عـاجـل: وسائل إعلام إسرائيلية: المدعي العام الإسرائيلي يقرر توجيه اتهام لنتنياهو في تهم فساد

القدس بعد القمة

أتخيل القدس بعد مؤتمر القمة العربية الأخير وقد طفح كيلها وزاد فيها القهر وهي تتابع "قادة الأمة" وهم يتلجلجون بذكرها على استحياء فقامت على عجل وها هي ترفع ذراعيها للأعلى وتقول ناحبة: يا رب لقد عاملوني معاملة المتسولة، يا رب ما كفاهم كل هذا الأسر وكل هذا الاحتلال بل أوغلوا في إهانتي بكل المحافل الدولية والعربية والإقليمية، يا رب سلموني لـ"إسرائيل" بأيديهم وما سلموا علي وأرسلوا لي بقية طعامهم كي لا أموت ولا أعيش.

أتخيل لو أن الدعم الموعودة به القدس قد تم تقديمه لـ"ترمب"، ما لون وجهه لحظتها، بل ما شكل غضبه الهائج أصلا بلا استفزاز؟ هل كان سيرميه بوجوه القمة أم سيحرقه على الطاولة وبعدها يقلبها بإبهام قدمه اليسرى ويخرج لاويا على كل الأشياء؟

بل دعونا من ترمب هذا، لو كانت إيفانكا ترمب دلوعة البيت الأبيض وصاحبة العرب الأقرب إليهم من لهاث العبيد، لو.. أقول لو مدوا عليها هذا التبرع على سبيل الهدية غير المستردة فما هي فاعلة بالعرب الكرماء الذين يصرفون بلا حدود ويسرفون بلا حياء؟! نصيب إيفانكا أكثر من نصيب القدس، وحظوة إيفانكا أعلى منزلة من حظوة القدس لديكم حتى لم تساووها بـ"إيفانكاكم".

تيقنت أكثر أن القدس لديهم عبارة عن "إسكيتش" تمثيلي رديء التأليف والإخراج والأداء بقصدية كي نرفع عنهم قلم الحساب ولا ننتظر منهم إلا كل عذاب

في المؤتمر الأخير الذي صار اسمه فجأة "مؤتمر القدس" كنت أظن أن كل حنفيات الدعم ستفتح للقدس، وأن الراقدين على بيض النعام سيرفعون رؤوسهم من رمالها ويقبلون طهارة القدس الصامدة ويقدمون اعتذارا عالي التعابير عن الفترة الماضية من التقصير والخذلان، ولكني تيقنت أكثر أن القدس لديهم عبارة عن "إسكيتش" تمثيلي رديء التأليف والإخراج والأداء بقصدية كي نرفع عنهم قلم الحساب ولا ننتظر منهم إلا كل عذاب.

في مراجعة سريعة لما حدث أجدني قد أوهمت نفسي، فكيف بي أن أتطلع إلى قمة عربية لم تستطع أن تدرج ضرب دولة كبرى بحجم سوريا على جدول أعمالها؟ فهل من لم يستطع ذلك ستنتظر منه القدس "القضية الأعقد" أن يفعل شيئا لها؟ كيف لي أن أشطح قليلا بالخيال وهم لم يستطيعوا أن يفتحوا ملف "حصار قطر" وكأن قصة قطر ليست قصة عربية، والقمة ليست مكانها؟!

زمان والآن عندما يغيب أحد من حارتنا تخرج الحارة كلها بحثا عنه وبعد أن يعثر عليه تبقى قصته الحديث الدائر في الحارة لأيام.

زمان والآن، إذا مرض أحدنا فكل الحارة تأتي وتطمئن عليه وتبقى سيرة مرضه على كل لسان.

زمان والآن إذا بنشرت عجلة سيارة يتجمع كل الذين يسمعون ويساعدون سائقها حتى يعاد الإطار سليما ومعافى، والأهم أن حكاية الإطار تبقى مدار حديث للصغار والكبار، ما زلنا منذ زمان وإلى الآن لا نتكلم إلا بآخر ما استجد وبآخر ما طرأ وبآخر ما حدث، فكيف بقمة عربية فيها أعلى القادة وفيها أصحاب التواقيع التي ليس بعدها تواقيع لا تناقش آخر ما يحدث في الأمة العربية في القمة العربية؟ هل تركب هذه في مخ عاقل؟ هل لهذه الدرجة القادة العرب ممنوعون من الكلام؟ معقول أن المواطن البسيط الذي لا تصل إليه كاميرات الإعلام ويعاني كل يوم مليون مرة من الفقر والحاجة والجوع لديه مساحة تعبير عن القدس أكثر من أكبر زعيم عربي.

إن من قرأ البيان الختامي والنقاشات التي سبقته يدرك أن القدس حضرت بجمل معدة مسبقا ليس لها ما بعدها إلا اللغة المطاطة

لماذا لا تخرج الجماهير العربية إذاً في شوارعها العربية مطالبة برفع القيود عن الزعماء العرب، وتطالب أيضا بعدم المساس بهم أو معاقبتهم على أي تصريح نابع مع القلب؟ هل وصل الجبن العربي الرسمي أن قمة عربية هي أعلى القمم وتأتي بعد خروج الملايين في الشوارع في كل الدنيا من أجل القدس والقمة تختبئ في أسفل الوادي وتنادي على القدس بصوت مليء بالحشرجات كي لا يفهمه أحد، هل هانت القدس على النظام العربي الرسمي بحيث لم يستطيعوا مجتمعين أن يصوغوا جملة واحدة فيها "تحمير عين" أو وخز ضمير؟!

أين حارتنا منهم؟ بل أين أطفال حارتنا ليعلموهم كيف يسارعون لبعضهم؟ أين جدول أعمالهم إن كانت لهم أعمال أو كان لديهم جدول من الأساس؟ وإن كانت القمة لا تعبأ بضرب سوريا أو بكيميائي على شعب دوما (بغض النظر نختلف أو نتفق مع بشار الأسد) والحدث على بعد أيام معدودات فقط من القمة فما فائدة القمة؟ وإن كانت أزمة مثل حصار قطر تهز العالم ويهتز لها البيت الأبيض يوميا والإعلام العربي غارق بتفاصيلها لا تدخل في جدول أعمال القمة فما الذي يدخل؟

إن من قرأ البيان الختامي والنقاشات التي سبقته يدرك أن القدس حضرت بجمل معدة مسبقا ليس لها ما بعدها إلا اللغة المطاطة، وأن الذي يجب أن يقال غاب تماما عن حرارة البيان الباهتة والذي يحتاج حرارة صدور كي تعود القدس وتتسيد المشهد العربي الحقيقي وليس مجرد كلام كي تنتهي القمة بوابل من القبلات والأحضان التي تحمل في ثناياها نميمة كنميمة النساء المطلقات اللواتي يبحثن عن طريقة للتحرش بمن يلقي لهن بالا.

المصدر : الجزيرة