عشرة أعوام (الجزيرة)
الأسيرة فدوى حمادة تنتظر حكما بالسجن لمدة عشرة أعوام (الجزيرة)
أسيل جندي-القدس

غصة كبيرة ترافق تحضير الإفطار الرمضاني والجلوس على موائده في نحو 570 منزلا لأسرى وأسيرات من القدس بسجون الاحتلال الإسرائيلي، لكن الغصة أعمق في منزل أسيرة أم تنتظر حكما بالسجن الفعلي لمدة عشرة أعوام، ولا تتجاوز طفلتها الصغرى من العمر عاما ونصف العام.

حمادة وسدين ومحمد وأحمد ومريم إلى جانب والدهم منذر حل عليهم الشهر الفضيل هذا العام لأول مرة في غياب الأم فدوى ربايعة حمادة قسريا خلف قضبان الاحتلال بعد اعتقالها في أغسطس/آب من العام الماضي بزعم محاولتها تنفيذ عمليتي طعن بحق شرطي إسرائيلي ويهودي متشدد من "الحريديم" في منطقة باب العامود بالقدس.

تسارعت الأحداث ظهيرة ذلك اليوم، إذ تلقى زوجها منذر حمادة (32 عاما) اتصالا يفيد بأن زوجته نفذت عملية طعن واعتقلت فورا، ولم تمهله مخابرات الاحتلال كثيرا فسارعت إلى استدعائه للتحقيق في مركز المسكوبية، وهناك لمح زوجته التي أغشي عليها أثناء التحقيق.

مكث الزوج ثلاثة أيام اتهمه الاحتلال خلالها بالتخطيط مع زوجته لتنفيذ العملية، وبعد إثبات براءته أفرج عنه للحبس المنزلي، وبدأت رحلة تشتت وعذاب مع خمسة أطفال يبلغ أكبرهم ثمانية أعوام، وأصغرهم مريم ذات الأربعة أشهر فقط.

الأسيرة فدوى ربايعة تعيش ظروفا نفسية صعبة داخل السجن في حين يتوزع أطفالها بين منازل ذويهم ومؤسسات رعاية الأطفال (الجزيرة)

شتات الأطفال
"
انقلبت حياتنا رأسا على عقب، كانت فدوى مدبرة لأمور المنزل والأطفال، وأنا منتظم بعملي كبقية الرجال، أصبحت فجأة الأب والأم ومسؤولا عن كل كبيرة وصغيرة، وأعظم الهموم زوجتي التي تقبع خلف القضبان" يقول الزوج منذر.

يعجز الأب أحيانا عن تقديم الإجابات الشافية لأسئلة أطفاله المتكررة: متى ستخرج أمي من السجن؟ متى سأزورها؟ متى سنعود لمنزلنا؟ وغيرها من الاستفسارات التي يحرص منذر على إخفاء إجاباتها، إذ لم يفصح لأطفاله بعد عن مدة حكم والدتهم.

ولتخفيف الأعباء اضطر الوالد لوضع كل من حمادة ومحمد في مراكز داخلية يعودون منها إلى المنزل نهاية الأسبوع، في حين تربي والدته أحمد، ووالدة زوجته تعتني بكل من سدين ومريم، ومنذ دخول الطفلين مراكز الشؤون الاجتماعية حرما من زيارة والدتهما بحجة أن الزيارة تؤثر بشكل سلبي على نفسيتها، كما يمنع الوالد منذ سبعة أشهر من زيارة زوجته بحجج أمنية أيضا.

وعن ذكريات الشهر الفضيل مع زوجته قبل اعتقالها قال منذر "كانت فدوى تعد أشهى المأكولات والحلويات، نجتمع على مائدة الإفطار ثم نتوجه إلى المسجد الأقصى لصلاة التراويح، أما الآن فأنا والأولاد مشتتون وقلما نجتمع على مائدة الطعام".

مريم ربايعة حمادة كانت في الشهر الرابع من عمرها عندما اعتقلت والدتها (الجزيرة)

مسؤولية صعبة
ويؤكد الزوج أن ليله انقلب لنهار منذ اعتقال زوجته التي تبلغ من العمر ثلاثين عاما، وأن الهموم باتت رفيقته، مما أدى إلى إصابته بمرض السكري مؤخرا واعتماده على حقن الإنسولين اليومية لتتضاعف معاناته
.

وخلال لقائه في منزل ذوي زوجته اضطررنا لقطع المقابلة مرارا للحاقه بأبنائه وتلبية طلباتهم، ولوحظت طفلته الصغرى مريم تحظى بالقدر الأكبر من الحنان فهي التي فصلت عن أمها قبل أن تعرف ملامحها جيدا، وكلما ابتعدت وحاولت الخروج من المنزل يناديها والدها قائلا "تعالي شوفي ماما" فتأتي مسرعة لتفتح شاشة هاتف والدها وتنادي على أمها في الصور المختلفة.

أما أمل ربايعة والدة الأسيرة فدوى فانهمكت في تحضير الإفطار وتلبية احتياجات أحفادها أيضا، وفي حديثها للجزيرة نت عادت بذاكرتها إلى يوم اعتقال فدوى، وقالت إن الخبر وصلهم من زوجها منذر، وإنها سقطت مغشيا عليها ونقلت لمستشفى المقاصد القريب ومكثت هناك ليلة بسبب إصابتها بتشنجات نتيجة الصدمة، ثم قررت استجماع قواها لتتمكن من الاعتناء بأحفادها الذين فقدوا والدتهم فجأة.

منذر حمادة مع أطفاله أحمد وسدين ومريم في حين يعيش حمادة ومحمد بمركز للشؤون الاجتماعية (الجزيرة)

صدمة وبكاء
"بعد اعتقال فدوى أنا تدمرت" بدموعها التي ملأت وجنتيها قالت هذه العبارة، خاصة أنها كانت المسؤولة عن حفيدتها الصغرى مريم.

وعن الأيام الأولى لاعتقال فدوى قالت إن "مريم كانت تعتمد بشكل أساسي على الرضاعة الطبيعية وفجأة أمها اختفت، لم تنم ولم تأكل شيئا لمدة أسبوع حتى اعتادت على الفطام".

وتحدثت الأم عن الحالة النفسية الصعبة لابنتها في المعتقل، إذ اضطروا لإعطائها أدوية خاصة بالأعصاب والاكتئاب، وكانت رفيقاتها في السجن يحدثن والدتها خلال الزيارات عن أن فدوى تدخل في نوبات بكاء وصراخ صعبة كلما تذكرت أبناءها أو شاهدت صورهم، الأمر الذي دفع والدتها إلى الحرص على اصطحاب من يسمح لهم من أبنائها باستمرار لزيارتها ليطمئن قلبها عليهم.

وتنتظر الأسيرة فدوى ربايعة حمادة حكما بالسجن لمدة عشرة أعوام بعدما أدينت بمحاولتي طعن، وبعد مرور شهر رمضان الأول على عائلتها بدونها هذا العام ستمر تسعة أعوام أخرى لتخرج وتجد ابنتها مريم الرضيعة تبلغ من العمر عشرة أعوام ونيفا.

المصدر : الجزيرة