القدس لم تكن عاصمة إسرائيل القديمة (4-4)

لقد لفق اللاهوتيون الذين اشتغلوا في أعمال التنقيب أو دراسات الكتاب المقدّس قصة لا أصل لها تقول إن (القدس) كانت عاصمة مملكة إسرائيل. ليس هناك في الواقع أي إشارة توراتية إلى أن (القدس) كانت (عاصمة لإسرائيل). وأنا أتحدّى أي متخصص أن يعطي أي نص من التوراة بلغتها العبرية (الأصلية) يقول إن (القدس أصبحت عاصمة إسرائيل القديمة) في أي وقت من التاريخ.

المؤكد بالنسبة لي وفي ضوء تحقيقاتي التاريخية أن عاصمة إسرائيل كانت تدعى (السامرة) وهي (سامرة) أخرى لا صلة لها بفلسطين. سأروي هذا المقطع من التاريخ بصوتي لا بصوت اللاهوتيين وأقول ما يلي: قبل أن يتوّج داود ملكاً على إسرائيل –حسب نصوص التوراة- كان عبداً/ خادماً عند الملك شاول مؤسس الملكية، ثم نشب النزاع بينهما. بعد مصرع شاول صعد دور داود وقاد شعب إسرائيل وتمكن من الاستيلاء على المدينة الدينية (أورشليم).

والنصوص العبرية لا تقول قط إنه استولى على (القدس)؛ بل تؤكد أنه استولى على (أورشليم). كان النزاع بين داود والملك شاول هو الأرضية القبلية لصراع القيسيّة/اليمنية كما في التراث العربي تماماً، فشاول هو (بن قيس/ حرفياً في التوراة: شاول بن قيس (קיש) أي أنه (قيسيّ). وهؤلاء القيسية هم فرع/بطن صغير من بن يامين/بن يمن حسب نصوص التوراة. أما داود فهو من سبط آخر يدعى (سبط يهوذا). لقد تسببّ صراع شاول بن قيس الملك، مع خادمه والمتمرد عليه داود في انقسام فظيع داخل (سبط بن يامين) الذي انقسم إلى فرعين، فرع قيسي/مؤيد للملك شاول، وفرع بنياميني/بن يمني مؤيد لداود، وهكذا انحاز قسم كبير من القيسية لداود ضد شاول، تفجرّ صراع قيسي/يمني تماماً كما في التراث العربي القديم. وفي قلب هذا الصراع الطويل لم تكن (القدس) عاصمة إسرائيل.

عندما أصبح داود ملكا قرر الاستيلاء على المدينة/المعبد أورشليم. وبالطبع لم يفكر قط بالاستيلاء على (قدس קדש) ولا يوجد أي نص أو إشارة أنه فكر بالاستيلاء على (قدس)

للأسف لا تتيح لي المساحة المخصصّة هنا تقديم كل التفاصيل عن هذا الصراع والكشف عن أصوله في تاريخنا العربي. ومع ذلك سأحاول تلخيص الفكرة (وهي عموماً بكل تفاصيلها في مؤلفاتي الجديدة: إسرائيل المُتخيّلة).

وعندما أصبح داود ملكاً قرر الاستيلاء على المدينة/المعبد أورشليم. وبالطبع لم يفكر قط بالاستيلاء على (قدس  קדש) ولا يوجد أي نص أو إشارة إلى أنه فكر بالاستيلاء على (قدس) أو أنه اتخذها عاصمة لإسرائيل. فما الطريق الذي سلكه للاستيلاء على المدينة/المعبد أورشليم؟ هل يشير هذا الطريق بأي شكل إلى جغرافية (القدس) الفلسطينية؟ بكلام آخر: هل الطريق التي سلكها داود للاستيلاء على أورشليم يمكن أن تشير بأي صورة إلى أنها الطريق نفسها التي يمكن أن يسلكها المرء في طريقة إلى (القدس) اليوم؟ إن نصوص التوراة العبرية تشير إلى أنه عبر جبل (جنب) ثم (جبل هنوم) ثم (جبل كتاف) قبل أن يصل (أرض ييوس) وينتزع أورشليم من سيطرتهم. لكنه اصطدم بمشكلة غريبة (خلقتها الترجمة الخاطئة).

هاكم نصوص التوراة: صموئيل 2: 6

وَذَهَبَ الْمَلِكُ وَرِجَالُهُ إِلَى أُورُشَلِيمَ، إِلَى الْيَبُوسِيِّينَ سُكَّانِ الأَرْضِ. فَكَلَّمُوا دَاوُدَ قَائِلِينَ: «لاَ تَدْخُلْ إِلَى هُنَا، مَا لَمْ تَنْزِعِ الْعُمْيَانَ وَالْعُرْجَ». أَيْ لاَ يَدْخُلُ دَاوُدُ إِلَى هُنَا.

