عائلة مقدسية تهجر المدارس وتطلق العنان للإبداع

عمر (يسار) وفارس يتفقدان الطحالب (الجزيرة)
عمر (يسار) وفارس يتفقدان الطحالب (الجزيرة)

أسيل جندي-القدس

"إنها معجزة أن ينجو الفضول من التعليم الرسمي"؛ اقتنع المقدسيان لؤي وهانية ريّان بمقولة العالم ألبرت آينشتاين هذه، بعد الضرر الذي لحق بإبداع وفضول أطفالهما خلال جلوسهم على مقاعد الدراسة في القدس، مما دفعهما لهجر المدارس دون رجعة، وبذلك تكون العائلة واحدة من أولى العائلات المقدسية التي تلجأ للتعليم المنزلي.

في منزلها الواقع ببلدة بيت حنينا شمال القدس استقبلت العائلة الجزيرة نت، وبمجرد الدخول لغرفة المعيشة يلمس الزائر مدى الحرية الممنوحة لعمر وفارس وياسمين في ممارسة هواياتهم بعيدا عن أي قيود.

خمسة أحواض للأسماك تحيط بالمقاعد، ضفدع هنا وسلحفاة هناك وسبعة من الفئران المنزلية وأرنب وعلبة زجاجية داخلها طحالب، بالإضافة لملصقات تعليمية متنوعة ثبتت على الباب والنوافذ؛ هذه هوايات الأطفال التي يقول الوالدان إن أبناءهم محرمون منها في المدرسة.

عمر (12 عاما) هو الأكبر بين إخوته، يستمع لكلام من حوله بعناية وعندما جاء دوره للحديث قال "التحقت بالمدرسة للصف الرابع، كنت منعزلا لا أحد يكلمني لاختلاف اهتماماتي عن أبناء جيلي، أنا أعشق الاكتشاف والحيوانات والنباتات والطلبة يعشقون الألعاب الإلكترونية ولا يتحدثون سوى عنها.. كنت غريبا وأكره الذهاب للمدرسة".

منذ ثلاثة أعوام لجأ عمر للتعليم المنزلي، وعن هذه الخطوة قال إنه يشعر بالراحة ويتعلم لأن لديه شغفا بذلك، فلا أحد يجبره على القراءة والكتابة والحفظ في إطار كتاب وشرح تقليدي.

هانية ريان مع طفليها فارس وياسمين في درس للغة العربية (الجزيرة)

قفزات فكرية
يخيل لمن يحاور هذا الطفل أنه يتحدث مع رجل واع قفز عن عمره وإطار التفكير الطفولي بسنوات، فهو يتقن معرفة تفاصيل الأشياء ويراقب كل ما يحدث حوله بدقة ويحلل كل التجارب الحسية التي يمر بها.

وعن كيفية قضاء يومه، قال إنه يستيقظ في تمام السابعة ويبدأ نهاره بجولة على الحيوانات التي تقع تحت مسؤوليته من إطعامها وتنظيف مكانها ومراقبة علاماتها الحيوية، ثم يخرج للبستان لاكتشاف جديد في الحشرات والأشجار والنباتات وأوراقها، وبعدها يحدد وجهته في البحث بموقعي غوغل ويوتيوب ثم يتابع مع والدته منهاجا مرنا متوفرا على الشبكة العنكبوتية.

بتمكن معلوماتي مبهر، روى للجزيرة نت حكايته مع السمكة السيامية التي يربيها في حوض صغير "ذكر هذا النوع من السمك يعيش وحده وفي موسم التكاثر جلبتُ له أنثى ووضعتها في حوض مقابل، وعندما رآها الذكر بدأ تكوين فقاعات ماء على سطح الحوض، وفي اليوم التالي وضعتُ الأنثى معه وبدأ بعصر بطنها فوضعت عشرات البيض.. الذكر جمعها في فمه وأطلق كل بيضة بفقاعة".

