الطريق إلى القدس

منذ وقوع القدس الشريف ولا نقول سقوطها في يد الاحتلال الصهيوني وحتى الآن وبعد نصف قرن أو يزيد من الزمان هل عرفنا طريقنا إلى القدس.. إلى استعادتها والرجوع إليها بعد غياب، وبعد حرمان من نورها المقدس ومن هوائها الذي يفوح برائحة الأنبياء وأريج السماء؟ 

نقول وقوع القدس العربية في يد الاحتلال، ولا نقول سقوطها لأن القدس لا تسقط في يد محتل كان من كان وعيناها الدامعتان لا تنطران إلى قوات الغزاة التي تدنس عشبها وترابها، وإنما إلى السماء.. أمها الرؤوم التي باتت تخشى عليها من تراكم الأحزان واشتداد الهموم.

منذ وقوع القدس في قبضة الغزاة الجدد هل أضعنا طريق العودة إليها مع أن أجراس العودة ما زالت تقرع على أمل أن تجد من يعي ويسمع؟ هل مشينا خطوات صائبة ومجدية على الطريق المؤدية إلى القدس أم ما زلنا على أول الطريق نتحفز ونتحسر دون أن نقطع مسافة تُذكر؟

هل مشينا خطوات صائبة ومجدية على الطريق المؤدية إلى القدس أم ما زلنا على أول الطريق نتحفز ونتحسَّر دون أن نقطع مسافة تُذكر؟

جهود مشتتة
هناك العديد من الجمعيات والمؤسسات الرسمية والأهلية التي تسمّت باسم القدس وقامت من أجلها.. من أجل إنقاذها من بلوى الاحتلال ونوائب التهويد والاستيطان، كما أن هناك الكثير من مراكز الإعلام والدراسات المتخصصة بوضع القدس تحت الاحتلال، بالإضافة إلى أكثر من برنامج إذاعي أو تلفزيوني وأكثر من موقع إلكتروني همّها الماثل وشغلها الشاغل مدينة القدس وما تتعرض له من قهر وحصار ومصادرة وتهويد.. حتى أن هناك أكثر من إذاعة أو فضائية تحمل اسم القدس في الأثير العربي والإسلامي، ولكن كل هذه المؤسسات والجمعيات ظلت متفرقة لا توحدها روح الفريق الواحد، ولا تجتمع على هدف واحد رغم أنها تجدّ وتسعى إلى السير بخطى جادة على طريق القدس
.

هذه من جهة، ومن جهة أخرى نجدها مصابة في معظمها بعجز توصيل الرسالة وأدائها على الوجه المراد والمقصود، لأنها تتحدث بلغة واحدة ولا تتحدّث بلغات الآخرين، ولا تجد من يترجمها لهم، فتبدو كأنها تتحدث إلى نفسها، فلا تقنع أحدا غيرها بالحقوق الجغرافية والتاريخية للعرب في مدينة القدس منذ آلاف السنين.

هل مشينا مسافة مقنعة على طريق العودة للقدس أم ما زلنا نراوح مكاننا على أول الطريق لينطبق علينا ذاك المصطلح العسكري المتعارف عليه "مكانك سر"؟

إذا ما انتبهنا جيدا للحال التي أصبحت عليها مدينة القدس بعد كل هذا النهب والسلب والتهويد الذي يجري على قدم وساق سنكتشف -ولا شك- أننا لم نفعل شيئا ذا فائدة للقدس وأهلها، ولم نقدم لها ولهم سوى نبل المشاعر وصدق العواطف وعشرات الوعود بالتصميم على إنقاذها وحمايتها ودعم أهلها دون أن نعمل على الإعلاء من قدرتها وقدرة أبنائها على التحدي والصمود إلا بشكل ضيق ومحدود.

هل قدمنا للقدس المنكوبة بالاحتلال والاستيطان ما يمكن أن يعينها وأهلها على المقاومة والتصدي والتشبث بالأرض؟

الوصول للغير
هل قدمنا للقدس المنكوبة بالاحتلال والاستيطان ما يمكن أن يعينها وأهلها على المقاومة والتصدي والتشبث بالأرض والمقدسات كما يجب أن نقدم؟

كتبنا مئات القصائد، ودبجنا آلاف الخطب حتى أتعبنا المنابر، ونشرنا العديد من المقالات والدراسات، وأنتجنا مثلها البرامج الإذاعية والتلفزيونية بما في ذلك الأفلام الوثائقية والمسلسلات المرئية الهادفة من أجل القدس ومن أجل تثبيت حقوقنا فيها.. ولكن السؤال يبقى مطروحا علينا وهو كم من كل هذا وصل إلى غيرنا وخاصة من هم ليسوا معنا ويقفون ضدنا مضللين من أعدائنا؟

لا نقول إن كل ما أعددناه وأنتجناه لم يكن مجديا خاصة على صعيد توعية الأجيال العربية بقيمة القدس وهويتها العربية الإسلامية، وبواجب هذه الأجيال نحوها.. نحو إنقاذها واستعادتها لتكون العاصمة الأبدية لفلسطين طال الانتظار أم قصر، وقل الأمل في ذلك أم كثر.

