حمزة أبو زيّاد.. مقدسي يسعى للزرق "بسفينة الصحراء"

عاطف دغلس-العيزرية (شرق القدس)

بلغات أجنبية ثلاث، وبكلمات بسيطة تنوعت بين الإنجليزية والإسبانية والبولونية، يصيح الشاب الفلسطيني حمزة أبو زيّاد بصوته الحاد: أهلا وسهلا، أتريدون ركوب الجمل وأخذ صورة جميلة؟.. إنها فرصة جيدة"، مخاطبا زوارا وسياحا أتوا بلدته العيزرية شرق مدينة القدس للتعرف على معالمها الأثرية والدينية.

منذ ثلاث سنوات عقب تحرره من سجون الاحتلال الإسرائيلي، طرق أبو زياد أبوابا كثيرة للعمل، لكن دون جدوى، فابتاع جملا بنحو ثلاثة آلاف دولار من صديق له وقرر العمل عليه "كدليل سياحي" في بلدته.

حيث توجد الكنائس في الساحة الرئيسية لبلدته، يجلس حمزة برفقة جمله "جيمي" -وهو اسم أطلقه عليه سائح أجنبي- منتظرا وصول حافلات السياح التي تتوافد إلى المكان تباعا، يستقبلهم بوجه باسم، وبشيء من الطرافة يغريهم لاعتلاء "سفينة الصحراء" وأخذ جولة سريعة في المكان.

عند السابعة صباحا من كل يوم، يبدأ نهار الشاب العشريني في العمل، يتزامن ذلك وقدوم السياح إلى الكنيسة للصلاة.. يلملم أبو زياد "جداد" (ثوب) جمله من القماش الملون والمزخرف، الذي أعده بنفسه بعد أن تعذّر عليه شراؤه جاهزا.. ينصبه فوق قفص حديدي أعِدّ جيدا ليتكيف وسنامَ الجمل ويغدو رَكوبا ملائما، ثم يسدل فوق عنقه الطويل ومقدمة رأسه "الدناديش" (الزينة)، وهي كرات من القماش ملونة ومتشابكة تكسبه جمالا ولفتا للانتباه.

يحاول أبو زياد بشتى الطرق جلب السياح لركوب جمله فتلك أضحت وظيفته (الجزيرة)

عناية خاصة
على بعد أمتار قليلة من مدخل كنيسة مارثا وماري، وفي موقع إستراتيجي يرقد "جمل العيزرية" كما يعرفه الأهالي، يتخذ من بِساطين سميكيْن مرقدا له، "فذلك يُخفف عنه آلاما وجروحا يتسبب بها الإسفلت مع الوقت في القدمين والرجلين" يقول أبو زياد. ويضيف أن بيئته الصحراوية تجعله بحاجة إلى عناية مختلفة، ومقابل ذلك يدفع ما لا يقل عن 1500 دولار كأجرة مكان للبلدية.

يعتلي أحد الزبائن ظهر الجمل بحركات آمنة يشرف عليها أبو زياد الذي يمسك بخطام جمله بينما يثبت الراكب نفسه جيدا قبل الشروع في مطالعة المكان من عل والتقاط الصور فوق الجمل، فبعض السياح يظنون الجمل "أسطورة" انقرضت، "وآخرون يعتقدون أنه الوحيد في فلسطين"، يضيف أبو زياد.

لم يكن سهلا وأثناء تواجد الجزيرة نت إقناع أي من السياح بركوب الجمل، إذ يعاني أبو زياد كثيرا في ذلك، فعادة ما يحول دون ذلك ضيقُ الوقت "والتراجمة" (الأدلاء السياحيون) وخاصة الإسرائيليين الذين يسعون لنفع متاجرهم وقطاعاتهم السياحية.

بيد أن الطفل حسام (6 أعوام) لم يخيب ظننا، فقد اعتاد بين الحين والآخر المجيء وأخذ جولة على الجمل وإن بسعر أقل.. حضر بصحبة والدته، ورحب به أبو زياد ولبى رغبته.

الطفل حسام يعتلي ظهر الجمل في بلدة العيزرية (الجزيرة)

اقتصاد سيئ
يُلقي أبو زياد ما في جعبته من معلومات سياحية على مسامع زبائنه وهو يطوف بهم، يُصغون جيدا لمعرفة المزيد عن العيزرية كأحد أهم معالم السياحة الفلسطينية، ففيها كنيسة العازر ومعجزة إحياء الموتى والمسجد القديم والقناطر المعلقة وغيرها.

وكل ذلك "لكسب عدد أكبر من السياح لركوب الجمل"، فسوء الوضع الاقتصادي التي تشهده البلدة لاسيما بعد تشييد الجدار العازل بينها وبين مدينة القدس؛ زاد من معاناة سكانها، وتضاعفت معاناته هو الآخر "بالمنع الأمني" الذي فرضه الاحتلال عليه عقب الإفراج، فحرمه من أية تصاريح لدخول المدينة المقدسة والعمل بها.

قد ترهق الجمل عشر ساعات من العمل المتواصل، لكن أبو زياد يعوضه بتغذية جيدة خاصة خلال فصل الربيع كما هو الحال الآن، فيتركه يرعى في فناء أراضي البلدة، وفي الصيف يقصد الصحراء القريبة لجمع "القطف" وهو نبات شوكي مالح يفضله الجمل، وهو لا يبخل عليه بكشف طبي بين الحين والآخر.

أما "المشروبات الغازية" وتناول أنواع من الحلويات وتوزيع القبل فهي مهارات جديدة تعلمها "جيمي" على يد صاحبه، وصارت مهمة لجذب السياح، وقد أحسن ترويض جمله وتهيئته جيدا تجنبا "لغضبه ولؤمه". أما أبو زياد فقد أضاف إلى قاموس معلوماته مصطلحات تعد أداة اتصاله بينه وبين جمله، مثل "نخ" و"ته" و"حي".

قد لا تكفي بضعة دولارات يتحصل عليها أبو زياد يوميا من السياح، لكنها أضحت وسيلته الوحيدة لكسب لقمة عيشه في ظل مضايقات احتلالية كثيرة وسوء الأوضاع الاقتصادية، وهو يخطط لتوسيع نطاق عمله باستقطاب طلبة المدارس لجولات داخلية وتعليمية وأخرى للعرسان بعمل "زفة" لهم فوق الجمل.

المصدر : الجزيرة