مسيرات العودة والقدس بعيون غزة

احترت في عنوان مقالي هذا، مَن الذي بعيون الآخر؟ العظيم أم الأعظم؟ الكبير أم الأكبر؟ العزيز أم الأعز؟ ومِن ثم هُدِيت لهذا العنوان " مسيرات العودة والقدس بعيون غزة"،  فالقدس عظيمة بعظمة تخليد اسم مسجدها في كتاب الله، وهي التي من أجلها جُيِّشَت الجيوش، وشُنَّت الحروب وسالت في أزقتها الدماء، وهي عنوان الصراع وجوهر القضية.

القدس الكبيرة العظيمة التي تتسع عيونها لما هو خارج الوطن، اليوم أنظر لها من زاوية من زوايا هذا الوطن.. من زاوية غزة، وما أدراك ما حب غزة للقدس، فهي العلاقة بين القلب والأعضاء، بين الجسد والروح.

كانت القدس بعيون غزة في العقد الأخير هي البوصلة، واستطاعت غزة أن تجعل من قضية القدس القضية المركزية، فهي الحاضرة في كل خطابات قادتها، ولا تغيب صورتها عن جميع فعالياتها، بل خرجت أكثر من مرة تزمجر ضد اقتحام قطعان المستوطنين لعتباتها، وهي التي صرخت بوجه المحتل، وهددت وأرعدت حين اعْتُقِلَت مرابطاتها، وصرخت نصرة لـ(أخت المرجلة).

غزة وفي حروبها الثلاث كانت بوصلة مقاتليها موحَّدَةً باتجاه القدس، فكان رجال الأنفاق يحفرون وهم يتخيلون أنّ آخر النفق ستكون القدس

القدس البوصلة
غزة وفي حروبها الثلاث كانت بوصلة مقاتليها موحَّدَةً باتجاه القدس، فكان رجال الأنفاق يحفرون وهم يتخيلون أنّ آخر النفق ستكون القدس، وأن هذه الطريق هي الطريق لباحات المسجد الأقصى، فتجملت أعضاء الجسد المتعب بالصبر، وتحملت ضيق وطنك، وظلمة المكان لأن طريقا آخره يصل للقدس تهون من أجله المصاعب
.

ومع كل شهيق لرجال الضفادع البشرية الذين خاضوا المعارك عبر البحر، كانت أمنياتهم جميعًا أن يكون هناك زفير لهذا النفس داخل بحر حيفا القريب من القدس، فقالوا للموج يا موج أوصِلنا للمكان الذي من أجله نقاتل.

توالت الحروب، وزادت الوقفات، وصدرت البيانات، وخرجت الناس وبقيت غزة الأكثر وفاءً للقدس، فشعبها وقادتها المحاصَرون، والذين لا يملكون أي امتيازات يَخْشَوْن عليها، ولأن قلوبهم معلقة في هواها كانوا الصوت الهادر ضد قرارات ترمب وإدارته الأميركية المُعْتَرِفة بالقدس عاصمةً لكيانهم المحتل.

خرجت غزة بِقَضِّها وقضيضها، بشيبها وشبانها تصرخ للقدس، وتتوعد اليهود، وتقسم على العودة.. معلنةً أن للقدس من يحميها، وأن غزة خاصرة الوطن، ورغم حصارها لن تقبل بالقرارات الخارجية، مطالبة القيادة الفلسطينية بالموقف الجاد والإعلانات الحقيقية.

شَعَرَت واستشعرت غزة قلب القدس النابض بالخطر الذي يحيط بالمدينة المقدسة، وشعرت بمؤامرات ذوي القربى من الأعراب الذين يريدون تمرير ما تسمى "صفقة القرن"، وشعروا أن هناك ما يُحاك بالخفاء، فخرجوا وقالوا: لا صفقات بعد اليوم، فنحن الذين قَبَرنا أوسلو لن نقبل أن يكون هناك من يُوَقّع عنا ومن يتنازل عن حقنا، فلا أخا كبيرا لنا حين يتعلق الأمر بالقدس.

يدرك القريب قبل البعيد أنّ شيئا لن يكون من دون حماس، وبأن تسويةً لن تمر، وحماس تتنفس الصُّعَداء، فحماس الوحيدة التي تملك مفاتيح الحرب والمواجهة، ومن يملك هذه المفاتيح وهذا القلب والإرادة قادر على إفشال أي مخطط.