ولكن مقدار ما تعانيه القدس ويقاسيه أهلها من قهر وظلم وحصار ومصادرة للبيوت أو هدمها يشعرنا بأننا لم نفعل إلا القليل ولم نقدم للقدس إلا اليسير، خاصة إذا ما اتضحت لنا طبيعة الهجمة الشرسة على عروبتها وإسلاميتها بغية تحويلها إلى مدينة يهودية يراد لها أن تنسى هويتها ولغتها وعهدتها العمرية.

حتى يصبح سيرنا على الطريق إلى القدس أكثر حضورا وفعالية يجب أن تتحقق لنا شروط المسير نحو الأمام لا إلى الخلف، وأهم هذه الشروط هي:

لا بد من توحيد الجهود، وذلك بالاصطفاف في خندق واحد من أجل التصويب على هدف واحد وهو نجدة القدس وأهل القدس

شروط التقدم
الأول: توحيد الجهود، وذلك بالاصطفاف في خندقٍ واحد من أجل التصويب على هدف واحد هو نجدة القدس وأهل القدس، والتفاني في سبيل حمايتها والدفاع عنها والتصدي الفاعل لكل ما يحيط بها من أطماع وهجمات ومؤامرات
.

ونعني بهذا الشرط الخروج من فردية الجهود الجادة والمجدية إلى ميدان العمل الجمعي الموحد الذي يجمع كل الجمعيات والمؤسسات المقامة من أجل القدس في جبهة واحدة موحدة تسمى "الجبهة العربية الإسلامية لإنقاذ القدس" ويكون باب المشاركة فيها مفتوحا لكل أحرار العالم المتعاطفين مع القدس والرافضين لأي ظلم يقع عليها.

والثاني: أن لا نكتفي بالتحدث عن حقوقنا المشروعة في القدس بلغتنا نحن فقط، وإنما علينا أن نعرف ونتقن لغات الشعوب والأمم الأخرى لنقنعها بمشروعية طريقنا وأحقية سيرنا تمهيدا لأن نكسب ما يمكننا أن نكسبه إلى صفنا من قناعات و تضامنات وآراء حرة سيحرص أصحابها على تأييد خطواتنا، بل على السير معنا نحو تلبية نداء القدس ونجدة استغاثات أهاليها الصابرين المرابطين.

الثالث: لا بد من قوة عربية فاعلة وساندة لكل ما نفعله أو نطمح إلى فعله في قادم الأيام، فتحقيق الموازنة في معادلة القوى على الأرض ضروري لكي تكون كلمتنا عالية ومسموعة، فالعالم اليوم لا يسمع صوتا ضعيفا يصدر عن ضعفاء، وإنما يصغي إلى ما يقوله الأقوياء، حتى وإن جاء قولهم على سبيل التمتمة أو الهمس.

هل يجوز أن نبقى حائرين مترددين في مدِّ الخطوات إلى الأمام على الطريق إلى القدس دون أن نطالب بتحقيق أدنى شروط للسير الناجح والمثمر؟

صوت القوي
فلكي يكون صوتنا مسموعا لا  بد أن تكون خلفنا أمة قوية ودول عربية تتحد ولا تتفرق وتتماسك بدلا من أن تتدابر وتتمزق. فما دامت أمتنا العربية ضعيفة ومبتلاة بنزاعات وحروب طائفية لا يمكن أن يكون لنا صوت قوي في سمع العالم حتى وإن واصلنا قرع أجراس العودة إلى فلسطين والقدس، وبقينا نطرق أبواب العالم بأيدينا الدامية كمن يشكو ظلما وفقرا ليستجدي عطفا على بائس محروم
.

هل يجوز أن نبقى حائرين مترددين في مدِّ الخطوات إلى الأمام على الطريق إلى القدس دون أن نطالب بتحقيق أدنى شروط للسير الناجح والمثمر؟

وهل نتقدم بخطانا إلى الأمام دون أن نلتفت من قبيل الحذر والانتباه إلى الوراء لنبصر ما يجري وراءنا من تشتت وتناقض في النوايا وتفرق في القوى وتلاسن مريب عن تطبيع وتقاعس أو تفريط في المطالبة بحق ضاع ولا يزال يضيع؟

لا بد من رص الصفوف وتنقية النفوس وما يدور في الرؤوس، ولا بد من اجتماع المئات والألوف على نغمة واحدة متفق عليها قبل نقر الدفوف، وإلا سيكون سيرنا نحو القدس خطوة أو خطوتين للأمام مقابل عشر خطوات إلى الوراء لا قدر الله، وفي أحسن الأحوال بالاحتكام إلى مقتضى الحال سنجد أنفسنا بعد جهد جهيد قد عدنا إلى نقطة البدء التي ستشعرنا بأننا ما زلنا نراوح مكاننا على أول الطريق إلى القدس، وقد تسمَّرت أقدامنا على جسور حلمنا ولم نعد نطيق إحساسنا بعجزنا عن السير.. فيلازمنا خوف من أن نفيق، فلا نرانا عندها إلا ونحن متجمهرون أفرادا وجماعات تختلف حتى على من يحمل صفارة البدء بالمسير على أول الطريق إلى إنقاذ القدس، رغم أن الطريق على معرفة جيدة بأقدامنا وأقلامنا وطموحاتنا.

المصدر : الجزيرة