וַיֵּלֶךְ הַמֶּלֶךְ וַאֲנָשָׁיו יְרוּשָׁלִַם, אֶל-הַיְבֻסִי יוֹשֵׁב הָאָרֶץ; וַיֹּאמֶר לְדָוִד לֵאמֹר, לֹא-תָבוֹא הֵנָּה, כִּי אִם-הֱסִירְךָ הַעִוְרִים וְהַפִּסְחִים לֵאמֹר, לֹא-יָבוֹא דָוִד הֵנָּה.

ماذا يعني هذا النصّ؟ وماذا يعني أن على داود -وقبل أن يدخل أورشليم- أن يطرد العميان والعرج؟ إذا ما تقبّلنا هذه الترجمة الخاطئة، فيمكن أن نفترض أن هذه بكل تأكيد صورة مدينة دينية (اليوم يمكننا رؤية أي جامع وأن نشاهد في طرقاته ومن حوله العميان والعرج وهم يتجولون في المدينة الدينية). أي أن تطهير المدينة لن يتمّ إلا بالتخلص من هؤلاء. هذا ما يعيد تذكيرنا بنصوص القرآن عن (العميان والعرج) وهي كثيرة جداً ففي سورة النور (لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ...). وبيوتكم هنا هي (بيوت العبادة) أي أن تأكلوا وتتجولوا في المدينة الدينية. كل هذا صحيح شكلياً، لكن، ثمة وجه آخر لهذا المنظور الشكليّ، فماذا يعني أنه لن يتمكن من دخولها إلا إذا أزاح هؤلاء؟ ليس ثمة أي منطق في هذه الترجمة. من غير المنطقي تخيّل بطل يزيح (ملك إسرائيل) لكنه يترددّ في الاستيلاء على المدينة/ المعبد، فقط لأن هناك (عميانا وعرجا)؟

الحصون الجبلية التاريخية موجودة فقط في اليمن، وقد تسنى لي خلال جولاتي الميدانية طوال أربع سنوات أن أشاهد مئات الحصون الأثرية هناك

هذا غير منطقي. لكن ماذا فعل داود ليستولي على أورشليم هذه (وليس القدس)؟ كان عليه قبل كل شيء أن يستولي على حصن صهيون. وبالطبع، لا وجود لأي حصون جبلية في فلسطين. الحصون الجبلية التاريخية موجودة فقط في اليمن، وقد تسنى لي خلال جولاتي الميدانية طوال أربع سنوات أن أشاهد مئات الحصون الأثرية هناك، كما لا يوجد أي حصن قديم في فلسطين يدعى صهيون. أما في اليمن فيمكننا أن نجده باسمه هذا (حصن صهيون- الهاء الحميرية، مثل يهريق الماء/ يريق الماء، الملك يهرعش / يرعش). وهكذا استولى داود أولاً على الحصن، وأعاد تسميته باسم (عير- دود / أي مدينة داود).

وَقَالَ دَاوُدُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: «إِنَّ الَّذِي يَضْرِبُ الْيَبُوسِيِّينَ وَيَبْلُغُ إِلَى الْقَنَاةِ وَالْعُرْجِ وَالْعُمْيِ الْمُبْغَضِينَ مِنْ نَفْسِ دَاوُدَ». لِذلِكَ يَقُولُونَ: «لاَ يَدْخُلِ الْبَيْتَ أَعْمَى أَوْ أَعْرَجُ».

 וַיֹּאמֶר דָּוִד בַּיּוֹם הַהוּא, כָּל-מַכֵּה יְבֻסִי וְיִגַּע בַּצִּנּוֹר, וְאֶת-הַפִּסְחִים וְאֶת-הַעִוְרִים, שנאו (שְׂנוּאֵי) נֶפֶשׁ דָּוִד; עַל-כֵּן, יֹאמְרוּ, עִוֵּר וּפִסֵּחַ, לֹא יָבוֹא אֶל-הַבָּיִת.

وها نحن نعود إلى أصل قصة (العميان والعرج) الذين أعاقوا داود عن الاستيلاء على أورشليم. لا تبدو هذه الآية التوراتية (مثل سابقتها) وبترجمتها العربية الركيكة والخاطئة، مفهومة أو يمكن تقبل مضمونها المشوش، فماذا يعني أن (منْ يضرب اليبوسيين) ويبلغ القناة والعرج والعمي المبغضبين من نفس داود؟ هل لعاقل أن يتصّور جماعة من العرج والعميان الشحاذين الجائعين في مدينة دينية/معبد، يمكن أن تمنع ملكاً من الاستيلاء على المدينة؟ هذا غير منطقي، وهذه ترجمة خاطئة كلية.  في الواقع يجب أن تقرأ الجملة على النحو التالي، وأنا –هنا- أعيد ترجمة النص العبري بكل أمانة علمية :

(وطلب داود في ذلك اليوم كل منْ بوسعه أن يضرب اليبوسيين ويحاصر حصونهم -سنور- و-الفصح- و-العور- الذين يبغضون روح داود. وأن يمنعوهم من دخول البيت، فلا فصح ولا عور بعد اليوم).

