شعارات الجدران.. وجه آخر للمعركة بالقدس

شبان القدس ينتظرون الليل لمقاومة الاحتلال بطريقتهم (الجزيرة)
شبان القدس ينتظرون الليل لمقاومة الاحتلال بطريقتهم (الجزيرة)

 

أسيل جندي-القدس

كل ما يحتاجه الشبان في القدس هو أن يسدل الليل ستاره ليمارسوا واحدة من أشهر وسائل المقاومة، وهي كتابة الشعارات على الجدران، في محاولة للتعبير عن غضبهم ورفضهم للاحتلال وممارساته العنصرية ضدهم.

ورغم مرور واحد وخمسين عاما على احتلال المدينة، فإن شبانها لم يتقاعسوا يوما عن خطّ شعارات لأغراض متعددة تبدأ بالإعلام ثم الحشد والتعبئة، وليس انتهاء بإثبات الوجود والسيطرة والدفاع والحماية وغيرها.

وجدران القدس جزء من جدران محافظات الضفة الغربية وقطاع غزة ومدينة القدس التي تحولت في الانتفاضة الأولى لغابة من الشعارات، حيث كانت الوسيلة الثانية للمقاومة بعد بيانات القوى السياسية. ولم تندثر أدوات التعبير الجديدة مع انطلاق مواقع التواصل الاجتماعي والنشر عبرها.

الكتابة على الجدران التي ظلت وسيلة راسخة وثابتة لم تقتلعها ملاحقات الشبان ومحاكمتهم، ولا ترصّدُ وتتبع طواقم بلدية الاحتلال لهذه الشعارات وإزالتها بشكل دوري.

صورة لأبي علي مصطفى وتظهر بها تطور أدوات خط الشعارات لتشمل الفن الغرافيتي (الجزيرة)

طمس مستمر
تجولت الجزيرة نت في كل من حي الصوانة القريب من المسجد الأقصى وحي باب حطة في البلدة القديمة وببلدة العيساوية شرق المدينة، ففي الصوانة ظهرت الجدران خالية من آخر الشعارات التي خطّت عليها مع إقدام بلدية الاحتلال على طمسها جميعها بالدهان الأبيض، لكن لم يخل زقاق باب حطة من بعض الكتابات مثل "القدس عاصمة فلسطين" و"فلسطين حرة" وغيرها
.

أما بلدة العيساوية -أكثر البلدات المقدسية تعرضا للانتهاكات اليومية- فما زالت تعج حواريها بالشعارات المختلفة رغم محو الاحتلال كافة الشعارات على الجدران في الشوارع الرئيسية.

أ.ع شاب في الثلاثينيات من العمر قال إنه يتذكر جيدا ازدحام شعارات التنظيمات على جدران البلدة خلال أيام الانتفاضة الثانية، مضيفا أن الفصائل كانت تتسابق على الجدران الفارغة بالعيساوية، وأن قانونا كان يسري بينها بعدم إزالة أي شعار أو رسمة إلا بعد مرور ثلاثة أيام على خطّها، حيث "لم تكن هناك وسائل أخرى فكان لا بد من محو الشعارات وكتابة أخرى أولا بأول".

لا بديل
ويرى الشاب المقدسي أنه من الخطأ اللجوء لوسائل التواصل الاجتماعي بديلا لخط الشعارات، لأن الاحتلال اعتقل وما زال يلاحق الشبان النشطاء في الفضاء الإلكتروني ويتهمهم بالتحريض ويصدر أحكاما بالسجن الفعلي عليهم، بعكس وسيلة خط الشعارات التي لا تكشف هوية كاتبها
.

صورة بالفن الغرافيتي للشهيد المقدسي مصباح أبو صبيح (الجزيرة)

ويعتبر الشاب المقدسي أن هذه الوسيلة باتت نهجا يسير عليه الفلسطينيون منذ عقود كونها جزءا من منظومة التراث الفلسطيني الشعبي، متمنيا عدم اندثارها إلا بزوال الاحتلال الإسرائيلي.

وتطورت الكتابة على الجدران مع مرور السنوات، فبعد اقتصارها على الرش بالبخاخات وعلب الدهان في البداية، أصبحت تنشر على الجدران لوحات فنية وكتابات ملونة وجداريات مهمة تحمل معاني وطنية عميقة.

ويتربع علم فلسطين بألوانه على عرش الشعارات المنتشرة على الجدران، بالإضافة لشعارات الفصائل، ويلاحظ المار بجانبها أن اللون الأحمر يستخدم بكثافة إلى جانب اللون الأسود.

وللشهداء والأسرى نصيب من الكتابات والرسومات خاصة بعد إدخال الفن الغرافيتي على هذه الوسيلة النضالية.

ويبين المؤرخ الفلسطيني صالح عبد الجواد أن شعارات الجدران ظهرت بشكل متفرق منذ قدوم الاحتلال، لكنها شكلت ظاهرة تستحق الوقوف عندها ودراستها بُعيد اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987 حيث غزت الشعارات الجدران بشكل واسع.

وأضاف في حديثه للجزيرة نت أن السبب في ذلك يعود لعدم وجود وسائل إعلام حرة آنذاك، وللحاجة لإيصال رسائل للناس لأغراض الإعلام والتعبئة وتحديد المطالب والإعلان عن الإضرابات وغيرها.

جدار أحد المنازل بالعيساوية يعج بالشعارات لمختلف الفصائل (الجزيرة)

إعدام ملثمين
ويؤكد عبد الجواد أن هذه الشعارات انتشرت في كل المحافظات دون استثناء، لكن كلا من مدينة القدس ورام الله وغزة احتلت المراكز الأولى في الجداريات الأكثر عمقا وجمالا. 

وحول ملاحقة الاحتلال لكل الشعارات في المدينة المحتلة والسعي لإزالتها باستمرار، أوضح عبد الجواد -الذي وثق إعدام خمسة وعشرين شابا خلال كتابتهم للشعارات في الضفة الغربية خلال الانتفاضة عبر إطلاق النار عليهم بشكل مباشرأن الاحتلال اتخذ قرارا منذ عقود بوأد كافة أشكال المقاومة بما في ذلك المقاومة الثقافية.

وأضاف أن إسرائيل أصدرت خلال الانتفاضة الأولى قانونا خاصا بشعارات الجدران يتضمن عقوبات لكاتبيها.

وعموما يتلثم من يخطون الشعارات بالكوفية الفلسطينية ليلاً لتأدية ما يرونه واجبا وطنيا، ويخلدون لنومهم قبل بزوغ فجر يوم جديد، بينما يستيقظ المقدسيون على شعارات ورسومات تحمل رسائل مختلفة.

المصدر : الجزيرة