تَحَسَّسَ الاحتلال الخطر وشعر قبل غيره بخطورة وجدية ما تقوم به حماس، فبات يهدد ويرعد ويتوعد، ولكن من كانت قبلة قلبه القدس لا ينظر لتهديد ولا لوعيد

القرار الجريء
قررت حماس أن تُوَلّي وَجْهَهَا قِبَلَ المسجد الأقصى، وأن تجعل من تاريخ نكبتنا تاريخًا للعودة، وأعلنت عن مسيرات واعتصامات وبرنامجٍ عَمَلِيٍّ قابلٍ للتطبيق، وأَعَدَّت له العدة مع جميع أطياف غزة، تَحَسَّسَ الاحتلال الخطر وشعر قبل غيره بخطورة وجدية ما تقوم به حماس، فبات يهدد ويرعد ويتوعد، ولكن من كانت قبلة قلبه القدس لا ينظر لتهديد ولا لوعيد.

واستمرت غزة في تحضيراتها وكانت بداية الخطوات يوم الجمعة الذي كان بمثابة الإعلان عن الانطلاقة، والخطوات مُتَّخَذَةً من مناسبة يوم الأرض 30 مارس/آذار تاريخًا تُجَدّد به غزة حبَّها للأرض، وعلاقتها بها، فكان يوم الزحف الأكبر، وكانت غزة المميزة في كل شيء تعلن عن وجهٍ جديدٍ من أوجه مقاومتها السلمية، مطالبة بالعودة للديار التي أُخْرِج منها القوم عُنْوَةً، وبالقوة مذكرين المجتمع الدولي بالقرارات التي صدرت عنه، والتي تنص على حمايتهم كلاجئين.

كعادتها وبعنجهية وقُوّة، واجه الاحتلال هذه المسيرات الشعبية التي خرجت بعشرات الآلاف، فأطلق ناره، وصَبَّ جام غضبه على العزل، فارتقى بالجمعة الأولى وبيوم الأرض ما يزيد عن ثمانية عشر شهيدًا، وآلاف الإصابات وحلقت الطائرات، وتصدَّى الفتية بأجسادهم العارية لهذه النيران، وبالقرب منهم ومعهم وبجوارهم كانت قيادة حماس بقطاع غزة تقف مع عائلاتهم وأطفالهم مع الشعب كتفًا بكتف، ويدًا بيد لتقول: القادة يتقدمون الصفوف. وكانت الملحمة التي سيخلدها التاريخ ملحمة العودة الكبرى للقدس والديار التي هُجّر منها الشعب.

لم تثن الدماء الزكية التي تدفقت من شرايين محبي القدس القائمين على هذه الفعاليات، فاستمروا بخطواتهم وأعلنوا أن لا تراجع، وكان هناك بالخارج في أروقة الأمم المتحدة مَن حاول أن يدين هذه العنجهية، والاستخدام المفرط للقوة، فقوبل بالفيتو الأميركي، وكان الموقف الفلسطيني الرسمي بالضفة الغربية دون المستوى المطلوب، سواءً عبر الخطاب الرسمي أو إعلان الحداد والإضراب في يوم لم تكن به دوائر رسمية تعمل، وبقيت غزة لوحدها تواجه حصارها وتضَمِّد جراحها وتهتف باسم القدس رغم كل ما أصابها وألَمَّ بها.

خرجت كل أطياف الشعب الكبير والصغير، الغني والفقير، المُحَزَّب والمستقل، لترسم وعبر الكوشوك واللون الأسود حكاية شعب مبدع في كل شيء

الكوشوك إبداع
خرجت كل أطياف الشعب الكبير والصغير، الغني والفقير، المُحَزَّب والمستقل، ليرسموا وعبر الكوشوك واللون الأسود الذي طبع على أكف الشباب (شحبار) حكاية شعب مبدع في كل شيء، حتى حين ذهب باتجاه هذا الشكل من أشكال المقاومة السلمية أبدع. كانت الصور التي تتناقلها مواقع التواصل الاجتماعي غاية في الروعة، عشرات آلاف الإطارات ترسم حدود الوطن تعلن عن المسيرات التي ستخرج من هذا القطاع لتعيد البلاد، أشعلت الإطارات وحملت الرياح التي وقفت مع الشعب المظلوم سحب الدخان باتجاه الوطن السليب، وتشكلت سحابة من الدخان الأسود كتب وسطها (سنعود).