إذا كان الفلسطينيون لا يزالون حتى الآن تحت تأثير الخداع الاستشراقي يزعمون أنهم من (اليبوسيين) فهذا يعني أنهم -طبقا للصورة اللاهوتية- هم العميان والعرج في المدينة المقدسة

وهذا يعني ببساطة ما يلي :

 كل من يتمكن من ضرب اليبوسيين ويدخل في (سنور בַּצִּנּוֹר: النص العبري يستخدم تعبير في سنور) ويأتي الفصحيم  (حصن الفصح הַפִּסְחִים ) ويبعد كل المبغضبين (שנאו شنأو: وفي القرآن أن شانئك/ أي مبغضك هو الأبتر) فسوف يكون (البيت/ المعبد) بعيداً عن خطر الأعداء في هذه الحصون. . وهذه أسماء حصون أقامت فيها قبائل وثنية من اليبوسيين، وليسوا عمياناً ولا عرجاً.

وبذلك سوف تصبح هذه الجماعات خارج البيت/ المعبد. كل هذه التفاصيل لا تشير إلى أن (القدس) كانت عاصمة إسرائيل، أو أن داود استولى عليها. في هذا الوقت كان كهنة أورشليم من القبائل الوثنية اليبوسية (יְבֻסִי) التي تعد من القبائل القوية. وحين قرر داود الاستيلاء على أورشليم، فقد قرر تطهير المدينة الدينية منهم.

ما العلاقة بين اليبوسيين والعميان والعرج؟ إذا كان الفلسطينيون -لا يزالون حتى الآن تحت تأثير الخداع الاستشراقي- يزعمون أنهم من (اليبوسيين) فهذا يعني أنهم -طبقا للصورة اللاهوتية- هم العميان والعرج في المدينة المقدسة الذين منعوا داود من دخولها. لكن دعونا نتساءل أين تقع أرض اليبوسيين. هاكم وصف التوراة لأرضهم.

في سفر يشوع (15 : 8)  نجد نصّا يقول "إن الطريق إلى أورشليم هي على النحو ما يلي:

וְעָלָה הַגְּבוּל גֵּי בֶן-הִנֹּם, אֶל-כֶּתֶף הַיְבוּסִי מִנֶּגֶב--הִיא, יְרוּשָׁלִָם; וְעָלָה הַגְּבוּל אֶל-רֹאשׁ הָהָר, אֲשֶׁר עַל-פְּנֵי גֵי-הִנֹּם יָמָּה, אֲשֶׁר בִּקְצֵה עֵמֶק-רְפָאִים, צָפוֹנָה.

(و- يعله- ها- كبول- وادي -بن- هنوم- كتف- ها- يبوس- م- نجب- هي-ء-  يرو-شليم - ويعله ها- كبول إلى راش- هر- ءشر- عله- فني – جي – هنوم – يمه –ءشر – ب-قصه- عمق- رفئيم- صفونه)

هؤلاء دنّسوا المدينة المقدّسة أورشليم التي طهرها داود. فهل يليق بالفلسطيني المعاصر والمخدوع أن يقول إنه (يبوسي)؟ وإن القدس هي أورشليم؟

(وَصَعِدَ التُّخُمُ فِي وَادِي ابْنِ هِنُّومَ إِلَى جَانِبِ الْيَبُوسِيِّ مِنَ الْجَنُوبِ، هِيَ أُورُشَلِيمُ. وَصَعِدَ التُّخُمُ إِلَى رَأْسِ الْجَبَلِ الَّذِي قُبَالَةَ وَادِي هِنُّومَ غَرْبًا، الَّذِي هُوَ فِي طَرَفِ وَادِي الرَّفَائِيِّينَ شِمَالاً)

لقد ترجم هذا النص بطريقة خاطئة تتطلب معالجة معقدة بعض الشيء. ويجب أن نعيد ترجمته بشكل صحيح، لأن كلمة (من نجب/ وليس من جانب מִנֶּגֶב ) لا تعني (قرب/ جانب) بل تعني (سراة نجب/ جبل نجب). أي من مدخل وادي هنوم حتى مدخل يبوس من وادي نجب (גֵּי בֶן-הִנֹּם, אֶל-כֶּתֶף הַיְבוּסִי מִנֶּגֶב : جي/بن/ هنوم/ ءل/ كتف قبالة هنوم) وهو في أقصى عمق رفئيم وصفونة. هذا يعني أن داود عبر جبل (كتف) وجبل (هنوم) قبل أن يصل أرض اليبوسيين. ثم استولى على أورشليم.

والآن: دلونا على جبل (كتاف) و(جبل هنوم) في فلسطين لنصل إلى أورشليم. ليس ثمة عميان ولاعرج كانوا يمنعون داود من دخول أورشليم. هناك قبائل وثنية يبوسية لديها حصون منيعة وكانت تقيم في جبل جنب، وجبل كتاف، ويبوس.

هؤلاء دنسوا المدينة المقدّسة أورشليم التي طهرها داود. فهل يليق بالفلسطيني المعاصر والمخدوع أن يقول إنه (يبوسي)؟ وإن القدس هي أورشليم؟

منْ لديه نصوص مضادة فليتقدم بها: هاتوا برهانكم إنْ كنتم صادقين.

المصدر : الجزيرة