القدس.. تحقيق بمقتل أسمهان في "الحكواتي"

حبك مؤلف ومخرج المسرحية أمير زعبي القصة بطابع بوليسي موسيقي كوميدي تناول حياة الفنانة الراحلة أسمهان (الجزيرة)
حبك مؤلف ومخرج المسرحية أمير زعبي القصة بطابع بوليسي موسيقي كوميدي تناول حياة الفنانة الراحلة أسمهان (الجزيرة)
أسيل جندي-القدس

أُسدل الستار على حياة الفنانة السورية الدرزية أسمهان في يوليو/تموز 1944، ورغم مرور أربعة وسبعين عاما على رحيلها، لم يُحل حتى اليوم لغز حادثة وفاتها، إذ لقيت الفنانة وصديقتها ماري قلادة مصرعهما غرقا في ترعة تصب بها مياه النيل بعد سقوط سيارتها فيها وهرب سائقها الخاص.

ظل السؤال عمن يقف وراء موتها دون إجابة، لكن أصابع الاتهام وجهت لأطراف عدة في قضيتها، وتطرقت لهذه الأطراف مسرحية "من قتل أسمهان؟" التي انطلق أول عرض لها في المسرح الوطني الفلسطيني (الحكواتي) في القدس الخميس الماضي.

اندفع الجمهور القادم من أحياء القدس المختلفة ومن مناطق الداخل المحتل عام 1948 بحماسة نحو مدرجات المسرح التي امتلأت. وفي أول المشاهد، أطل الممثل المسرحي المقدسي عزّت النتشة على الجمهور متقمصا دور المحقق "يُسري" من الدائرة رقم "4" الذي أوكلت له مهمة التحقيق في قضية قتل أسمهان.

"من قتل أسمهان؟" مسرحية استمرت ساعة ونصف الساعة بمسرح الحكواتي بالقدس (الجزيرة)

محطات ومنعطفات
وحبك مؤلف ومخرج المسرحية أمير زعبي القصة بطابع بوليسي موسيقي كوميدي تناول حياة الفنانة الراحلة أسمهان، وعرضت المسرحية محطات من حياتها المليئة بالانعطافات والتقلبات بين النجاح والفشل والتي انتهت بشل مأساوي وغامض
.

ولدت أسمهان عام 1917 على متن باخرة كانت تقل عائلتها المتوجهة من تركيا إلى لبنان فسوريا، وعاشت هناك حتى توفي والدها عام 1924، واصطحبتها والدتها وشقيقاها فؤاد وفريد الأطرش إلى مصر، حيث عاشوا حياة فقر وبؤس إلى أن سمع أحد كبار الموسيقيين صوتها صدفة وأخذ على عاتقه تدريبها وحوّل اسمها من آمال إلى "أسمهان".

صدحت حنجرتها في كثير من الأغنيات التي خلدت اسمها حتى اليوم، وفي المسرحية تقمصت شخصيتها وصوتها الممثلة والمغنية الحيفاوية منى حوا، التي تنقلت على خشبة المسرح كفراشة وأعادت الجمهور لزمن بعيد يتوق للرجوع إليه.

جمهور القدس تفاعل مع المسرحية وذرف الدمع أحيانا وعاد بذاكرته لعقود مضت (الجزيرة)

تدريبات مكثفة
فراس فرّاح ونضال الجعبة وإيفان أزازيان ومحمد باشا، تقمص كل منهم أدوارا متعددة في المسرحية التي أخذت الجمهور لمحطات تحقيق مختلفة خاضها الممثل عزت النتشة في دوره الرئيسي، وكانت اللهجة المصرية حاضرة في المسرح المقدسي، وبدا واضحا أن الممثلين خاضوا تدريبات مكثفة لإتقانها
.

انطلقت المسرحية بتعيين المحقق في القضية وكان أول ما واجهه الكم الهائل من الأقاويل والإشاعات التي انتشرت في الصحف مسقطة احتمال أن يكون حادث أسمهان من صنع القضاء والقدر، والتأكيد أن هناك من يقف وراء جريمة موتها غرقا.

وانتشر في الصحف أيضا أحاديث عن نشاط الراحلة السياسي إلى جانب نشاطها الفني المتمثل في الغناء والسينما، ومن هنا فتحت أمام المحقق جبهة تحقيقات تخللتها تهديدات عدة بإغلاق الملف.

وتضمنت المسرحية مشاهد تحقيق مع كل من سائق سيارتها الخاصة فضل محمد نصر، وزوجها الأول الدرزي السابق حسن الأطرش، والمطربة المصرية أم كلثوم التي تملّكها الرعب من صعود المطربة الشامية الشابة وإمكانية استيلائها مع الوقت على جمهورها.