لا أعلم خلال انتفاضتين شاركتُ بهما، ونضالات كثيرة وكبيرة قام بها الشعب الفلسطيني، فعاليةً بهذا المستوى من الرقي والإبداع والمشاركة الشعبية الواسعة تفاعلًا غير مسبوق، وفكرة رائدة وحَّدت الجميع. لم يَخْلُ الأمر من التَنَدُّر والنكات السياسية التي يبدع بها الفلسطيني الذي يصنع رغم الألم بسمة، ورغم الجراح ضحكة. فكانت صورة الطفل الذي صنع من بصلة كمامة تَقيه الغازات الدمعة التي يُطْلِقها الاحتلال باتجاه المتظاهرين.

في كل يوم من أيام العودة هناك شهيد، إما بالرصاص المباشر وإما متأثرًا بجراحه، ليزيد عدد الشهداء حتى كتابة هذا المقال عن ثلاثين شهيدًا، جُلُّهم من الشباب ومن مختلف المستويات والأعمار، لكن أبرزهم الصحفي الشهيد ياسر مرتجى الذي استشهد وهو يغطي ويصور، ويوثق بطولات شعبه وطرق قتل عدوه للعزل، فبكته العيون وسارت في جنازته ورفاقه الآلاف تلعن من يريد طمس الحقيقة.

جاءت هذه الخطوات التصعيدية والنضالية في وقت حساس للغاية وفي ظل انقسام كبير يعيشه الشعب الفلسطيني وفي ظل حصار شديد يعاني منه قطاع غزة وإغلاق للمعابر وتضيق على الناس وتهديد السلطة بالضفة الغربية لقطاع غزة بعقوبات حتى تعود غزة (لبيت الطاعة الفتحاوي).

لا شك في أن هذه المسيرات والتي شارك فيها الكل الفلسطيني، والتي رفع فيها فقط العلم الفلسطيني وخلت منها رايات الأحزاب والفصائل، هي إحدى أهم وسائل توحيد الشعب الفلسطيني

أهدف محققة
جاءت هذه الخطوات النضالية الكبيرة في ظلال الحديث عن "طبخة" تطبخ، الطباخ فيها أميركا وإسرائيل والمقدم للطعام العربان الذين ينفذون السياسات، فكانت فكرة مسيرات العودة والخروج للحدود، والتي استطعنا من خلالها نحن الفلسطينيين أن نحقق التالي:

1 - إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية: نعم لقد أعادت هذه المسيرات وهذا الخروج وهذا الإبداع الفلسطيني وهذا الإصرار الروح للقضية الفلسطينية، وأحيت فيها ما قد تنساه الأجيال مع الوقت، العودة ليست حلمًا للفلسطيني اللاجئ، العودة حقيقة حتمية أحيتها مسيرات العودة وأعادتها للصدارة الجمعة تلو الجمعة والتي تنظمها غزة، العودة للحدود التي دخل منها سكان القطاع هي رسالة مفادها سنرجع من حيث دخلنا وأُخْرِجنا من ديارنا من هذا المكان ومن هذا المدخل، سنحط (الشيك) وسنزيل الحواجز وسنعبر لأرضنا.

2- الابتعاد عن الروتين والشيء التقليدي: في هذه الخطوات شيء جديد لم يسبق أن قام به الفلسطيني من قبل، لم يسبق أن وقف الطفل يهز الجدار العازل المكهرب، ويصرخ أنا (العائد) وليس (اللاجئ)، لقد تحركت جينات العودة فكان يقول الرجل الخمسيني: أريد أن أعود للمكان الذي ولد به أبي أنا من بير السبع، وكانت تخنق كلماته الدموع، ليتحدث طفل صغير عن مدينة عسقلان والرجعة الكبرى لأرض الأجداد، هذا الحدث وهذه المسيرات نشطت الوعي الفلسطيني، وأحيت النائم في الصدور، وحركت المشاعر نحو الديار.