راقب عمر العملية لمدة ثلاث ساعات لكنها فشلت لاحقا لإقدام الذكر على ابتلاع صغاره بعد خروجها من البيض، ليستنتج عمر أنه لم يضع الغذاء الكافي للسمكة، وعن تقييمه للتجربة قال "تعلمت أن ليست كل المشاريع تتكلل بالنجاح، وأن أخذ العبرة من الفشل يساعد على تخطيه في المرات القادمة".

الطفل عمر إلى جانب حوض السمك الخاص به (الجزيرة)

سبر أغوار الطبيعة
حمل مصباحه الصغير وأشعله فوق الطحالب لتفقد أي تغير طرأ عليها وحذرنا من رائحتها الكريهة، وقبل إنهاء المقابلة قال إنه يطمح في دراسة الطب البيطري بالجامعة، وعبّر عن امتنانه لأمه وأبيه لسحبه من المدرسة وإعطائه فرصة للإبداع والاكتشاف.

شقيقه فارس (8 أعوام) قليل الكلام، التحق بالصف التمهيدي فقط بالمدرسة ويجاور عمر في التعليم المنزلي، وكذلك شقيقتهما ياسمين ذات الأعوام الخمسة التي تتنقل بين حيوانات المنزل الأليفة، تحمل إحداها تارة وتلعب مع حيوان آخر في قفصه تارة أخرى، ثم تنتقل لممارسة هوايتها في تصميم أزياء لدماها.

وبالعودة إلى الأسباب التي دفعت العائلة لاتخاذ قرار بتحويل أطفالها للتعليم المنزلي، قالت هانية ريّان إن القلق بدأ يراودها عندما خفت فضول ابنها الأكبر عمر في الصف التمهيدي وتراجعه عن طرح الأسئلة، وبالتدريج قُتل فضول الطفل بسبب انحسار التعليم بمنهاج لا بد من إنهائه خلال فترة محددة، وانعدام الوقت في المدارس للإبداع والتأمل، بحسب تعبيرها.

اقترحت الأم على مدرّسة أبنائها الخاصة التطوع في المدرسة بتخصصها "تدريب المهارات الحياتية" لكن لم يتجاوب معها أحد، ومع تصاعد حالة انعزال طفلها عن الآخرين وبكائه المستمر لرفضه المدرسة، بدأت هي وزوجها بحث إمكانية ترك طفليهما المدرسة.

ياسمين ريان مع حيوانها الأليف (الجزيرة)

قتل الإبداع
توجه الزوجان إلى وزارة المعارف الإسرائيلية، وقدما طلبا وطرحا أسبابهما لسحب عمر وفارس من المدرسة، وكان السبب الأبرز أن "المدرسة قتلت إبداع وفضول أبنائنا". وبعد زيارة طاقم المعارف للمنزل والتأكد من ملاءمة بيئته للتعليم المنزلي وافقت على ذلك، ويؤكد الوالدان أنهما انطلقا في مغامرة حاول كثيرون حولهم إحباطها لغموض نتائجها وندرة من يخوضونها.

تتفرغ الأمّ منذ ثلاث سنوات لتعليم أطفالها في المنزل، ومن المفترض أن يكونوا قادرين مع بلوغهم سن الثامنة عشرة على اجتياز امتحان الـ"سات" (SAT) الأميركي الذي يؤهلهم لدخول الجامعات.

وتجمل هانية هذه التجربة بقولها "ندمت على إرسال أبنائي للمدرسة يوما، لكنني سعيدة لإنقاذهم من التعليم التلقيني. أطفالي أحرار الآن ولديهم الجرأة لقول لا عندما يريدون ذلك، نستمتع بتعلم شيء جديد كل يوم بحواسنا".

وحول سلبيات عدم اختلاط الأطفال بأبناء جيلهم بسبب التعلم المنزلي، قال الأب إن أبناءه يتوجهون بعد الظهيرة لمركز يضم أطفالا لممارسة الهوايات المتعددة كالرسم والسباحة والموسيقى وغيرها.

تملك العائلة منزلا في مدينة أريحا تربي حوله العديد من الحيوانات وتعتني بالعديد من الأشجار، وتعتقد أنها مصدر مهم للاكتشاف والتعلم.

المصدر : الجزيرة