الممثل المسرحي المقدسي عزّت النتشة أطل على الجمهور متقمصا دور المحقق "يُسري" (الجزيرة)

تحقيق متشعب
كما تم التحقيق مع زوجها ومخرج فيلمها الثاني والأخير "غرام وانتقام" أحمد سالم الذي دارت الإشاعات بشأن تورطه في قتلها خاصة وأن شجارات عدة وقعت بينهما وأشهر أحد الأيام مسدسه في وجهها
.

التحقيقات في المسرحية شملت أيضا شقيقها المطرب فريد الأطرش الذي بدا موقفه غريبا من وفاة شقيقته، فبعد إعلانه أنه مجرد إشاعة، عاد وقال إنه حادث طبيعي ولم يهتم بملاحقة الموضوع أمام القضاء.

وذهبت المسرحية في التحقيقات إلى إمكانية أن تكون المخابرات هي من قتلت أسمهان انتقاما منها لسبب أو لآخر، علما أن الفنانة الراحلة تنقلت بين ثلاث أجهزة مخابرات هي البريطانية والفرنسية والألمانية، وعرضت عليها بريطانيا -كونها درزية وزوجة سابقة للأمير حسن الأطرش محافظ السويداء في سوريا- أن تُقنع زوجها والدروز بمناصرة الحلفاء ومعاونتهم في طرد عملاء الألمان من الشام.

كان للمخابرات البريطانية ملاحظاتها الكثيرة على أداء أسمهان، وعلى إخلاصها في المهمات الموكلة إليها، وخاصة علاقاتها المستجدة مع عدوتها المخابرات الألمانية، ومن هنا توجهت أصابع الاتهام إلى بريطانيا في قتلها.

الملك فاروق كان من بين من تم التحقيق معهم في المسرحية، التي تخللتها مشاهد استعراضية وغنائية بأزياء لافتة للفنانة أسمهان، حيث حضرت مع كل من تم التحقيق معهم كجزء من حياتهم.

في مشهد كوميدي سبق آخر مشاهد المسرحية، ظهرت جماعة من الإخوان المسلمين تتهم المحقق بتهميشهم في القضية وعدم وضعهم في دائرة الشك، إذ اعتادوا أن يزج بهم في كل حادثة كبيرة وصغيرة بتوجيه أصابع الاتهام لهم.

المغنية والممثلة منى حوا مثلت شخصية أسمهان وتطمح لتمثيل دور أم كلثوم (الجزيرة)

مياه النيل
انتهت المسرحية بقتل المحقق ودفن القضية دون الوصول للمتهمين فيها، وبعد وفاة المحقق التقى بأسمهان التي ظهرت كملاك وسألها من قتلك؟ فأجابت "كلهم قتلوني، أنا كنت فوق احتمال العالم ده.. أنا كنت ست بين عالم رجالة لكنني كنت بتبع قلبي"، ثم كرر السؤال عليها وأجابت "قتلتني مياه النيل
".

أسدل الستار على المسرحية -التي امتدت لساعة ونصف الساعة- بدموع ذرفها الممثلون والجمهور على قضية تراجيدية قدر لها أن تدفن تفاصيلها مع دفن صاحبتها.

وعن هذا العمل الذي توّج في القدس، قال مؤلف ومخرج المسرحية أمير زعبي للجزيرة نت "يجب أن نتذكر ماضينا الغني بالإبداع والثقافة، أحن لقمم إبداع العرب التي اندثرت ووصلت الحضيض.. الإقبال رائع ومتوقع لأننا ما زلنا مصابين برومانسية الماضي ولدينا حنين لتلك الفترة
".

الممثل المقدسي عزت النتشة قال إنه لم يكن يعرف شيئا عن هذه الفنانة وقرأ عنها مطولا ليحمل هذا الدور ويكون على قدر المسؤولية، وأضاف "تفاعل الجمهور معنا وهدوؤه في اللحظات التي نحتاج فيها لذلك أمدني بالراحة وساعدني على التمثيل بسلاسة".

أما منى حوا التي بُهر الجمهور بخامة صوتها وأدائها المتقن، فقالت إنها انخرطت في حياة الراحلة أسمهان، وتغلغلت أغنياتها في جسدها وروحها، ولهذا أتقنتها، وعن الدور الذي تطمح لتقمصه في مسرحية قادمة قهقهت وقالت "أريد أن أكون كوكب الشرق أم كلثوم".

المصدر : الجزيرة