3- محاولة لتوحيد الشعب وإحياء الروح: لا شك في أن هذه المسيرات التي شارك فيها الكل الفلسطيني، والتي رفع فيها فقط العلم الفلسطيني وخلت منها رايات الأحزاب والفصائل، هي إحدى أهم وسائل توحيد الشعب الفلسطيني، فالكل الفلسطيني شارك في هذه المسيرات من الإعداد للمشاركة، ومن لم يشارك فقد فاته القطار نعم فاته القطار، اليوم الكل موحد عبر شعار (العودة حق كالشمس)، وهذا أكثر ما يحتاجه الشعب المحاصَر أن يكون موحدًا خلف حقوقه.

4- لا شيء يمكن أن يتم من دون حماس: هذا الشق السياسي الذي أثبتته حماس في هذه الخطوة، فالجميع يعلم أن حماس من تسيطر على قطاع غزة وهي من تحكمه، وهي التي تملك مفاتيح التهدئة، وهي التي ساهمت في الماضي في إفشال أوسلو عبر عملياتها الاستشهادية، واليوم تريد أن تئد "صفقة القرن" قبل أن تولد، وهي التي تريد أن تشوه هذا الجنين غير الشرعي والناتج عن علاقة شاذة ما بين أميركا وإسرائيل، والقابلة عربان وعدتهم أميركا بالبقاء على كراسيهم، هي الحقيقة وبمهنية كاملة لا شيء يمكن أن يتم إن رفض الفلسطيني سواء كانت جهات رسمية أو حركات وطنية.

اليوم غزة عيونها كعيون القدس تتسع للجميع، وتنظر للوطن كل الوطن وتُقْسم أن لا تقيل أو تستقيل، تقاتل عن الجميع وتقسم أن يعود الصغير لمنزل جده الذي مات تاركًا معه مفتاح العودة

رفع الحصار
صرخ الشعب في جميع مسيراتهم مطالبين برفع الحصار عن القطاع، وهذا مطلب إنساني بالدرجة الأولى، فالقطاع يعاني حصارًا مطبقًا منذ ما يزيد عن عقد، يحرم شبابه السفر والخروج خارج البلاد ويحرم ساكنوه من أبسط الحقوق الإنسانية، ويموت أطفاله من قلة العلاج ويعيش الاكتظاظ والفقر، هذا القطاع من حقه أن يُرفع عنه الحصار لا أن تُفرض عليه العقوبات، لذلك ستساهم هذه المسيرات بحول الله في رفع الحصار عن هذا القطاع والشعب الذي دفع ضريبة وقوفه بوجه الاحتلال وتصديه لجميع مخططاته.

فقط من خلال هذه الإستراتيجية يمكن الضغط على الاحتلال الذي لم يخفِ انزعاجه من هذه المسيرات، فأكثر من نصف جيشه في حالة استنفار على الحدود الجنوبية للوطن المحتل، تقطع في كل جمعة أعياده ولا يستطيع قادته أن يعيشوا عطلة السبت المقدسة لهم. فإذا ما ضغطنا على الاحتلال، فالاحتلال سيسعى بكل الوسائل لإخماد هذا الحراك، وهو يعلم أن القوة لن تجدي نفعًا مع شعب قراره التصدي وأمنيته الحرية حتى لو استشهد، لذلك سيسعى الاحتلال ومن خلال أصدقائه العرب للضغط على حماس سواء بالترغيب من خلال فتح معبر رفح أو الترهيب من خلال التهديد بالحرب والتي بت لا أستبعدها كخيار يمكن أن يذهب له الاحتلال.

ختامًا شكرًا لغزة التي أحيت فينا حق العودة، وانتفضت اليوم من أجل فلسطين كل فلسطين بعاصمتها الوحيدة الموحدة القدس التي لن تكون شرقية أو غربية، ولن تكون عاصمة لكيان محتل بقرار أميركي، اليوم غزة عيونها كعيون القدس تتسع للجميع، وتنظر للوطن كل الوطن وتُقْسم أن لا تقيل أو تستقيل، تقاتل عن الجميع وتقسم أن يعود الصغير لمنزل جده الذي مات تاركًا معه مفتاح العودة، حفظ الله غزة وشعبها وقادتها وكل من عاش فيها، وسلام عليكم في الخالدين.

المصدر : الجزيرة